عُلم مما تقدم أن للمد الفرعي سببين
لفظيين، هما: الهمز والسكون.
فالهمز
سبب لثلاثة أنواع منه، وهي المد المتصل، والمنفصل، والبدل، والسكون سبب لنوعين من
المد، ولا يكون إلا بعد حرف المد دائمًا، فإن كان ثابتًا في الوصل والوقف، فهو
المد اللازم نحو: "الصاخَّة"، وإن كان ثابتًا في الوقف دون الوصل، فهو
المد العارض للسكون نحو: "نستعين". وبيان هذه الأنواع فيما يلي:
١- المد المتصل:
هو أن يأتي بعد حرف المد همز في كلمة
واحدة نحو: "جاء"، "السوء"، "تفيء"، وسُمِّيَ
متصلًا؛ لاتصال الهمز بحرف المد في كلمة واحدة.
وهذا النوع حكمه: الوجوب؛ لوجوب مَدِّه زيادة على مقدار المد
الطبيعي عند جميع القراء، ولا يعرف لأحد منهم فيه خلاف، إلا أنهم اختلفوا في مقدار
الزيادة على حسب مذاهبهم، فمنهم من قرأ بمرتبة الإشباع، وقدرها: ست حركات، ومنهم
من قرأ بمرتبة دونه: وقدرها: خمس حركات، وهو الإمام عاصم شيخ حفص، ومنهم من قرأ
بمرتبة التوسط، وقدرها: أربع حركات، ومن بينهم الإمام عاصم كذلك، ومنهم من قرأ
بمرتبة فُويق القصر، وقدرها: ثلاث حركات، ولا أقل من ذلك.
ومما
تقدم يُعلم أن المد المتصل لا يزيد عن الحركات الست، ولا ينقص عن الثلاث، فمراتبه
أربع فقط، كما يعلم أيضًا أنه لا يجوز القصر فيه كالطبيعي، قال الحافظ ابن الجزري:
"وقد تتبعته - أي القصر في المتصل - فلم أجده في قراءة صحيحة ولا شاذة بل
رأيت النص بمدِّه" [ينظر: "النشر في القراءة العشر" لابن الجزري،
١/١٥٣، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت].
كما أشار إليه في (المقدمة الجزرية)
بقوله:
وواجبٌ
إن جاء قبلَ همزةِ ... متصلًا إن جُمِعَا بِكِلْمَةِ
هذا
ووجه المد في المتصل: هو أن الهمزة ثقيلة في النطق بها؛ لأنها حرف شديد، جهري - كما تقدم
في الصفات - فزيد في المد قبلها؛ للتمكن من النطق بها على حقها مع شدتها، وجهرها، وقيل:
إن حرف المد ضعيف خفي، والهمز قوي صعب، فزِيدَ في المد تقويةً؛ لضعفه عند مجاورته
القوي.
٢- المد
المنفصل:
وهو
أن يأتي بعد حرف المدِّ همزة قطع في كلمة أخرى نحو: {بِمَا
أُنْزِلَ} [البقرة: ٤]، {قَالُوا آمَنَّا} [البقرة: ١٤]، {وَفِي أَنْفُسِكُمْ} [الذاريات: ٢١]. وسُمِّيَ منفصلًا؛ لانفصال
الهمزة عن حرف المد في كلمة أخرى.
وحكمه:
الجواز؛ لجواز قصره عند البعض، كالمد الأصلي الطبيعي بمقدار حركتين، وجواز مده،
وحفص يمده بمقدار أربع حركات، أو خمس حركات.
مع
ملاحظة إذا اجتمع مَدَّانِ مُتَّصِلَانِ، أو أكثر كما في قوله تعالى: {ٱلَّذِي
جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ
ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ} [البقرة: ٢٢] فلا يجوز التفرقة بينهما في المد بحجة جواز الوجهين في كل منهما بل
تجب التسوية في الكل، إما بالحركات الأربع في الجميع، أو بالخمس فيها، وكذلك الحكم
بعينه إذا اجتمع مدان منفصلان أو أكثر كما في قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا
ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي
نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُ} [النساء: ١٣٦]، فلا يجوز التفرقة بين هذه المدود بحجة جواز الوجهين أيضًا، بل يجب
التسوية بينها بأن يكون المنفصل الثاني، وما بعده مساويًا للأول توسطًا أربع حركات،
أو فويقه خمس حركات؛ لأن التسوية في هذا وذاك من جملة التجويد، وهذا ما أشار إليه
الحافظ ابن الجزري في (المقدمة الجزرية) بقوله: "واللفظ في نظيره
كمثله".
ومن
المد المنفصل أيضًا: مد الصلة الكبرى، وهو هاء الضمير الغائب المفرد المضمومة، أو
المكسورة الواقعة بين متحركين، الثاني منهما همزة قطع، ولم يوقف عليها كما في قوله
تعالى: {يَحۡسَبُ أَنَّ مَالَهُۥٓ أَخۡلَدَهُ} [الهمزة: ٣] فإنه يمد أربع، أو خمس حركات.
٣- مد البدل:
هو
أن يتقدم الهمز على حرف المد: "آمنوا"، "أوتوا"،
"إيمانًا"، وسُمِّيَ بدلًا؛ لإبدال حرف المد من الهمز. وقد سبق الكلام
عنه على أنه مد طبيعي، وليس مدًا فرعيًا يمكنه أن يزيد على المد الطبيعي - فينبغي
التوضيح.
٤- المد العارض للسكون:
هو
أن يأتي بعد حرف المد أو اللين سكون عارض وقفًا لا وصلًا، أي: أن الحرف الذي بعد
حرف المد أو اللين متحرك في الأصل، ولكن السكون عرض له لأجل الوقف، لما تقرر في
القواعد من أنه لا يوقف على متحرك مثل: "الرحيم"، "نستعين"،
"يوقنون" في حالة الوقف.
وسُمِّيَ عارضًا؛ لعروض المد بعروض السكون، أي:
أنه طارئ بسبب سكون الوقف، ولو تحرك الحرف الذي بعد حرف المد أو اللين بسبب وصل
الكلمة بما بعدها لما وُجد المد.
أحوال هذا المد:
إما
أن يكون مهموزًا، وإما أن يكون غير مهموز، وكلٌ من القسمين إما أن يكون مفتوح
الآخر، أو مكسور الآخر، أو مضموم الآخر.
فالأقسام
ستة حاصلة من ضرب اثنين في ثلاثة، وإليك حكم كل قسم:
الأول:
حكم المد العارض للسكون الذي ليس مهموزًا:
ينقسم
هذا المد إلى ثلاثة أقسام، وكل قسم له حكم على النحو التالي:
(أ) المفتوح الآخر: فيه ثلاثة
أوجه: القصر، والتوسط، والمد، وذلك نحو: "العالمين".
(ب) المكسور الآخر نحو: {مَالِكِ
يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: ٤]، وفيه أربعة أوجه، وهي:
١- القصر
بالسكون المحض.
٢- التوسط
بالسكون المحض.
٣- المد
بالسكون المحض.
٤- الرَّوم
على القصر.
(ج) المضموم الآخر، نحو: {وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: ٥]، وفيه سبعة أوجه، هي:
١- القصر بالسكون المحض.
٢-
التوسط بالسكون المحض.
٣-
المد ست حركات بالسكون المحض.
٤-
الإشمام مع القصر.
٥-
الإشمام مع التوسط.
٦-
الإشمام مع المد ست حركات.
٧-
الرَّوم مع القصر.
الثاني: حكم المد العارض للسكون
المهموز:
(أ) المفتوح الآخر نحو:
"شاء"، و"جاء"، وفيه المد أربع، أو خمس، أو ست حركات بالسكون
المحض.
(ب) المكسور الآخر نحو:
"من السماء"، وفيه خمسة أوجه، هي:
١- المد أربع حركات بالسكون المحض.
٢-
المد خمس حركات بالسكون المحض.
٣-
المد ست حركات بالسكون المحض.
٤-
الرَّوم على المد أربع حركات.
٥-
الرَّوم على المد خمس حركات.
(ج) المضموم الآخر نحو:
"يشاء"، "السفهاء"، وفيه ثمانية أوجه، هي:
١- المد أربع حركات بالسكون المحض.
٢-
المد خمس حركات بالسكون المحض.
٣-
المد ست حركات بالسكون المحض.
٤-
الإشمام على المد أربع حركات.
٥-
الإشمام على المد خمس حركات.
٦-
الإشمام على المد ست حركات.
٧-
الرَّوم على المد أربع حركات.
٨-
الرَّوم على المد خمس حركات.
٥- مد اللين:
سبق
أن قلنا إنَّ حرفي اللين هما: الواو والياء الساكنتان، المفتوح ما قبلهما نحو: "القول"،
"الصيف"، ولهذين الحرفين حالتان:
الأولى: أن يقع بعدهما همز متصل بهما في كلمة
واحدة نحو: "شيء" و "سَوْء".
الثانية: ألا يقع بعدهما همز نحو: "السَّيْر"،
"فلا خَوْف".
فأما
اللذان بعدهما همز متصل بهما في كلمة واحدة نحو: "سَوْءة"، "كَهَيْئِة"،
فقد قرأ ورش من طريق الأزرق فيهما بوجهين، هما: التوسط، والإشباع، ويستوي في ذلك
عنده الوصل، والوقف.
أما
باقي القراء فليس لهم إلا القصر، وهذا في حالة الوصل، أما في حالة الوقف، فيدخل في
حكم المد العارض للسكون، ويكون لهم فيه حينئذٍ: القصر، والتوسط، والإشباع بالسكون
المحض، أو بالسكون مع الإشمام، أو الروم حسب نوع العارض.
وأما
اللذان ليس بعدهما همز، فللقراء فيهما تفصيل:
حالة
الوصل:
حاصله أن نحو: "لوْمَة"، "وأحيينا"، فيه القصر في الحالين على
نحو ما مر.
وكذلك
الحكم بعينه لجميع القراء- باستثناء ورش- في حرفي اللين اللذين بعدهما الهمز
المنفصل عنهما، أي: أن حرفي اللين في آخر الكلمة الأولى، والهمز في أول الكلمة
الثانية نحو: "بني آدم"، {وَلَوْ
أَنَّنَا نَزَّلْنَا} [الأنعام: ١١١] .
وأما
نحو: {لَا خَوْفٌ} [الأعراف: ٤٩] و {فَلَا فَوْتَ} [سبأ: ٥١]، فقد أجمع القراء
العشرة على القصر في حالة الوصل.
وأما
في حالة الوقف: ففيه المد أربع حركات، أو خمس حركات، أو ست حركات، ويدخل
حينئذ في المد العارض للسكون.
٦- المد اللازم:
هو
أن يأتي بعد حرف المد سكون لازم وصلًا ووقفًا، نحو: "آية"،
"الآن"، "الم".
وسُمِّيَ لازمًا؛ للزوم سببه، وهو السكون وصلًا،
ووقفًا، وهو ينقسم إلى أربعة أقسام:
- الأول:
المد اللازم الكلمي المُثقَّل:
هو
أن يأتي بعد حرف المد سكون أصلي لازم، ثابت وصلًا، ووقفًا في كلمة تزيد على ثلاثة
أحرف، مع الإدغام، أي: إدغام الحرف الساكن فيما بعده نحو: "الحاقَّة"،
"دابَّة".
وسُمِّيَ
كلميًّا؛ لاجتماع المد مع السكون في كلمة، وسمي مثقلًا من أجل الإدغام.
- الثاني:
المد اللازم الكلمي المُخفَّف:
هو
أن يأتي بعد حرف المد سكون أصلي ثابت وصلًا ووقفًا في كلمة تزيد على ثلاثة أحرف من
غير إدغام، وذلك في كلمة في موضعين بسورة "يونس"- عليه السلام– وهي:
{ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ كُنتُم بِهِۦ} [يونس: ٥١]، {ءَآلۡـَٰٔنَ
وَقَدۡ عَصَيۡتَ} [يونس: ٩١].
وسُمِّيَ
كلميًا؛ لاجتماع المد مع السكون في كلمة، وسُمي مخففًا؛ لعدم الإدغام.
- الثالث:
المد الحرفي المثقل:
هو
أن يأتي بعد حرف المد سكون ثابت وصلًا، ووقفًا في حرف هجاؤه على ثلاثة أحرف، وسطها
حرف مد ولين، أو حرف لين فقط مع الإدغام، أي: إدغام الساكن فيما بعده.
وسمي
حرفيًا؛
لاجتماع المد والسكون اللازم في حرف، وسمي مثقلًا؛ لأجل الإدغام.
- الرابع:
المد اللازم الحرفي المخفف:
هو أن
يأتي بعد حرف المد سكون ثابت وصلًا، ووقفًا في حرف هجاؤه على ثلاثة أحرف، وسطها
حرف مد ولين، أو حرف لين فقط من غير إدغام، وعلة التسمية تفهم مما تقدم.
واللازم
الحرفي بقسميه لا يكون إلا في فواتح السور في ثمانية أحرف منها مجموعة في هذه
العبارة "كم عسل نقص" وهي الكاف، والميم، والعين، والسين، واللام،
والنون، والقاف، والصاد.
وقد
اجتمع المد اللازم الحرفي بنوعيه في قوله: "الم" فلام مثقل وميم مخفف.
وإليك ما قاله الشيخ الجمزوري
في (تحفة الأطفال):
أقسـامُ
لازمٍ لـديـهِــم أربـعـة ... وتـلك كِلْمِـيٌّ وحَـرْفِيٌّ مَــعَـهْ
كــلاهـمـــا
مُـخفــفٌ مُـثـقَّـلُ ... فـهـذه أربـعـــةٌ تـُــفصـــــلُ
فإِنْ
بِـكِلْـمَةٍ سـكـونٌ اجـتَمَـعْ ... مَعْ حرفِ مدٍّ فَهْوَ كِلْمِيٌّ وَقَعْ
أو
في ثلاثيِّ الحروفِ وُجِدا ... والـمَـدُّ وَسْطُــهُ فَحَـرْفيٌّ بَـدَا
كــلاهــمـا
مُـثَـقَّلٌ إن أُدغِـمَا ... مُـخَـفَّفٌ كُـلٌّ إذا لَــمْ يُــدْغَـما
واللازمُ
الحرفيُّ أوَّلَ السُّوَرْ ... وُجُـودُهُ وفي ثَمَـانٍ انْحَـصَـرْ
يجمعُها
حروفُ: "كَمْ عَسَلْ نَقَصْ".
حكم
المد اللازم:
لزوم
مده بمقدار ثلاث ألفات، أي: يلزم مده ست حركات بلا زيادة ولا نقص عند جمهور القُرَّاء.
ومن
نقص أو زاد، فقد أساء وظلم، وهذا الحكم سواء كان في حالة الوصل أو الوقف.
وهو:
إما أن يكون مرفوعًا، أو منصوبًا، أو مجرورًا، فإن كان مرفوعًا فله في الوقف عليه
ثلاثة أوجه: السكون، والروم، والإشمام نحو: "ولا جَانّ"، وإن كان
مجرورًا ففيه وجهان: السكون المحض، والروم نحو: "غير مُضَارٍّ". وإن كان
منصوبًا ففيه وجه واحد، وهو السكون المحض نحو: "صَوَّافّ".
وقال
الجمزوري:
ولازمٌ
إن السكونُ أُصِّلا ... وصلًا ووقفًا بعد مد طُوِّلا
وقال ابن الجزري:
فلازم
إن جاء بعد حرف مَد ... ساكنُ حاليْن وبالطول يُمَد
حكم
الحروف الموجودة في أوائل السور:
تنقسم
الحروف الأربعة عشر الموجودة في أوائل السور المبدوءة بالحروف المقطعة، والتي
جمعها "صاحب التحفة" في قوله: "صله سحيرًا من قطعك" إلى ثلاثة
أقسام:
الأول: ما يُمد مدًا لازمًا، وهي الحروف
الثمانية، والتي قلنا عنها: إنها مجموعة في قول "صاحب التحفة": "كم
عسل نقص"، أو في قول بعضهم: "سنقص علمك"، فهذه الحروف
تمد مدًا لازمًا ست حركات ما عدا العين من فاتحة سورة "مريم" في قوله:
"كهيعص"، وفاتحة سورة "الشورى" في قوله: "حم عسق"، ففيها
التوسط، والطول، أي: المد ست حركات، وهو الأفضل.
قال
صاحب التحفة:
واللازمُ
الحرفيُّ أوَّلَ السُّوَرْ ... وُجُـودُهُ وفي ثَمَـانٍ انْحَـصَـرْ
الثاني: ما يمد مدًا طبيعيًا، أي: يمد حركتين،
وهو خمسة أحرف مجموعة في عبارة "حي طهر"، وهي: الحاء، والياء، والطاء،
والهاء، والراء.
الثالث: ما لا يمد أصلًا، لا مدًا أصليًا ولا
فرعيًا، وهو الألف، وذلك لأن كل حرف وضعه على ثلاثة أحرف وليس وسطه حرف مد ساكن لا
يمد أصلًا.
قال صاحب التحفة:
وما
سِوَى الحرفِ الثُّلاثِي لَا أَلِفْ ... فـمَـدُّه مَــدًّا طـبـيــعيًّـا أُلِـــفْ
وذاك
أيـضًا فـي فـواتـحِ الـسُّــوَرْ ... في لفظِ حَيٍّ طاهرٍ قدِ انحَصَرْ