تعريف الابتداء:
الابتداء في عرف القراء هو: الشروع في
القراءة بعد قطع، أو وقف، فإذا كان بعد القطع، فيتقدمه الاستعاذة، ثم البسملة إذا
كان الابتداء من أوائل السور، وإذا كان من أثنائها، فللقارئ التخيير في الإتيان
بالبسملة، أو عدم الإتيان بها بعد الاستعاذة.
هذا: ويُطلب من القارئ حال الابتداء ما
يُطلب منه حال الوقف، فلا يكون الابتداء إلا بكلام مستقل موفٍ بالمقصود غير مرتبط
بما قبله في المعنى؛ لكونه مختارًا فيه، بخلاف الوقف فقد يكون مضطرًا إليه، وتدعوه
الحاجة إلى أن يقف في موضع لا يجوز الوقف عليه كما تقدم توضيحه، وعليه: فلا يجوز
أن يَبدأَ بالفاعل دون فعله، ولا بالوصف دون موصوفه، ولا باسم الإشارة دون المشار
إليه، ولا بالخبر دون المبتدأ، ولا بالحال دون صاحبها، ولا بالمعطوف عليه دون
المعطوف، وهكذا إلى آخر المتعلقات.
وخلاصة القول: إنه لا يُبتدأ بالمعمول
دون عامله، ويُستثنى من ذلك ما إذا كان الابتداء في كل ما ذكرناه برؤوس الآي، فإنه
يجوز حينئذ لما تقدم.
وقد أحسن ابن الجزري حيث ذكر في
كتابه (النشر) قاعدة فيما يبتدأ به، فقال - رحمه الله تعالى -: "كل ما أجازوا
الوقف عليه أجازوا الابتداء بما بعده". [النشر في القراءات
العشر لابن الجزري ١/ ٢٣٤، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت].
تعريف القطع:
القطع في اللغة: بمعنى الإبانة،
والإزالة، تقول: "قطعت الشجرة" إذا أبنتها وأزلتها.
وفي الاصطلاح: قطع القراءة رأسًا، أي:
الانتهاء منها، فالقارئ به- أي بالقطع - كالمعرض عن القراءة، والمنتقل منها إلى
حالة أخرى غيرها، وينبغي بعد القطع إذا أراد العودة إلى القراءة: الإتيان
بالاستعاذة، ثم البسملة إن كان العود من أول السورة، وإن كان من أثنائها، فله
التخيير بالبسملة بعد التعوذ، أو عدم الإتيان بها.
ولا يكون القطع إلا على رؤوس الآي؛ لأن
رؤوس الآي في نفسها مقاطع، قال ابن الهذيل: "وكانوا يكرهون أن يقرؤوا بعض
الآية ويَدَعوا بعضها؛ لذلك ورد عنه أنه قال: إذا افتتح أحدكم آية يقرؤها، فلا
يقطعها حتى يتمها". [المصدر السابق، ١/ ٢٣٩].
تعريف السكت:
السكت في اللغة: بمعنى المنع.
وفي الاصطلاح: قطع الصوت زمنًا دون زمن
الوقف من غير تنفس بنية العودة إلى القراءة في الحال، ويكون في وسط الكلمة، وفي
آخرها، وعند الوصل بين السورتين لمن له ذلك من القراء، وأكثره وقوعًا على الساكن
قبل الهمز، سواء كان هذا الساكن صحيحًا، أو شبه صحيح، أو حرف مد.
فالساكن الصحيح: نحو قوله تعالى: {وَبِٱلۡأٓخِرَةِ
هُمۡ يُوقِنُونَ} [البقرة:
٤]، وهو
المعروف بسكت "أل"، ونحو قوله تعالى: {إِنْ
أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ} [فاطر: ٢٣]، وهو المعروف بسكت المفصول، ونحو "
الْقُرْآنَ": في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ
* عَلَّمَ الْقُرْآنَ} [الرحمن: ١: ٢] وهو المعروف بسكت الموصول.
والساكن شبه الصحيح: ما كان فيه حرف لين فقط، ويشمل
المفصول نحو قوله: {خَلَوْا إِلَى} [البقرة: ١٤]، ويشمل كذلك الموصول
قوله: {فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي} [المائدة: ٣١].
والساكن حرف "مد": نحو قوله: {قَالُوا
آمَنَّا} [البقرة: ١٤]، وقوله: {يَٰبَنِيٓ
إِسۡرَٰٓءِيلَ} [البقرة: ٤٠]، وقوله: {لَا
يَمَسُّهُمُ السُّوءُ} [الزمر: ٦١]، وهو المعروف بسكت المد.
وقد سكت حفص عن عاصم،
وكذلك ابن ذكوان عن ابن عامر، وإدريس عن خلف العاشر
على الساكن قبل الهمز ما لم يكن حرف مد في أحد الوجهين عنهم عن طريق "طيبة
النشر"، وكذلك سكت حمزة على الساكن قبل الهمز عمومًا سواء كان الساكن صحيحًا،
أو شبه صحيح، أو حرف مد من طريق "طيبة النشر"، وهو المعروف: "بالسكت
المطلق".
وقد ورد عن حفص عن عاصم من "طريق
الشاطبية" أنه كان يسكت سكتة لطيفة من غير تنفس بقدر حركتين في حالة الوصل في
أربعة مواضع في القرآن بالاتفاق وهي كالآتي:
السكتة الأولى: على الألف المبدلة من التنوين في لفظ:
{عِوَجَا} [الكهف:
١]
بأول سورة الكهف حالة الوصل ثم يقول: {قَيِّمًا} [الكهف: ٢] ، وهذا لا يمنع الوقف على {عِوَجَا} [الكهف: ١] ؛
لأنه رأس آية، وإنما السكت حالة وصل {عِوَجَا} بـ {قَيِّمًا}.
السكتة الثانية: على الألف من لفظ: {مَرْقَدِنَا} بسورة يس ثم يقول: {هَذَا
مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} [يس: ٥٢]، وهو تام كما ذكره الصفاقسي في "غيث النفع". [ينظر: "غيث النفع في القراءات السبع" ص ٣٣٣ لولي الله
سيد علي النوري الصفاقسي بهامش شرح الشاطبية لابن القاصح طبعة الحلبي الثالثة سنة
١٣٧٣ هـ / ١٩٥٤م]، وعليه فلا سكت عندئذ، وعند عدم الوقف
يجب السكت من طريق الشاطبية.
السكتة الثالثة: على النون من لفظ: "مَنْ"
في قوله تعالى: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} [القيامة: ٢٧]، ويلزم من السكت إظهار النون الساكنة عند الراء؛ لأن السكت يمنع
الإدغام.
السكتة الرابعة: على اللام من لفظ: "بَلْ"
في قوله تعالى: {كَلَّا
بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: ١٤]، ويلزم من هذا السكت أيضًا إظهار اللام عند الراء؛ لأن السكت يمنع
الإدغام.
وسَكْتُ
حفص في هذه المواضع الأربعة من النوع الذي يأتي على آخر الكلمة.
قال
الإمام الشاطبي - رحمه الله تعالى:
وَسَكْتَةُ
حَفْصٍ دُونَ قَطْعٍ لَطِيفَةٌ … عَلَـى أَلِـفِ التَّـنْـوِيـنِ فِـي عِوَجًـا
بَـلَا
وَفِي
نُونِ مَنْ رَاقٍ وَمَرْقَدِناَ وَلَا … مِ بَلْ رَانَ وَالْبَاقُونَ لَا سَكْتَ
مُوصَلَا
[حرز الأماني ووجه
التهاني" - المعروفة بالشاطبية للإمام أبي القاسم بن فيره
بن خلف أحمد الشاطبي، ص ٦٨، طبعة مصطفى الحلبي وأولاده بمصر سنة ١٣٥٥ هـ / ١٩٣٧م].
وهذا السكت - كما سبق أن قلنا - من "طريق
الشاطبية"، أما من طريق "طيبة النشر"، فإن لحفص فيها خمسة مذاهب،
وهي:
الأول: السكت على الجميع.
الثاني: عدم السكت على الجميع.
الثالث: السكت على {عِوَجَا} و{مَرْقَدِنَا} وحدهما.
الرابع: على {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} و {بَلْ رَانَ}
دون غيرهما.
الخامس: عدم السكت على {مَرْقَدِنَا}، والسكت
في غيره.
وكذلك يسكت حفص في وجه له بين السورتين
من غير تنفس في موضع واحد من القرآن، وهو بين آخر "سورة الأنفال"، وأول "سورة
براءة"، ومحله على الميم من "عليم" ثم يقول: "براءة"،
وعلى الهاء من لفظ "مَالِيَهْ" في قوله تعالى: {مَا
أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} [الحاقة: ٢٨، ٢٩]، والوجهان صحيحان مقروء بهما، والسكت هو المُقدَّم في الأداء.
[هداية القاري إلى
تجويد كلام الباري، للشيخ/ عبد الفتاح السيد عجمي المرصفي، ص ٤٠٩-٤١٤ بتصرف
شديد، طبعة دار النصر للطباعة الإسلامية بشبرا مصر، الأولى سنة ١٤٠٢ هـ ١٩٨٢ م].
الجزرية:
هي مقدمة منظومة في تجويد القرآن،
مكونة من مائة وتسعة أبيات، من نظم شيخ الإسلام أبي الخير محمد بن محمد الدمشقي،
الشهير ب "ابن الجزري" - رحمه الله تعالى رحمة واسعة -.
ولهذه المقدمة شروح عديدة، من أشهرها:
شرح متن الجزرية في معرفة تجويد الآيات القرآنية لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري -
رحمه الله تعالى -.