وقد تتبع الإمام السيوطي هذه
المبهمات في القرآن الكريم؛ فصنفها إلى مبهمات في أفراد الإنسان والملائكة والجان
والأقوام والقبائل والحيوان والأمكنة والأزمنة، وما إلى ذلك.
وقد رُتبت على ترتيب آي القرآن
في فصل سماه (ذكر آيات المبهمات)، تحت النوع السبعين من كتاب (الإتقان).
واعتمد فيه على النقل المجرد، وفيه من الأقوال
ما صح سنده وما لم يصح، والعهدة عليه فيما نقل، وسنذكر - هنا - شيئًا من المبهمات فوق ما
ذكرناه من قبل؛ تتمة للفائدة اعتمادًا على ما نقله المفسرون
والمحدثون وغيرهم ممن عني بذكرها.
في القرآن أفراد من الرجال ذكرهم الله بأوصافهم
تعظيمًا لشأنهم، وتقديرًا لجهودهم وأبهم أسماءهم؛ إمّا لشهرتهم عند نزول الآية،
وإما لتدريب الذهن على معرفتهم عن طريق أوصافهم؛ لمحاكاتهم في تحصيل تلك الأوصاف
إن استطاعوا، أو الاقتداء بهم بقدر طاقاتهم، وتعطير أفواههم بالثناء عليهم والدعاء
لهم:
(أ) من ذلك قوله تعالى: {وَلَا
يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى
وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ
اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
[النور: ٢٢].
قال ابن كثير في تفسيره [٦/٢٩]: هو الصديق أبو بكر - رضي الله عنه -؛ حين حلف أن لا ينفع مسطح بن
أثاثة بنافعة أبدًا بعد ما قال في عائشة -رضي الله عنها- ما قال. اهـ. فلما تليت عليه هذه الآية رجع فيما عزم
عليه وكفر عن يمينه.
(ب) وفيه نزل قوله تعالى: {إِذْ
يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}
[التوبة
:٤٠].
(ج) وقوله جل شأنه: {وَالَّذِي
جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [الزمر :٣٣].
قال السيوطي في (الإتقان)[٤/٩٤]: "والمراد به الصديق في الكل -أي: في هذه الآيات الثلاثة، وهو
مصيب في الآيتين الأوليين، أما الثالثة فهو قول محتمل؛ والأصح أن الذي جاء بالصدق -كما قال مجاهد وقتادة والربيع
بن أنس وابن زيد- هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم".
وقال السدي: هو جبريل -عليه السلام، والذي صدق به أولًا هو محمد -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر
وجميع المسلمين؛ بدليل قوله في ختام الآية: {أُولَئِكَ
هُمُ الْمُتَّقُونَ}،
هذا ما ذكره أكثر المفسرين في كتبهم.
(د) وممن عظم الله شأنه بالوصف – أيضًا -
صهيب
بن سنان الرومي، ففيه نزل قوله تعالى: {وَمِنَ
النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ}
[البقرة :٢٠٧].
وذلك أنه لما أراد الهجرة منعه المشركون أن
يهاجر بماله، فتركه لهم ابتغاء مرضات الله، فلما وفد إلى المدينة تلقاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: (ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى) [رواه الحاكم٥٧٠٠]، وهذه الآية تتناول بعمومها كل
من كان قد اشترى دينه بدنياه، وباع نفسه لله.
(هـ) وفي زيد بن حارثة نزل قوله عز وجل: {وَإِذْ
تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ
عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ}
[الأحزاب
:٣٧]، فقد أبهم اسمه في أول الآية؛
تعظيمًا له وتقديرًا لشأنه؛ وتذكيرًا له بالإنعام عليه، ثم صرح باسمه مبالغة في
تكريمه، وهو الصحابي الوحيد الذي ذكر اسمه صراحة في القرآن الكريم، وقد نزلت هذه
الآية في قصة زواجه من زينب بنت جحش رضي الله عنها.
(و) وممن عظم الله شأنه بالوصف وأبهم اسمه للأسباب التي ذكرناها،
العبد الصالح الذي أشار إليه رب العزة في قصة موسى معه بقوله: {فَوَجَدَا
عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ
رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا}
[الكهف
:٦٥]، وأرانا الحق - جل شأنه - من آياته التي أجراها على يديه
عجبًا.
قال جمهور المفسرين والمحدثين: إنه الخضر؛ يروون ذلك عن رسول
الله -صلى الله عليه وسلم، وهذا لقبه الذي اشتهر به واسمه
بليَا بن ملكان، قاله غير واحد من المفسرين.
وقد أبهم الله اسمه ولقبه؛
لاشتهار قصته عند أهل الكتاب وغيرهم ممن قرأ كتبهم.
ووصفه يغني عن اسمه ولقبه، فهو من الذين
خصّهم الله بالكرامات، ووصفه بالعبودية الخالصة، وعَمّه برحمة واسعة وعلم لدنّي؛
تلقاه منه -جل
شأنه-
ببصيرته.
(ز) وممن أبهم الله اسمه واكتفي بما
ساقه في شأنه مع قومه حبيب النجار؛ كما جاء
في كتب التفسير.
وفيه
نزل قوله تعالى:
{وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ
رَجُلٌ يَسْعَى} إلى قوله جل شأنه: {قِيلَ
ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ* بِمَا غَفَرَ لِي
رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ}
[يس: ٢٠ -٢٧]
ومثله مؤمن آل فرعون، فقد قص
الله علينا من أمره في سورة غافر ما فيه عظة وعبرة لكل مؤمن يتصدى للدعوة، وينصر
الحق بما أوتي من علم وحكمة.
وقصته تبدأ من قوله تعالى: {وَقَالَ
رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ
فِرْعَوْنَ}، وتنتهي بقوله -جل شأنه- {فَوَقَاهُ
اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا} [غافر: ٢٨ - ٤٤]، ومع هذا لم يذكر اسمه،
فالأسماء مجرد أعلام على أصحابها ؛ لا تدل على شيء وراء ذلك في الغالب، وذكر الاسم مع أنه
ذكرت الأوصاف العظيمة لا يلتفت إليه العقلاء، وإن غاب عنهم لا يسألون عنه.
وقد قال السيوطي في (الإتقان)[٤/١٠٥]: هو شمعَان، وقيل: شمعون، وقيل:
جبر، وقيل: حبيب، وقيل: حزقيل. وزعم أنه هو الذي جاء من أقصى
المدينة يسعى.
وكثرة الأسماء التي ذكرها تدل
على غموض اسمه على المؤرخين، وما كان ضرهم لو تركوا ما لم يحيطوا بعلمه، وما لا
يترتب على ذكره فائدة؛ ترفعًا عن التهافت، والاشتغال بما لا يضيف إلى المعاني
القرآنية شيئًا ذا بال.
فماذا يفيد ذكر اسم هذا الرجل
مع هذه الأوصاف التي أثنى الله عليه بها، وهذا الجهد الذي بذله في دعوة آل فرعون
إلى اتباع موسى -عليه السلام.
وممن عَظّم الله شأنهن من
النساء:
(أ) حواء، فقد أبهم الله اسمها؛ لاشتهاره
في الخليقة -
كما
أشرنا من قبل عند ذكر أسباب الإبهام، واكتفى -جل شأنه- بوصفها في سياق الحديث عن آدم -عليه السلام-، قال تعالى: {وَقُلْنَا
يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ
وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ}
[البقرة :٣٥]، وقال -جل شأنه-: {وَيَا
آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ
وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [الأعراف:١٩]، وقال -عز شأنه: {فَقُلْنَا
يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا
عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى مِنَ
الجنَّةِ فَتَشْقَى} [طه :١١٧].
(ب) بلقيس، أبهم الله اسمها؛ لعدم جدواه في
تعظيم شأنها بالأوصاف التي ذكرها، فقد قال رب العزة في شأنها ما قال في سورة النمل
من قوله:
{فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ
أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}
إلى
قوله:
{قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ
نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
[٢٢ – ٤٤].
(ج) وقد ذكر الله مريم باسمها في سورة التحريم [آية: ١٢] فقال:
{وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي
أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ
رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ}. بينما ذكرها في سورة الأنبياء
بالوصف؛ فقال -جل
شأنه: {وَالَّتِي
أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا
آيَةً لِلْعَالَمِينَ}
[آية: ٩١]؛ حملًا على ما جاء في سورة التحريم،
ولاشتهارها بما وصفت به من كونها هي وابنها آية للعالمين.
ونص على اسمها في سورة التحريم واسم أبيها؛
لأنها سيقت مساق العظة والعبرة لأمهات المؤمنين، فقد ذكر الله من أوصافها ما
يحملهن على التحلي بها، وهن كذلك إلا أن الله جعلها لهن مثلًا للمرأة التي فاقت
كثيرًا من الرجال في الطاعة والانقياد، ولم تكن زوجًا لأحد، فكيف بهن وهن أزواج
خير خلق الله، وخاتم رسله -صلى الله عليه وسلم.
(د) وقد أبهم الله ذكر اسم أم موسى
عليه السلام، واكتفى بالحديث عنها وعن وليدها؛ لعدم الحاجة إلى معرفة اسمها، قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا
إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي
الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ
مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: ٧]، وقال جل شأنه: {وَأَصْبَحَ
فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ
رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}
[القصص :١٠].
قال السيوطي في (الإتقان): "اسمها يُحَانِذُ بِنْتُ
يَصْهَرَ بْنِ لَاوِي وقيل ياء وخا، وقيل: أباذخت". [الإتقان في علوم القرآن، للحافظ جلال
الدين السيوطي، تحقيق/محمد أبو الفضل إبراهيم،
ط الهيئة المصرية العامة للكتاب، جـ ٤ / ص ١٠٤].
وقيل: اسمها لوخا بنت هاند بن لاوي بن يعقوب،
وقيل:
يوكابد،
وهو الاسم المشهور في كتب التاريخ والسير.
(هـ) وأبهم – أيضًا - أخت موسى في قوله سبحانه: {وَقَالَتْ
لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}
[القصص: ١١].
واسمها - كما قال السيوطي في (الإتقان)[٤/١٠٤]: مريم، وقيل: كلثوم.
والأصح: أن اسمها مريم؛ لقول الله - تعالى - حكاية عن مريم بنت عمران، إذ
عيرها قومها بقولهم كما حكي الله عنهم: {يَا
أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا}
[مريم: ٢٨]، يعنون أنها أخته في الفضل والصلاح
تعريضًا بها، وأخته –
أيضًا - من حيث إن له أختًا بهذا
الاسم، وقيل:
إنها
كانت من نسله، والله أعلم.
وقد أبهم الله اسمها؛ كما أبهم
اسم أمها اكتفاءً بنسبتها إلى أخيها موسى -عليه السلام- واكتفاء بذكر ما قامت به من عمل
جليل؛ تذكر به في القرآن على مر الزمان.
وقد وصفها الله بالحكمة وبعد
النظر، وحسن الحيلة في جلب أخيها من قصر فرعون إلى بيتها؛ ليعيش في سرور وحب،
وبعيدًا عن الطاغية، ونكايةً فيه.
(و) وأبهم الحق -جل شأنه- اسم امرأة فرعون، واكتفى بذكر دعائها؛ تعظيمًا
لشأنها معه، فهذا الدعاء يدل دلالةً قاطعةً على أنها أخلصت له دينها واختارت
جواره، واستغاثت به من شر كل كفار أثيم، وظالم لنفسه وللمؤمنين.
قال جل شأنه:
{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا
امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ
وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [التحريم :١١]، واسمها آسية بنت مزاحم كما جاء في كتب
التفسير.
وعدم ذكر اسمها في القرآن لا
يضيرها، ولا يضير مَنْ جَهِلَهُ، فالوصف أقوى بكثير من ذكر الاسم في كثير من
المواطن، كما هو معروف عند أهل اللغة بوجه عام، وعند المتخصصين في دراسة لغة
القرآن بوجه خاص.
ونسبها إلى فرعون؛ للدلالة على
أنها آثرت ربها الذي خلقها، على هذا الفرعون الذي أغدق عليها من نعم الدنيا ما لم
تجده امرأة سواها؛ لتكون عبرة لغيرها وقدوة لأمثالها.
(ز) وممن أبهم الله ذكرهن تعظيمًا لهن، وسترًا عليهن،
التي جادلت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في زوجها، ورفعت شكواها إلى
الله - عز وجل - وهي خولة بنت ثعلبة.
قال الله - عز وجل: {قَدْ
سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى
اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}
[المجادلة: ١].
فقد أنصفها ربها، وعذر زوجها،
وأنزل أحكامًا تتعلق بالظهار حلًّا للإشكال الذي وقع فيه زوجها، ولكل من يظاهر
امرأته؛ مع تحريم الظهار والتغليظ في وصفه، فكان هذا التشريع من بركاتها، وقد أبهم
ذكر زوجها سترًا عليه، وهو أوس بن الصامت.
(ح) وممن أبهم الله اسمها زينب بنت
جحش، سترًا عليها، وفي الستر تعظيم لشأنها.
قال جل شأنه: {وَإِذْ
تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ
عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ
وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ
مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب: ٣٧].
وصرح باسم زوجها تعظيمًا له،
ومبالغة في التنصيص على حرمة التبني، وإباحة زوج المتبني؛ بعد أن كانت محرمة في
الجاهلية وفي صدر الإسلام.
(ط) وقد أبهم الله اسم التي أسر
إليها النبي حديثًا، فنبأت به، ولم يذكر اسم التي تلقت هذا السر منها؛ وذلك سترًا
عليهما وحفظًا لمكانتهما من رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
قال عز شأنه: {وَإِذْ
أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ
وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا
نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ*
إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا
عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: ٣،٤]
ولا يخفى ما في هذا الإبهام من
أدب التعبير، فإن ذكر المرأة هنا باسمها لا يتعلق به فائدة، فضلًا عن كونه إفشاءً
لسر يحرص العاقل الراشد على طيه، ونحن نعلم من أحوال بعض العرب ستر أسماء النساء
بالألقاب والكنايات؛ تنزيهًا لهن وسموًّا بمكانتهن، وفي نثرهم وشعرهم من ذلك
الكثير.
ثم إنه كيف يليق أن يصرح سبحانه باسم المرأة هنا، وهو يلومها على التصريح
بالحديث الذي أمرها الرسول صلى الله عليه وسلم بكتمانه، أليس في التصريح باسمها إفشاء
للسر؟
وقد درج القرآن الكريم في
الحديث عن النساء على طي أسمائهن، والتعبير عنهن بالوصف غالبًا. [انظر: مقاصد التشريع الحكيم في سورتي الطلاق
والتحريم للدكتور/ محمد بكر إسماعيل]
وممن عظم الله شأنهما من الرجال:
(أ)رجلان أنعم الله عليهما
بالإيمان وحسن التوكل، ذكرهما - جل شأنه – مبهمين في قوله تعالى: {قَالَ
رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا
عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى
اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: ٢٣].
قال ابن كثير في (تفسيره) [انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير،٣/٦٩] هما: يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا،
قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطية والسدي والربيع بن أنس، وغير واحد من السلف
والخلف.
(ب) ومن الذين عظم الله أحدهما وحقر
شأن الآخر ما جاء في قوله تعالى:
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ
بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ
مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ
قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة:٢٧].
قال كثير من المفسرين: هما قابيل وهابيل، والمعظم
منهما هابيل، فهو التقي الذي تقبل الله قربانه.
(ج) وفي قوله تعالى: {وَاضْرِبْ
لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ} [سورة الكهف: ٣٢]. يقول السيوطي في (الإتقان) [٤/١٠٢]- والعهدة عليه – : هما تمليخا - وهو الخيّر، وفطروس.
(د) وفي قوله تعالى: {وَأَمَّا
الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ} (٨٢) من سورة الكهف، يقول السيوطي [الإتقان٤/١٠٢]: هما أصرم وصريم.
(هـ) وفي قوله - جل شأنه - في سورة يس: {إِذْ
أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ}
[يس :١٤].
يقول السيوطي: هما شمعون ويوحنا، والثالث
بولس، وقيل:
هم
صادق وصدوق وشَلُوم. [انظر: الإتقان، للسيوطي، جـ٤ / ص ١٠٦]
وممن عظم الله شأنهن من النساء:
(أ) ما جاء في قوله تعالى من سورة القصص [آية: ٢٣]: {وَلَمَّا وَرَدَ
مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ
دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ}.
يقول السيوطي[الإتقان٤/١٠٥]: اسمهما لِيَّا وَصَفُورِيَّا، وهي
التي نكحها موسى -عليه السلام.
وممن أبهم الله أسماءهم من
الجموع تعظيمًا لشأنهم:
(أ) الأسباط ، وقد ورد ذكرهم في خمسة مواضع من
القرآن، وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر: يوسف، وروبيل، وشمعون، ولاوي، ودان،
ويهوذا، ونفتالي، وجاد، وأشير، ويشجر، وريالون، وبنيامين.
هذا ما قاله السيوطي في (الإتقان)[٤/٩٦]؛ وهو غير مُسَلَّم، فهؤلاء أولاد
يعقوب مباشرة، والأسباط أحفادهم.
قال ابن كثير في (تفسيره): قال أبو العالية والربيع وقتادة: الأسباط بنو يعقوب اثنا عشر
رجلًا، ولد كل رجل منهم أمة من الناس فسموا الأسباط.
وقال الخليل بن أحمد وغيره: الأسباط في بني إسرائيل،
كالقبائل في بني إسماعيل. [راجع: ابن كثير، ١/٣٢٢]
(ب) النقباء الاثنا عشر، عظَّم الله شأنهم وأبهم أسماءهم
في قوله -جل
شأنه-
من
سورة المائدة [آية: ١٢]: {وَلَقَدْ أَخَذَ
اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ
نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ}.
(ج) أبناء إبراهيم -عليه السلام- المذكورون في قوله تعالى: {وَوَصَّى
بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى
لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة: ١٣٢].
قال السيوطي [الإتقان ٤/٩٨] : "هم شموع بن
زكور من سبط روبيل، وشوقط بن حورى من سبط شمعون، وكالب بن يوفنا من سبط يهوذا،
وبعورك بن يوسف من سبط إيشاجر، ويوشع بن نون من سبط إفراثيم بن يوسف، وبلطى بن
روفوا من سبط بنيامين، وكرابيل بن سودي من سبط زبالون، وكدي بن شاس من سبط منشا بن
يوسف، وعماييل بن كسل من سبط دان، وستور بن ميخائيل من سبط أشير، ويوحنا بن وقوسى
من سبط نفتالى، وإل بن موخا من سبط كاذلوا".
قال السيوطي [الإتقان٤/٩٦]: "هم إسماعيل وإسحاق ومدين
وَزِمْرَانُ وَسَرَحٌ وَنَفْشٌ وَنَفْشَانُ وَأَمِيمٌ وَكَيْسَانُ وَسَوْرَحُ
ولوطان ونافش".
(د) أصحاب الكهف، أبهم الله أسماءهم وعظم شأنهم،
وجعل قصتهم عبرة لمن اعتبر.
قال السيوطي [الإتقان٤/١٠٢]: "هم تمليخا، وتكسلمينا، ومرطوش،
وبراشق، وأيونس، وأريسطانس، وتسلططيوس".
(هـ) أولو العزم من الرسل، في قوله جل وعلا: {فَاصْبِرْ
كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: ٣٥].
قال السيوطي [الإتقان٤/١٠٧]: "أصح الأقوال أنهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى،
ومحمد -صلى الله عليه وسلم".
وقد نص الله عليهم في آيتين،
فقال -
عز
وجل - في الأحزاب[آية: ٧]: {وَإِذْ
أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ
وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا}. وقال تعالى في سورة الشورى [آية:١٣]: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا
وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ
إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا
فِيهِ}.
وقيل: المراد جميع الرسل، وهو الراجح
عندي، وعلى ذلك تكون (من) في قوله: (من الرسل) لبيان الجنس، والله أعلم.
(و) أهل البيت، عظم الله شأنهم وأبهم أسماءهم؛
إما للعلم بهم، أو لأن كلمة (أهل) في اللغة تعني عندهم طائفة
مخصوصة من ذوي القربى، لا يدخل فيهم من ليس منهم، والقرآن نزل بلغتهم، فأبهم أفراد
الأهل اعتمادًا على أفهامهم.
قال - جل شأنه - في سورة الأحزاب[آية:٣٣]: {إِنَّمَا يُرِيدُ
اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ
تَطْهِيرًا}
قال السيوطي: [الإتقان، للسيوطي، جـ٤ / ص ١٠٥] هم: علي، وفاطمة، والحسن، والحسين،
وهو أصح الأقوال.
ومنهم من أدخل نساء النبي -صلى
الله عليه وسلم- في أهله؛ مراعيًا في ذلك أسباب النزول.
فقد قال الله - عز وجل - في حق نسائه صلى الله عليه وسلم:
{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ
الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ}، يعني بوجه عام، بل منهم من خص
الآية بنساء النبي -صلى الله عليه وسلم؛ لأنها نزلت فيهن.
قال ابن كثير: [انظر: ابن كثير، ٦/٣٦٥] فإن كان المراد أنهن كن سبب
النزول دون غيرهن فصحيح، وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن ففي هذا نظر.
وممن حقر الله شأنهم من الرجال:
(أ) من قال الله فيه: {وَمِنَ
النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ
عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} [البقرة :٢٠٤].
قال السيوطي في (الإتقان)[٤/٩٦]: هو الأخنس بن شريق، وهو قول
السدي، وقيل:
هو
عام في المنافقين، قال ابن كثير: وهو الصحيح. [تفسيره ١/٤١٩]
أقول: ربما كان الأخنس هذا أعذبهم
لسانًا في الباطل، وأشدهم نفاقًا؛ فخص بالذكر من دونهم في كتب التفسير والسير.
(ب) من ورد ذكره مبهمًا في قوله تعالى: {أَلَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} [البقرة: ٢٥٨].
قال أكثر المفسرين: هو نمرود بن كنعان، وكان ملك
بابل كما ذكر ابن كثير في تفسيره [١/٥٢٥].
(ج) ومن قال الله فيه: {وَمِنْهُمْ
مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي} [التوبة :٤٩].
قال السيوطي [الإتقان٤/٩٩]: هو الجد بن قيس، وبذلك قال
كثير من المفسرين نقلًا عن ابن إسحاق وغيره. والآية تشمل بعمومها كل من كان
على شاكلته.
(د) ومن جاء في قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ
مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} [التوبة: ٥٨]. قال السيوطي [الإتقان ٤/٩٩]: هو ذو الخُوَيصرة، واسمه حرقوص،
كما قال ابن كثير[تفسيره٤/١٤٤] - لما اعترض على النبي -صلى الله عليه وسلم- حين قسم غنائم حنين؛ فقال له: اعدل فإنك لم تعدل.
(هـ) ومنهم أبو عامر الراهب الخزرجي؛ الذي تنصر في الجاهلية، وقرأ
علم أهل الكتاب، وبارز النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين بالعداوة، وخرج فارًّا
إلى كفار قريش يمالئهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المشار إليه في قوله تعالى:
{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا
ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ
حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ} [التوبة :١٠٧]، والذين بنوا مسجد الضرار اثنا عشر رجلًا؛
ذكر ابن كثير[تفسيره٤/١٨٦]
أسماءهم وأنسابهم عند تفسير هذه الآية.
(و) من أشير إليه في قوله تعالى: {َفَرَأَيْتَ
الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ
لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا} [مريم: ٧٧]. نزل في العاص بن وائل، كما قال
أكثر المفسرين نقلًا عن المحدثين.
وممن أبهم الله أسماءهن تحقيرًا
لشأنهن:
(أ) امرأة أبي لهب: أم جميل أروى بنت حرب بن أمية
أخت أبي سفيان.
(ب) امرأة نوح وامرأة لوط.
ضربهما الله مثلًا للذين كفروا في
سورة التحريم، وقد ذكر السيوطي أن اسم الأولى والعة، واسم الثانية والهة، وقيل: واعلة.
ومن الجموع التي أبهم الله
أسماءهم احتقارًا لشأنهم:
(١) ما جاء في قوله تعالى: {فَقَاتِلُوا
أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ}
[التوبة :١٢]. وهم كثير، ذكر السيوطي [الإتقان٤/٩٨] منهم: أبا سفيان، وأبا جهل، وأمية بن
خلف، وسهيل بن عمرو، وعتبة بن ربيعة.
قال ابن كثير في (تفسيره) [٤/١٠٣]: والصحيح أن الآية عامة، وإن
كان سبب نزولها مشركي قريش؛ فهي لهم ولغيرهم.
(ب) {إِنَّا
كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر: ٩٥]. قال سعيد بن جبير - كما ذكر السيوطي [الإتقان ٤/١٠١]: هم خمسة: الوليد بن المغيرة، والعاص بن
وائل، وأبو زمعة، والحارث بن قيس، والأسود بن عبد يغوث.
(ج) {أَلَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ
وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ} [النساء:٤٤].
قال السيوطي [الإتقان ٤/١١٢] - نقلًا عن عكرمة: نزلت في رفاعة بن زيد بن
التابوت، وكردم بن زين، وأسامة بن حبيب، ورافع بن أبي رافع، وبحري بن عمرو، وحيي
بن أخطب.
والأفضل بقاء العموم على عمومه
ليدخل فيهم من هو على شاكلتهم، لكن المفسرين أولعوا بذكر أشهر الأفراد من الذين
نزلت فيهم الآية، فيقصرونها عليهم، وأحيانًا يبقونها على عمومها، ويذكرون من
العموم ما وسعهم أن يذكروه نقلًا عن المحدثين وأصحاب السير.
ومما أبهم الله ذكره من الأماكن:
(أ)ما جاء في قوله تعالى: {أَوْ
كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا}
[البقرة: ٢٥٩].
قال ابن كثير في (تفسيره) [١/٥٢٧]: هي بيت المقدس. اهـ. أما الذي مر عليها فقد اختلفوا
فيه، وأشهر الأقوال أنه العُزير.
(ب) وهي بيت المقدس – أيضًا - في قوله تعالى: {وَإِذْ
قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا} [البقرة: ٥٨].
(ج) {وَاسْأَلْهُمْ
عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ} [الأعراف: ١٦٣]، هي أيلة على شاطئ بحر القلزم كما نقل
ابن كثير عند تفسيرها. [تفسير
ابن كثير٣/٤٤٤].
(د) {وَاسْأَلِ
الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يوسف: ٨٢]، قال القرطبي [تفسيره٩/٢٤٦] عند تفسيرها: (يريدون بالقرية مصر)، وقيل: قرية من قراها نزلوا بها،
وامتاروا منها -
أي
أخذوا الميرة وهي الطعام.
وقيل: المعنى: {وَاسْأَلِ
الْقَرْيَةَ}
وإن
كانت جمادًا؛ فأنت نبي الله وهو ينطق الجماد لك، وعلى هذا فلا حاجة إلى إضمار. اهـ.
(هـ) {وَضَرَبَ
اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً
مُطْمَئِنَّةً} [النحل: ١١٢].
قال ابن كثير في (تفسيره)[٤/٥٢٢]: "هذا مثل أريد به أهل مكة، فإنها
كانت آمنة مستقرة..
فكفرت
بأنعم الله..
وأعظمها
بعثة محمد -صلى
الله عليه وسلم- إليهم .. فاستعصوا عليه وأبوا إلا خلافه
فدعا عليهم ..
فأصابتهم
سنة أذهبت كل شيء لهم".
ا
هـ.
وبهذا قال كثير من المفسرين،والقرية
نكرة، والنكرة تعم، فالأولى في نظري أن تظل على عمومها مثلًا لكل قرية كفرت بأنعم
الله.
(و) {وَاضْرِبْ
لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ} [يس :١٣]، قال أكثر المفسرين: هي (أنطاكية).
(ز) {حَتَّى
إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ
يُضَيِّفُوهُمَا} [الكهف :٧٧]، قيل: هي أبُلّة، وقيل أنطاكية، وقيل
غير ذلك.
والأصح
أنها أنطاكية -
كما
ذكر كثير من المفسرين.
وقد سماها الله مدينة في سورتي: يس والكهف، لذكر الرجلين
الصالحين فيهما.
فالأول: هو حبيب النجار، الذي قال الله
فيه: {وَجَاءَ مِنْ
أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} [يس: ٢٠]
والثاني: هو أبو الغلامين اليتيمين، فقد
وصفه الله بالصلاح فقال: {وَأَمَّا الْجِدَارُ
فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ
لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا}.
فالقرية تطلق -أحيانًا- على المدينة، والمدينة تطلق – أحيانًا - على القرية بهذا الاعتبار، وهو
أسلوب قرآني؛ تميز به القرآن عن كلام الناس.
(ح) {وَقَالُوا
لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ
عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف :٣١].
هما: مكة والطائف، كما قال أكثر
المفسرين، ويعنون بالرجلين: الوليد بن المغيرة من مكة، وعروة بن
مسعود من الطائف.
أوْ هما عتبة بن ربيعة من مكة،
وعمير بن عمرو بن مسعود من الطائف، أو غيرهم ممن يعظمونهم في أنفسهم.
(ط) {وَالْمُؤْتَفِكَةَ
أَهْوَى} [النجم:٥٣] يعني: مدائن قوم لوط، وهي التي أشار
الله إليها بقوله في سورة الحاقة: {وَالْمُؤْتَفِكَاتُ
بِالْخَاطِئَةِ} آية: (٩).
قال قتادة: (إنما سميت قرى قوم لوط "مؤتفكات" لأنها ائتفكت بهم، أي انقلبت).
وذكر الطبري عن محمد بن كعب
القرظي قال:
(خمس
قريات:
صعبة،
وصعرة، وعمرة، ودوما، وسدوم، وهي القرية العظمى).
[انظر: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ط دار
الكاتب العربي سنة١٣٨٧ هـ =١٩٦٧م. – جـ١٨ ص٢٦٢. وراجع: تاريخ الطبري، ص ٣٤٣ من القسم الأول ط أوروبا]
(ك) {حَتَّى
إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ
ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ} [النمل: ١٨].
زعم بعض القصاصين أن هذا الوادي
بأرض الشام، بل زعموا أن اسم النملة حرس، ووصفوها بأوصاف خيالية، وما كان أغناهم
عن ذلك لو نزهوا كتاب الله عن ذكر ما طواه الله عنا ٠
قال ابن كثير في (تفسيره) [٦/١٦٦] عند
هذه الآية:
ومن
قال من المفسرين: إن هذا الوادي كان بأرض الشام أو بغيره، وإن هذه النملة كانت ذات
جناحين كالذباب أو غير ذلك من الأقاويل؛ فلا حاصل لها.
(ل) {وَلَمَّا
جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ
إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ
مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} [الأعراف: ١٤٣]، {وَإِذْ نَتَقْنَا
الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} [الأعراف: ١٧١].
الجبل في الموضعين هو الطور،
يدل على ذلك قوله تعالى في سورة البقرة [آية: ٦٣]: {وَإِذْ
أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ
بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
ومما أبهمه الله في كتابه من الأزمنة:
(أ) (الحين) في قوله تعالى: {تُؤْتِي
أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا}[إبراهيم: ٢٥]، وفي قوله - جل شأنه-: {فَسُبْحَانَ
اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ}[الروم: ١٧]، وقوله: {وَلَاتَ حِينَ
مَنَاصٍ}[ص:٣]، وقوله: {هَلْ أَتَى
عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا
مَذْكُورًا}[الإنسان: ١].
قال الراغب في (مفرداته): [انظر: ص ١٣٨، ط مصطفى البابي الحلبي ١٣٨١ه-١٩٦١م] (الحين): وقت بلوغ الشيء وحصوله، وهو
مبهم المعنى، ويتخصص بالمضاف إليه، نحو قوله تعالى: {وَلَاتَ
حِينَ مَنَاصٍ}، ومن قال : حين (يعني بغير إضافة)؛ فيأتي على أوجه : للأجل، نحو: {وَمَتَّعْنَاهُمْ
إِلَى حِينٍ}[يونس:٩٨]، وللسنة نحو قوله
تعالى: {
تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا}، وللساعة نحو :
{حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ}، وللزمان المطلق، نحو: {هَلْ
أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ}، {وَلَتَعْلَمُنَّ
نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ}[ص: ٨٨]، وإنما فسر ذلك بحسب ما
وجد.
ويقال: عاملته مُحَاينة حينًا وحينًا،
وأحينت بالمكان أقمت به حينًا، وحان حين كذا؛ أي قرب أوانه، وحينت الشيء جعلت له
حينًا، والحينُ عُبِّرَ به عن حين الموت. اهـ.
(ب) أخبر الله - عز وجل - في آيات كثيرة أنه خلق السماوات
والأرض وما بينهما في ستة أيام، ولا ندري أهذه الأيام الستة كأيامنا هذه أم هي
أيام أطول من ذلك بكثير؟، فهذا الإبهام يفسره - جل وعلا - بقوله: {وَإِنَّ
يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: ٤٧]، وهذا التشبيه في الآية - أيضًا - فيه إبهام؛ لأنه أمر تقديري
تقريبي؛ يرضي فضولنا إلى حد ما.
وهذا الإبهام يدعونا إلى التفويض في مثل هذه الأمور؛ لأنها لا تخضع
لعقولنا، ولكنها مع ذلك تفتح لنا أبوابًا واسعة للتأمل والنظر في هذا الكون
الفسيح؛ لنعرف الاطوار التي مر بها، والأحوال التي لابسته منذ بدأ.
والله - عز وجل – يقول: {قُلْ
سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ
يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
[العنكبوت: ٢٠].
(ج) وقد أبهم الله الليلة التي أنزل
فيها القرآن، من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة
في السماء الدنيا جملة واحدة، فقال - جل وعلا -: {إِنَّا
أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ}[الدخان: ٣]، ثم زادها إيضاحًا فقال: {إِنَّا
أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} إلى آخر السورة.
ثم أخبرنا أنها في شهر رمضان
بقوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ
الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}[البقرة ١٨٥].
ومع ذلك ظلت الليلة مبهمة، أهي
في أوائل شهر رمضان أم في وسطه، أم في أواخره؟ وأي ليلة هي على وجه التحديد؟ وقد
وردت أحاديث [صحيح البخاري
٢٠١٦- ٢٠٢١ صحيح مسلم ١١٦٥ - ١١٦٧] تفيد أنها في الوتر من العشر الأواخر من
رمضان.
وهذا الإبهام يحملنا على تحريها
في العشر الأواخر كلها، بل يحملنا على الاجتهاد في العبادة من أول الشهر إلى آخره،
فكان هذا الإبهام خيرًا لنا في دنيانا وآخرتنا.
وقد أبهم الله ما ورد في كتابه
من الدواب؛ لأنه لا يتعلق بوصفها فائدة.
والبحث عن أوصافها وأنواعها،
وغير ذلك مما يتعلق بها لا طائل تحته، وذلك مثل ناقة صالح عليه السلام، وهدهد
سليمان عليه السلام، والنملة التي قالت: {يَاأَيُّهَا
النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ} وحمار عزير أو غيره، وكلب أصحاب الكهف،
وغير ذلك.
والقرآن الكريم كتاب هداية
ومنهج حياة، وليس فيه من وراء ذلك مطلب؛ لهذا أبهم ما لا يتعلق بإظهاره فائدة، ولم
يكلفنا الله بالبحث عنه لما في ذلك من شغل القلب بما لا ينبغي أن يشغل به، ومضيعة
الوقت فيما لا طائل تحته.