Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

بَلاغةُ القُرآنِ: الاستقصاء

بَلاغةُ القُرآنِ: الاستقصاء

الاستقصاء فنّ بلاغي رفيع يقوم على تتبّع المعاني واستيفائها بدقّة لا تترك لقائل بعده مزيدًا، فيغدو الكلام محكم البنيان، مكتمل الأركان، وقد تجلّى هذا الفن بأروع صوره في القرآن الكريم، حيث تُرسم المعاني بتسلسل متكامل يُغلق كل أبواب التوهّم أو الإضافة.

مفهوم الاستقصاء

الاستقصاء لغة: التتبع والإبعاد، وقصى فلان بَعُدَ. واستقصيت الأمر تتبعته حتى نهايته. [لسان العرب مادة: قصا].

 والاستقصاء في اصطلاح البلاغيين: أن يتناول الشاعر (أو المتكلم) معنًى فيستقصيه إلى ألا يترك فيه شيئًا لأحد يقوله من بعده [تحرير التحبير (٥٤٠) وبديع القرآن المجيد (٢٤٧)].

وتحدَّث عنه الإمام عبد القاهر الجرجاني، ومثَّل له بكلامين من شعر ابن المعتز معناهما العام واحد، إلا أن أحدهما استقصى كل ما يمكن أن يقال في هذا المقام، أما الثاني فقد خلا من الاستقصاء، وترك لقائل آخر فيه مقالًا. [أسرار البلاغة (١٥٢ - ٥٣ ١) ت: محمد رشيد رضا].

أمثلة الاستقصاء في القرآن الكريم

وليس الاستقصاء خاصًّا بالشعر، ولا بكلام الناس بل ورد منه نماذج كثيرة في كتاب الله العزيز ذكر منها البلاغيون قوله تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: ٢٦٦]. ففي هذه الآية ضروب وألوان من الاستقصاء، هذا بيانها.

 "وذلك أنه سبحانه بعد قوله: {جَنَّةٌ} التي لو اقتصر على ذكرها لكان كافيًا، لم يقف عند ذلك حتى قال في تفسيرها: {مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ}؛ لأن لفظة الجنة تطلق على أي شجر ساتر بظل ورقه الأرض فإذا قال: {مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ} كان مصاب ربها (صاحبها) بها أعظم.

ثم لم يقف عند ذلك، حتى قال سبحانه: {تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ}ُ متمّمًا لوصفها بذلك، ثم كمَّل وصفها بأن قال عز وجل: {لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ}؛ لأن وصفها بالنخيل والأعناب لا يكون به وصفًا كاملًا، فأتى بكل ما يكون في الجنان ليشتد الأسف على إفسادها.

 ثم قال في وصف صاحب الجنة: {وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ}، ثم استقصى المعنى في ذلك بما يوجب تعظيم المصاب بقوله بعد وصفه بالكبر: {وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ} حتى وصف الذرية بالضعف، ثم ذكر استئصال تلك الجنة التي ليس لهذا الذى أصابه الكبر، وليس لذريته الضعفاء غيرها بالهلاك في أسرع وقت، حيث قال: {فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٌ}... ولم يقتصر على ذلك الإعصار... فقال: {فِيهِ نَارٌ}  ثم لم يقف عند ذلك حتى أخبر سبحانه باحتراقها؛ لاحتمال أن تكون النار ضعيفة لا تفي باحتراقها لما في الجنة من الأنهار ورطوبة الأشجار، فاحترس بقوله: {فَٱحۡتَرَقَتۡۗ}، وهذا أحسن استقصاء وقع في كلام، وأتمّه وأكمله". [بديع القرآن المجيد (٢٤٩-٠ ٢٥)، ومعجم المصطلحات البلاغية (١٩٤) د. أحمد مطلوب].

ومن صور الاستقصاء في القرآن الكريم، ولم يذكره الأقدمون قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} [آل عمران: ٢٦]. فقد استقصت هذه الآية كل صفات الجلال، والكمال، والجمال لله -عز وجل-.

وبلاغة الاستقصاء في شموله للمعاني التي يقتضيها المقام والاستئثار بها، وسَد كل فجوة يمكن أن تدع مقالًا للاحقين، فهو الكلمة الأخيرة في موضوعه.

الخلاصة

الاستقصاء هو إحكام المعنى وتتبع مفاصله، حتى لا يُترك فيه موضع لزيادة أو نقص، وهو من أرقى أساليب البلاغة التي تبرز التمكن من اللغة والفكر، ويظهر أثره جليًّا في القرآن الكريم، حيث تُستوفى المعاني بدقة تامة تُغني عن كل زيادة، وتُحقق تمام البيان وكمال الإقناع.

موضوعات ذات صلة

الإيغال فنٌّ بلاغي يُستخدم لإضافة معنى جديد بعد اكتمال الفكرة

يُعدّ الإيجاز من أبرز سمات البلاغة العربية، لما فيه من تكثيف للمعنى وقوة في التعبير

يُعدّ الإيجاز من أبرز سمات البلاغة العربية، لما فيه من تكثيف للمعنى وقوة في التعبير

موضوعات مختارة