أمَّا السرّ البلاغي فهو تحقيق فضيلة
الإيجاز، وتكثير المعاني مع قلة الألفاظ المستعملة فيها، وفي الإيجاز عمومًا ميزة
لا تنفك أبدًا، بل هي ملازمة له ملازمة الروح للجسد النامي بالحياة، وهي اختصار
الزمن في النطق، واختصار المساحة في الورق، وقد بلغ الحذف قدرًا كبيرًا لم نعهده
من قبل، وذلك في قوله تعالى: {قَالَ
تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا فَمَا حَصَدتُّمۡ فَذَرُوهُ فِي سُنۢبُلِهِۦٓ
إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تَأۡكُلُونَ *
ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ سَبۡعٞ شِدَادٞ يَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ
لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تُحۡصِنُونَ *
ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ
يَعۡصِرُونَ *
وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦۖ} [يوسف: ٤٧-٥٠].
والإيجاز بالحذف - هنا - موطنه قبل قوله تعالى
حكاية عن ملك مصر في عصر يوسف -عليه السلام-: {وَقَالَ
ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦۖ}، لأن الآيات المذكورة قبله كلام قاله
يوسف - عليه السلام - للفتى الذي أرسله الملك إلى يوسف، ليعبِّر له رؤياه، ولم يكن
الملك حاضرًا حين قال يوسف - عليه السلام - لرسول الملك هذا الكلام، ولكن الذي حدث
- لا محالة - أن الفتى لمَّا رجع من عند يوسف -عليه السلام- أبلغَ الملك وحاشيته
ما قاله له يوسف، بدءًا من قوله: {قَالَ
تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا}، إلى قوله: {وَفِيهِ
يَعۡصِرُونَ} يعني أن هذه الآيات كُررت أو قيلت مرتين:
مرة قالها يوسف لرسول الملك، ومرة
قالها رسول الملك للملك.
لكن النظم القرآني الحكيم اكتفى بذكرها عن يوسف
لرسول الملك، وحذف ذكرها على لسان رسول الملك للملك مع حذوفات أخرى تتعلق بهذا
المقام.
وتقدير الكلام مع الاختصار هو الآتي: "ثم
عاد رسول الملك من عند يوسف بعد أن سمع منه ما قال ودخل على الملك وحاشيته فقصَّ
عليهم ما قاله يوسف .... وبعد أن فرغ من إبلاغ ما قاله يوسف صدقه الملك وحاشيته
وأبدى الملك إعجابه بما قال يوسف ثم قال: {ٱئۡتُونِي
بِهِۦۖ} هذا كله محذوف: لأنه مفهوم من الفجوات
التي تخللت الكلام، وهذا يُسمى في الأدب المسرحي الحديث "قص المناظر" التي
تُترك ليملأ العقل فجوات الفراغ التي بين ثنايا الكلام.
أما الآيات التي طُوي ذكرها فعدد جملها أو
تراكيبها اثنا عشر تركيبًا، هي: قال - تزرعون - حصدتم - ذروه - تأكلون - يأتي -
يأكلن - قدمتم - تحصنون - يأتي - يغاث - يعصرون.
أما عدد الكلمات التي تتكون منها هذه التراكيب
ولواحقها فهي أكثر من أربعين كلمة، ودليل هذا الحذف أمران:
· عمل
العقل في ملء الفراغات البدهية.
· ذكر
ما قاله يوسف دلَّ على ماحكاه رسول الملك للملك.
أما الداعي
البلاغي فهو تحقيق فضيلة الإيجاز مع تجنب العبث في البيان، ودفع الملل لدى السامع،
لو أعيدت الآيات مرة أخرى بلا فصل طويل.