Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

بلاغة القرآن: الإيجاز بحذف التراكيب

بلاغة القرآن: الإيجاز بحذف التراكيب

الإيجاز بحذف التراكيب يعد أرقى صور الإيجاز، حيث تُحذف جمل كاملة أو تراكيب متعددة مع بقاء المعنى مفهومًا بوضوح؛ ويُستعمل في القرآن الكريم لتحقيق الإحكام البياني وتجنب الفضول في الألفاظ.

مفهوم الإيجاز بحذف التراكيب

هذا النوع من الإيجاز هو أعلى درجاته وصوره؛ لأن المحذوف فيه أكثر من الجملة الواحدة، فقد يكون المحذوف جملتين أو ثلاثًا أو أكثر.

 وله حدٌّ أدنى، وهو حذف جملتين، وأمَّا حدُّه الأعلى فغير منضبط في عدد مُعين من الجمل أو التركيب، وبعض البلاغيين يسمى صور الجمل التي يعتريها الحذف أنها جمل ذكرها غير مفيد؛ لأن معناها يُدرك وهي محذوفة فيكون ذكرها غير محتاج إليه. [معجم المصطلحات البلاغية ١ /٥٨ ٣]

   وهذا النوع من الإيجاز له ورود مستفيض في القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى: {قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا * قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞۖ وَلِنَجۡعَلَهُۥٓ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةٗ مِّنَّاۚ وَكَانَ أَمۡرٗا مَّقۡضِيّٗا} [مريم٢٠ ، ٢١]، القائل: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ} هو مريم (رضي الله عنها) حين بشرها المَلَك بعيسى عليه السلام، وقد اشتملت هذه الآية على إيجاز بالحذف، كان المحذوف فيه جملتين؛ لأن قوله تعالى: {وَلِنَجۡعَلَهُۥٓ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةٗ مِّنَّاۚ} تعليل معلَّلَه محذوف، أو سبب مسبَبَه محذوف والتقدير: "فعلنا هذا وقدرناه لنجعله آية للناس"، ودليل الحذف هو ذكر السبب، وهو يقتضي مسبَبًا؛ لأن بين السبب والمسبَب تلازمًا في الوجود، وذكر أحدهما يدل على الآخر المحذوف.

 أما الدَّاعي البلاغي فهو - كما تقدم مرات - إحكام العبارة ونفي الفضول عنها.

أمثلة مع بيان الدواعي البلاغية للحذف

ومن ذلك قوله تعالى: {لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ} [الحديد ١٠]، في الآية إيجاز بحذف أكثر من جملة، والتقدير: "لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل". [الكشاف ٤/٦٢].

 والدليل على هذا الحذف هو قوله تعالى: {أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ} فحذف من الأول، لدلالة الثاني عليه، والبلاغيون يسمون هذا الحذف: "الاحتباك" وله صورة أخرى، وهي: أن يكون الحذف من الأول لدلالة الثاني عليه [ينظر مصطلح الاحتباك الآتي بعد قليل]، وفي الآية دليل آخر على هذا الحذف، ولفت الذهن إليه: وهو الفعل { لَا يَسۡتَوِي } في صدر الآية، لأنه يستدعي طرفين بينهما تفاوت ليتحقق نفي المساواة بينهما، وليس في صدر الآية إلا طرف واحد موصوف بصفات الكمال، وهذا يقتضي حضور الطرف الثاني في الذهن ليستقيم الكلام ويحسن السكوت عليه.

 والداعي البلاغي لهذا الحذف هو تهذيب العبارة؛ لأن المعنى الذي يدركه الفهم إدراكًا قويًّا مع حذف الألفاظ الدالة عليه، يكون في ذكرها فضول يتنزه عنه البيان الحكيم.

 ومنه كذلك قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ} [المؤمنون ٦٠]، وفي هذه الآية حذوفات والتقدير: "والذين يعطون ما أعطوا من الصدقات وسائر القربات الخالصة لوجه الله تعالى، ويخافون أن تُرد عليهم صدقاتهم" أو المحذوف هو: "يخافون أن تُرد عليهم صدقاتهم، وأن تُرد عليهم جميع قرباتهم التي قدموها طامعين في قبول الله لها، وإثابتهم عليها".

 ودليل هذه الحذوفات هو قوله تعالى: {قُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ}؛ لأن الوَجل الحاصل في القلوب ليس من نفس الطاعات المرجو بها وجه الله، وإنما من بوارها وكسادها وردِّ الله إياها.

السر البلاغي لحذف التراكيب

أمَّا السرّ البلاغي فهو تحقيق فضيلة الإيجاز، وتكثير المعاني مع قلة الألفاظ المستعملة فيها، وفي الإيجاز عمومًا ميزة لا تنفك أبدًا، بل هي ملازمة له ملازمة الروح للجسد النامي بالحياة، وهي اختصار الزمن في النطق، واختصار المساحة في الورق، وقد بلغ الحذف قدرًا كبيرًا لم نعهده من قبل، وذلك في قوله تعالى: {قَالَ تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا فَمَا حَصَدتُّمۡ فَذَرُوهُ فِي سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تَأۡكُلُونَ * ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ سَبۡعٞ شِدَادٞ يَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تُحۡصِنُونَ * ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ * وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦۖ} [يوسف: ٤٧-٥٠].

 والإيجاز بالحذف - هنا - موطنه قبل قوله تعالى حكاية عن ملك مصر في عصر يوسف -عليه السلام-: {وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦۖ}، لأن الآيات المذكورة قبله كلام قاله يوسف - عليه السلام - للفتى الذي أرسله الملك إلى يوسف، ليعبِّر له رؤياه، ولم يكن الملك حاضرًا حين قال يوسف - عليه السلام - لرسول الملك هذا الكلام، ولكن الذي حدث - لا محالة - أن الفتى لمَّا رجع من عند يوسف -عليه السلام- أبلغَ الملك وحاشيته ما قاله له يوسف، بدءًا من قوله: {قَالَ تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا}، إلى قوله: {وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ} يعني أن هذه الآيات كُررت أو قيلت مرتين:

مرة قالها يوسف لرسول الملك، ومرة قالها رسول الملك للملك.

 لكن النظم القرآني الحكيم اكتفى بذكرها عن يوسف لرسول الملك، وحذف ذكرها على لسان رسول الملك للملك مع حذوفات أخرى تتعلق بهذا المقام.

 وتقدير الكلام مع الاختصار هو الآتي: "ثم عاد رسول الملك من عند يوسف بعد أن سمع منه ما قال ودخل على الملك وحاشيته فقصَّ عليهم ما قاله يوسف .... وبعد أن فرغ من إبلاغ ما قاله يوسف صدقه الملك وحاشيته وأبدى الملك إعجابه بما قال يوسف ثم قال: {ٱئۡتُونِي بِهِۦۖ} هذا كله محذوف: لأنه مفهوم من الفجوات التي تخللت الكلام، وهذا يُسمى في الأدب المسرحي الحديث "قص المناظر" التي تُترك ليملأ العقل فجوات الفراغ التي بين ثنايا الكلام.

 أما الآيات التي طُوي ذكرها فعدد جملها أو تراكيبها اثنا عشر تركيبًا، هي: قال - تزرعون - حصدتم - ذروه - تأكلون - يأتي - يأكلن - قدمتم - تحصنون - يأتي - يغاث - يعصرون.

 أما عدد الكلمات التي تتكون منها هذه التراكيب ولواحقها فهي أكثر من أربعين كلمة، ودليل هذا الحذف أمران:

·  عمل العقل في ملء الفراغات البدهية.

·  ذكر ما قاله يوسف دلَّ على ماحكاه رسول الملك للملك.

 أما الداعي البلاغي فهو تحقيق فضيلة الإيجاز مع تجنب العبث في البيان، ودفع الملل لدى السامع، لو أعيدت الآيات مرة أخرى بلا فصل طويل.

الخلاصة

هذا الأسلوب يحقق غاية الإيجاز بتكثيف المعاني عبر حذف تراكيب يدركها السياق والعقل دون إخلال بالفهم. يظهر بكثرة في القرآن عبر حذف جمل متلازمة، مع اعتماد القرائن العقلية واللفظية لإيضاح المحذوف. والغاية البلاغية منه إحكام التعبير، اختصار الزمن والمساحة، ودفع الملل مع الحفاظ على جمالية البيان.

موضوعات ذات صلة

الإيجاز بحذف الجملة: هو حذف التركيب الواحد من الكلام، أي حذف الجملة: اسمية كانت أو فعلية

يُعدّ إيجاز الحذف أحد ركني الإيجاز البلاغي، ويقوم على حذف ما دلّ عليه السياق دلالة واضحة

يُعدّ الإيجاز من أبرز سمات البلاغة العربية، لما فيه من تكثيف للمعنى وقوة في التعبير

موضوعات مختارة