Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

نزول القرآن الكريم

الكاتب

أ. د./ محمد بكر إسماعيل

نزول القرآن الكريم

نزل القرآن الكريم على ثلاثة وعشرين عامًا، بعد أن أثبت الله آياته في اللوح المحفوظ، ثم أنزله جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا في ليلة القدر، هذا التنزيل المتدرج كان لحكم عظيمة تتعلق بتثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وتيسير الحفظ على الصحابة رضي الله عنهم، والتدرج في التشريع، ومواكبة الأحداث، والرد على شبهات المشركين، وإظهار الإعجاز القرآني.

حقيقة نزول القرآن

أثبت الله القرآن في اللوح المحفوظ، ثم أنزله إلى بيت العزة في السماء الدنيا جملة واحدة، في ليلة مباركة من شهر رمضان؛ هي ليلة القدر، ثم أنزله على نبيه- عليه الصلاة والسلام- بواسطة جبريل- عليه السلام- ، في نحو ثلاثة وعشرين عامًا؛ هدى للناس وتبيانًا لكل شيء.

ودليل إثباته في اللوح المحفوظ قوله تعالى: {بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ ٢١ فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۭ} [البروج: ٢١ – ٢٢]، ودليل نزوله إلى بيت العزة جملة قوله- جل وعلا: {شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ } [البقرة: ١٨٥]، وقوله سبحانه: {إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ}  [القدر: ١].

 والحكمة في تنزيله مفرقًا تتلخص فيما يأتي:

(أ) تثبيت قلب النبي -صلّى الله عليه وسلم، وتسليته ومواساته، ورفع الحرج عنه، وإزالة ما يعتري صدره من ضيق وحزن، وإدخال السرور عليه الفينة بعد الفينة، ومده بالقوة التي تدفعه إلى المضي في دعوته، وتبليغ رسالته على خير وجه وأكمله، وتهون عليه ما يلقاه من قومه من أذى، وعنت، وصدود، وليدفع عنه شبح اليأس كلما حام حوله، واعترض طريقه؛ لتظل همته دائمًا في الذروة العليا.

(ب) ومن أهداف التنجيم أيضًا تيسير حفظ هذا القرآن العظيم على النبي صلّى الله عليه وسلم وعلى أصحابه، وقد كان أكثرهم لا يقرأ ولا يكتب، ولا عهد لهم بمثل هذا الكتاب المعجز؛ فهو ليس شعرًا يسهل عليهم حفظه، ولا نثرًا يشبه كلامهم يسهل عليهم نقله وتداوله، وإنما هو قول كريم ثقيل في معانيه ومراميه، يحتاج المسلم في حفظه وتدبره إلى تريث وتؤدة وإمعان نظر.

(ج) ومن أهم الأهداف التي أنزل من أجلها القرآن مفرقًا: التدرج بالأمة في تخليهم عن الرذائل، وتحليهم بالفضائل، والترقي بهم في التشريعات، فلو أنهم أمروا بكل الواجبات، ونهوا عن جميع المنكرات دفعة واحدة لشق عليهم، ولضعفت الهمم الصغيرة عن التجاوب والمسايرة، تمامًا كالطبيب الذي يعطي المريض دواءه على جرعات، ولو أعطاه له مرة واحدة لتحقق أحد أمرين: إما رفض المريض للدواء والصد عنه، وإما القضاء عليه.

(د) نزل القرآن منجمًا لمواكبة الحوادث، وهي متجددة متعددة، فكان كلما جدّ جديد من الأمور المصلحية؛ التي تتعلق بمصالح العباد في العاجل والآجل، جاء حكم الله فيها؛ فيرسخ في النفوس، وتتجاوب معه وترتضيه.

وفي القرآن آيات كثيرة نزلت على سبب أو أكثر، وإذا جهل سببها لا يعرف حكمها؛ فكان ما نزل فيها تقريرًا شافيًا، وحكمًا عادلًا، لا يستطيع أحد رده، ولا يسع المسلمين إلا قبوله والرضا به.

(هـ) الرد على شبه المشركين، ودحض حجج المبطلين؛ إحقاقًا للحق، وإبطالًا للباطل. وفي ذلك رد لكيدهم في نحورهم أولًا بأول؛ حتى لا يتمادوا في غيّهم وإضلالهم لضعفاء النفوس منهم، وحتى لا يتأثر أحد من المسلمين بأقوالهم، فينعكس ذلك على إيمانه وطاعته لله رب العالمين.

والقلوب تحتاج دائمًا إلى تطهير من الشبهات والوساوس الشيطانية والهواجس النفسية، فكان القرآن الكريم كفيلًا بذلك كله كما قال- جل شأنه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارٗا} [الإسراء: ٨٢]

(و) وهناك أمر آخر يغفل عنه كثير من أهل العلم في حكمة التنجيم، وهو الدلالة على الإعجاز البياني والتشريعي للقرآن [راجع كتاب دراسات في علوم القرآن للدكتور/ محمد بكر إسماعيل ط دار المنار الطبعة الثانية ١٤١٩ هـ/ ١٩٩٩ م ص ٣١ وما بعدها]، فإنه - وإن كان قد نزل مفرقًا في نحو ثلاثة وعشرين عامًا وفي أوقات متباينة، وأحكام مختلفة، وحوادث متعددة - قد رُتب ترتيبًا عجبًا، لا ترى فيه بترًا ولا خللًا بين آياته، ولا تنافرًا بين ألفاظه، ولا تناقضًا في معانيه، ولا اختلافًا في مقاصده ومراميه: {كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: ١].

وقد بيّن الله هذه الحكم السامية فقال: {وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ وَنَزَّلۡنَٰهُ تَنزِيلٗا} [الإسراء: ١٠٦].

وقال جل شأنه: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا * وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا } [الفرقان: ٣٢ – ٣٣].

وقد التقى أول ما نزل بآخر ما نزل في إحقاق الحق وإبطال الباطل؛ فكان الختام توكيدًا لأوله، وجماعًا لفضائله وآثاره وتشريعاته كلها.

وأول ما نزل على الإطلاق: الآيات الخمس الأول من سورة العلق، وآخر ما نزل على الصحيح: قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ}  [البقرة: ٢٨١].

ومن هنا نعلم أن القرآن الكريم وحدة عضوية وموضوعية، يرتبط أوله وآخره برباط واحد، فمن نظر فيه من أوله إلى آخره نظرة متعمقة، آمن إيمانًا لا يخالجه شك أن هذا القرآن آخذ بعضه بحجز بعض، في تناسق تام وانسجام فريد، يؤكد أن أعلاه مثمر وأسفله مغدق، وأنه يعلو ولا يعلى عليه.

شهد بذلك كل منصف له فهم ثاقب بأسرار البلاغة وأساليب البيان، {وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ * نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ * عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ} [الشعراء ١٩٢ – ١٩٥].

أول ما نزل من القرآن

١-    

١- وأول ما نزل من القرآن الكريم بإطلاق- عند جمهور المحققين- أوائل سورة العلق إلى قوله جل شأنه: {عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ}.

وذلك لما رواه البخاري ومسلم (واللفظ للبخاري) عن عائشة أم المؤمنين-رضي الله عنها- قالت: «أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلاَءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ - يتعبد - فِيهِ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ:  فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: {ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ * ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ} الحديث» [صحيح البخاري ح رقم٣ – صحيح مسلم ح رقم١٦٠].

٢- وقيل: إن أول ما نزل من القرآن أوائل سورة المدثر، واستدل أصحاب هذا القول بما رواه البخاري ومسلم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: سألت جابر بن عبد الله: أي القرآن أنزل قبل؟ فقال: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ} ، فقلت: أو {ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ} ، وفي رواية نبئت أنه: {ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ} ، فقال: أحدثكم ما حدثنا به رسول الله -صلّى الله عليه وسلم، قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلم: «إني جَاوَرْتُ بِحِراءٍ، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي نَزَلْتُ، فَاسْتَبْطَنْتُ الْوَادِي - زاد في رواية: فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي - ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا هُوَ - يعني جبريل- ، زاد في رواية: جالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ، وَالْأَرْضِ- ، فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ، فَأَتَيْتَ خَدِيجَةَ، فَأَمَرْتُهُمْ فَدَثَّرُونِي، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ * قُمۡ فَأَنذِرۡ} [المدثر: ١ –٢]». [صحيح البخاري رقم٤٩٢٢ – صحيح مسلم رقم١٦١]

لكن هذه الرواية ليست نصًا فيما نحن بسبيله من إثبات أول ما نزل من القرآن إطلاقًا، بل تحتمل أن تكون حديثًا عما نزل بعد فترة الوحي، وذلك هو الظاهر من رواية أخرى رواها الشيخان [صحيح البخاري رقم٤ – صحيح مسلم رقم١٦١] أيضًا عن أبي سلمة، عن جابر أيضًا: « فبينما أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَري قِبَلَ السَّمَاءِ، فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فجثثت- أي ثقل جسمي عن القيام-؛ حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ * قُمۡ فَأَنذِرۡ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ * وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ}».

فظاهر هذه الرواية يدل على أن جابرًا استند في كلامه على أن أول ما نزل من القرآن هو المدثر؛ إلى ما سمعه من رسول الله -صلّى الله عليه وسلم، وهو يحدث عن فترة الوحي، وكأنه لم يسمع بما حدّث به رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- عن الوحي قبل فترته، من نزول الملك على الرسول -صلّى الله عليه وسلم- في حراء بصدر سورة اقرأ، كما روت عائشة -رضي الله عنها-، فاقتصر في إخباره على ما سمع ظانًّا أنه ليس هناك غيره؛ اجتهادًا منه، غير أن في اجتهاده نظرًا؛ بشهادة الأدلة السابقة في القول الأول، ومعلوم أن النص يقدم على الاجتهاد، وأن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. [انظر مناهل العرفان للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني ج ١ ص ٨٧، ٨٨ ط عيسى البابي الحلبي وشركائه].

أقول: لعل جابر بن عبد الله أراد أن أوائل المدثر نزل في أول الرسالة، وآيات سورة العلق نزلت في بدء النبوة، وبذلك يرتفع الإشكال بدليل قوله تعالى: {قُمۡ فَأَنذِرۡ}، أو أن آيات المدثر من أوائل ما نزل، لا أول ما نزل على الإطلاق. والله أعلم.

آخر ما نزل من القرآن

واختلف العلماء في آخر ما نزل من القرآن على الإطلاق اختلافًا كثيرًا، لعدم وجود أثر صحيح مسند إلى رسول الله -صلّى الله عليه وسلم-، يعتمد عليه في تحقيق ذلك، على وجه يقطع الخلاف ويزيل الالتباس، وقد انتهت أقوال العلماء في هذا الأمر إلى عشرة أقوال؛ أشهرها أربعة:

الأول: آخر ما نزل قوله- تعالى- في سورة البقرة: {وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} [البقرة: ٢٨١]، أخرجه الطبري والنسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس، وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، قال: آخر ما نزل من القرآن كله: {وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ}، وعاش النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد نزولها تسع ليالٍ، ثم مات لليلتين خلتا من ربيع الأول. [تفسير الطبري٦/٤٠- سنن النسائي الكبرى ١٠٩٩١و١٠٩٩٢ - تفسير ابن أبي حاتم ٢٩٤٤]

الثاني: أن آخر ما نزل هو قول الله- تعالى- في سورة البقرة أيضًا: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} [البقرة آية: ٢٧٨]، أخرجه البخاري عن ابن عباس، والبيهقي عن ابن عمر. [صحيح البخاري ٤٥٤٤ – دلائل النبوة للبيهقي ٧/١٣٨]

الثالث: أن آخر ما نزل آية الدين في سورة البقرة أيضًا، وهي قوله سبحانه: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ } إلى قوله سبحانه: {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ} [البقرة الآية: ٢٨٢]وهي أطول آية في القرآن.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب: (أنه بلغه أن أحدث القرآن عهدًا بالعرش آية الدين). [تفسير الطبري٦/٤١]

وأخرج أبو عبيد في (الفضائل) عن ابن شهاب قال: (آخر القرآن عهدًا بالعرش آية الربا وآية الدين). [فضائل القرآن لأبي عبيد ص٣٦٩]

ويمكن الجمع بين هذه الأقوال الثلاثة بما قاله السيوطي - رضي الله عنه – [الإتقان١/١٠٢] من أن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف؛ لأنها في قصة واحدة، فأخبر كل عن بعض ما نزل بأنه آخر، وذلك صحيح.

قال الزرقاني في "مناهل العرفان" [ج ١ ص ٩٠]، بعد أن سرد هذه الأقوال: (ولكن النفس تستريح إلى أن آخر هذه الثلاثة نزولًا هو قول الله تعالى: {وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ}، وذلك لأمرين:

أحدهما: ما تحمله هذه الآية في طياتها من الإشارة إلى ختام الوحي والدين، بسبب ما تحث عليه من الاستعداد ليوم المعاد، وما تنوّه به من الرجوع إلى الله، واستيفاء الجزاء العادل من غير غبن ولا ظلم، وذلك كله أنسب بالختام من آيات الأحكام المذكورة في سياقها.

ثانيهما: التنصيص في رواية ابن أبي حاتم السابقة على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عاش بعد نزولها تسع ليال فقط، ولم تظفر الآيات الأخرى بنص مثله) اهـ.

الرابع: أن آخر ما نزل هو: سورة {إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ}. رواه مسلم عن ابن عباس. [صحيح مسلم رقم ٣٠٢٤]

ولكنك تستطيع أن تحمل هذا الخبر على أن هذه السورة آخر ما نزل مشعرًا بوفاة النبي -صلّى الله عليه وسلم.

ويؤيده ما روي من أنه -صلى الله عليه وسلم- قال حين نزلت: «نُعِيَتْ إِلَىَّ نَفْسِي». [مسند أحمد رقم١٨٧٣ - سنن الدارمي رقم٨٠ عن ابن عباس رضي الله عنهما].

ويحتمل أيضًا أنها آخر ما نزل من السور فقط، ويدل عليه رواية ابن عباس: «آخر سورة نزلت من القرآن جميعًا: {إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ}» .

ويظن بعض أهل العلم أن آخر آية نزلت هي قوله تعالى في سورة المائدة [آية: ٣]: {ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ} والحق أنها ليست آخر ما نزل بإطلاق.

المعتمد في معرفة أول وآخر ما نزل وفائدته

والبحث في أول ما نزل وآخر ما نزل من القرآن يعتمد على النقل والتوقيف، ولا مجال للعقل فيه؛ إلا بالترجيح بين الأدلة، أو الجمع بينها فيما ظاهره التعارض منها، شأنه في ذلك شأن كثير من مباحث علوم القرآن، كمعرفة المكي والمدني وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك.

 ولهذا البحث فوائد منها:

(أ) تمييز الناسخ من المنسوخ فيما إذا وردت آيتان أو آيات على موضوع واحد، وكان الحكم في إحدى هذه الآيات يغاير الحكم في الأخرى.

(ب) معرفة تاريخ التشريع الإسلامي، ومراقبة سيره التدريجي، والوصول من وراء ذلك إلى حكمة الإسلام وسياسته في أخذه الناس بالهوادة والرفق، والبعد بهم عن غوائل الطفرة والعنف؛ سواء في ذلك هدم ما مردوا عليه من باطل، وبناء ما لم يحيطوا بعلمه من حق.

(ج) إظهار مدى العناية التي أحيط بها القرآن الكريم حتى عرف فيه أول ما نزل وآخر ما نزل، كما عرف مكيه ومدنيه، وسفريه وحضريه إلى غير ذلك.

ولا ريب أن هذا مظهر من مظاهر الثقة به، ودليل على سلامته من التغيير والتبديل: {لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} .

(د) ويضاف إلى هذه الفوائد فائدة أخرى، وهي معرفة الوحدة الموضوعية للقرآن الكريم، عن طريق ربط أول ما نزل منه بآخره، فإن من ينظر في أول ما نزل من القرآن، وآخر ما نزل يعرف الصلة الوثيقة بين آياته كلها، في ألفاظها ومعانيها ومراميها، ويتبين له بوضوح أن أول ما نزل مقدمة تقود الباحث إلى ما في هذا الكتاب العزيز من مقاصد وعبر وأحكام وحكم، وآخر ما نزل يوجز كل ما ورد فيه من تلك المقاصد والعبر والأحكام والحكم، فيلتقي الآخر بالأول في نسق واحد، ونسج فريد لا تناقض فيه ولا اختلاف، كما عرفنا ذلك عند معرفة أول ما نزل من الآيات وآخر ما نزل على الصحيح من أقوال المحققين.

أماكن نزول القرآن الكريم

 وقد اهتم الكثير من علماء التفسير وعلماء الفقه والأصول بمعرفة جهات النزول، وهي الأماكن التي نزل فيها على النبي -صلى الله عليه وسلم، كمكة والمدينة والجحفة وبيت المقدس والطائف والحديبية وتبوك وغيرها.

وبذلوا جهدًا مشكورًا في هذا البحث؛ معتمدين على الروايات الصحيحة التي نقلها التابعون عن أئمة الصحابة وعلمائهم؛ ليستعينوا بمعرفتها على فهم الأحكام الشرعية التي تضمنتها الآيات، وليعرفوا الناسخ منها والمنسوخ، وغير ذلك مما ذكرنا في معرفة المكي والمدني.

وقد نقل السيوطي في (الاتقان) [ج ١ ص ٣٦] عن أبي القاسم النيسابوري في كتابه (التنبيه على فضل علوم القرآن) قوله: "من أشرف علوم القرآن علم نزوله، وجهاته، وترتيب ما نزل بمكة والمدينة، وما نزل بمكة وحكمه مدني، وما نزل بالمدينة وحكمه مكي، وما نزل بمكة في أهل المدينة، وما نزل بالمدينة في أهل مكة، وما يشبه نزول المكي في المدني، وما يشبه نزول المدني في المكي، وما نزل بالجحفة، وما نزل ببيت المقدس، وما نزل بالطائف، وما نزل بالحديبية، وما نزل ليلًا، وما نزل نهارًا، وما نزل مشيعًا، وما نزل مفردًا، والآيات المدنيات في السور المكية، والآيات المكيات في السور المدنية، وما حمل من مكة إلى المدينة، وما حمل من المدينة إلى مكة، وما حمل من المدينة إلى أرض الحبشة، وما أنزل مجملًا، وما نزل مفصلًا، وما اختلفوا فيه فقال بعضهم مدني وبعضهم مكي.

فهذه خمسة وعشرون وجهًا من لم يعرفها ويميز بينها لم يحل له أن يتكلم في كتاب الله تعالى" اهـ.

أقول: في هذا الكلام شيء من المبالغة؛ لأن معرفة هذه الوجوه كلها لا يترتب عليها فوائد ذات بال،

ومعرفتها جميعًا من فضول العلم لا من أصوله، وقوله: (من لم يعرفها ويميز بينها لم يحل له أن يتكلم في كتاب الله تعالى) حكم غير صحيح، فإن أراد بعضها، كمعرفة المكي والمدني فمسلّم. والصحابة -رضوان الله عليهم- لم يكونوا يعرفون هذه الوجوه جميعًا، ومع ذلك كانوا يتكلمون في كتاب الله -تعالى- بما انتهى إليه علمهم عن الصادق المصدوق -صلّى الله عليه وسلم، أو وصل إليه فهمهم للآيات إذا لم يكن فيها بيان عنه -صلّى الله عليه وسلم- بقول منه أو بفعل.

نقل الزركشي في (البرهان) [ج ١ ص ١٩١ الطبعة الثالثة تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ط دار الفكر ١٤٠٠ هـ- ١٩٨٠ م] عن القاضي أبي بكر في (الانتصار): (أن هذا يرجع إلى حفظ الصحابة وتابعيهم.. غير أنه لم يكن من النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك قول ولا ورد عنه أنه قال: اعلموا أن قدر ما نزل بمكة كذا، وبالمدينة كذا، وفضله كذا، ولو كان ذلك منه لظهر وانتشر، وإنما لم يفعله لأنه لم يؤمر به ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة.

وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ، ليعرف الحكم الذي تضمنها؛ فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقوله: هذا هو الأول المكي، وهذا هو الآخر المدني.

وكذلك الصحابة والتابعون من بعدهم لما لم يعتبروا أن من فرائض الدين تفصيل جميع المكي والمدني مما لا يسوغ الجهل به، لم تتوفر الدواعي على إخبارهم به ومواصلة ذكره على أسماعهم وأخذهم بمعرفته، وإذا كان كذلك ساغ أن يختلف في بعض القرآن هل هو مكي أو مدني، وأن يعملوا في القول بذلك ضربًا من الرأي والاجتهاد، وحينئذ فلم يلزم النقل عنهم ذكر المكي والمدني، ولم يجب على من دخل في الإسلام بعد الهجرة أن يعرف كل آية أنزلت قبل إسلامه مكية أو مدنية.

فيجوز أن يقف في ذلك أو يغلب على ظنه أحد الأمرين، وإذا كان كذلك بطل ما توهموه من وجوب نقل هذا، أو شهرته في الناس، ولزوم العلم به لهم ووجوب ارتفاع الخلاف فيه). اهـ.

لهذا لا يجب أن نكلف أنفسنا عناء البحث عن كل هذه الوجوه التي ذكرها أبو القاسم النيسابوري، ولكننا نكتفي بما تتعلق به فائدة في معرفة حكم من أحكام الدين.

وأشهر ما يُعْنى به العلماء من هذه الوجوه معرفة المكي والمدني، ومعرفة ما نزل قبل وما نزل بعد، ومعرفة أسباب النزول؛ من أجل ترتيب الأحكام ومعرفة الناسخ والمنسوخ وغير ذلك؛ مما يحتاج إليه علماء الفقه والأصول في الجمع والترجيح.

الخلاصة

اهتم العلماء بالمباحث المتعلقة بنزول القرآن الكريم من حيث كيفية نزوله وأول ما نزل وآخر ما نزل وغير ذلك اهتمامًا بالغًا؛ وذلك لما يترتب على معرفته من فوائد عظيمة، منها: تمييز الناسخ من المنسوخ، ومعرفة تاريخ التشريع الإسلامي، ومراقبة سيره التدريجي، وإظهار مدى العناية التي أحيط بها القرآن الكريم، ومعرفة الوحدة الموضوعية للقرآن الكريم عن طريق ربط أول ما نزل منه بآخره، فإن من ينظر في أول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل يعرف الصلة الوثيقة بين آياته كلها، في ألفاظها ومعانيها ومراميها، وأن آخره يلتقي بأوله في نسقٍ واحدٍ، ونسجٍ فريدٍ؛ لا تناقض فيه ولا اختلاف.

موضوعات ذات صلة

أسباب النزول توضح الحكمة من نزول آيات القرآن الكريم، وهي مرتبطة بالأحداث أو الأسئلة التي واجهها النبي صلى الله عليه وسلم

تُعدّ أسباب النزول أساسًا لفهم وتفسير آيات القرآن الكريم، فهي تمنحنا السياق التاريخي والاجتماعي للنصوص

تتنوع أسباب نزول آيات القرآن بين عامة تخص سورًا كاملة، وخاصة تخص آيات معينة

موضوعات مختارة