ومن أجل هذا اختصت كلمات الفواصل القرآنية بالأمور الآتية:
ختمها -في الغالب- بحروف المد واللين، وإلحاق الميم والنون بها،
ووظيفته التمكن من التطريب.
قال سيبويه: "إنهم -أي: العرب- يلحقون الألف
والياء والنون يريدون مد الصوت، ويتركون ذلك إذا لم يترنموا"، [الكتاب ٢/ ٢٩٨]، وهذا الجمال الإيقاعي في القرآن لا يخفى على أحد [النبأ العظيم ٨٠]
إن الحروف التي تقع بها الفواصل إما متماثلة وإما متقاربة، ولا تخرج الفواصل عن هذين النوعين:
فمثال التماثل: قوله تعالى: {إِنَّآ
أَعۡطَيۡنَٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ *
فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ *
إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلۡأَبۡتَرُ} [الكوثر: ١-٣].
ومثال التقارب: قوله تعالى: {بِسۡمِ
ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ *
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ *
ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ *
مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ *
إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ *
ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ *
صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا
ٱلضَّآلِّينَ} [الفاتحة: ١-٧].
فالتماثل في الكوثر وقع بحرف (الراء)، والتقارب في الفاتحة وقع بين (النون
والميم)
إنها تتقدم عليها ألفاظ تمهد لها وتعظم من وقعها في السمع، وتلك الألفاظ سماها الأقدمون رد الأعجاز على الصدور، وسماها المحدثون بـ (التصدير).
- التكرار
في بعض الفواصل،
كما في سور: الرحمن، القمر، والمرسلات، لكن هذا التكرار ليس مقصورًا على هذه الوظيفة الصوتية، بل هو لها ولخدمة المعاني
المرادة من الفواصل وما يتقدمها، وللعلماء نظر خاص في بناء الفواصل، نتج عنه تقسيم الفواصل عدة أقسام، نذكر منها:
- الفواصل
المتوازية،
وضابطها: أن تتفق الفاصلتان في الوزن الصرفي، وفي الحروف، مثل قوله تعالى: {فِيهَا
سُرُرٌ مَّرۡفُوعَةٌ *
وَأَكۡوَابٌ مَّوۡضُوعَةٌ} [الغاشية: ١٣-١٤].
- والمُطَرَّف: أن تتفق الفاصلتان في الحروف دون
الوزن مثل قوله تعالى: {مَّا لَكُمۡ لَا
تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا *
وَقَدۡ خَلَقَكُمۡ أَطۡوَارًا} [نوح: ١٣-١٤]، فالفاصلة الأولى على "مَفْعُولَة"،
أما الفاصلة الثانية فعلى وزني "فَعَال" و"أَفْعَال".
- الفواصل
المتوازنة،
وضابطها: أن يراعي في كلتا الفاصلتين الوزن الصرفي، دون الاتفاق في الحروف مثل
قوله تعالى: {وَنَمَارِقُ
مَصۡفُوفَةٞ *
وَزَرَابِيُّ مَبۡثُوثَةٌ} [الغاشية: ١٥-١٦] الوزن واحد "مَفْعُولَة" أما
الحرفان فهما مختلفان، وهما: الفاء والثاء.
ويلاحظ أن الفواصل القرآنية في الآيات القصيرة تكون كلمة معمولة نحويًّا
لعامل في الآية قبلها، أو معطوفة على كلمة فيها، أو توضيح لكلمة، أو مضافًا إليها كلمة،
مثال ذلك: {أَرَءَيۡتَ
ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ *
فَذَٰلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلۡيَتِيمَ *
وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ *
فَوَيۡلٞ لِّلۡمُصَلِّينَ *
ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ *
ٱلَّذِينَ هُمۡ يُرَآءُونَ *
وَيَمۡنَعُونَ ٱلۡمَاعُونَ} [الماعون: ١-٧]، ففي الآية الأولى جاءت {بِٱلدِّينِ}
متعلقة بـ {يُكَذِّبُ}،
وفي الآية
الثانية جاءت الفاصلة { ٱلۡيَتِيمَ } مفعولًا به للفعل {يَدُعُّ}، وفي الآية الثالثة
جاءت الفاصلة {ٱلۡمِسۡكِينِ} مضافًا إليها {طَعَامِ}، وفي الآية الرابعة جاءت الفاصلة
{لِّلۡمُصَلِّينَ} خبرًا لـ {وَيۡلٞ} كما جاءت {سَاهُونَ} خبرًا عن {ٱلَّذِينَ} في الآية الخامسة، وكذلك {يُرَآءُونَ} في الآية السادسة، أما {ٱلۡمَاعُونَ} في الآية السابعة فجاءت مفعولًا به لـ {يَمۡنَعُونَ}، وهكذا كل فواصل الآيات القصيرة في القرآن كله.
أما الآيات الطويلة: فتأتي فاصلتها في جملة مستقلة، مثل: {أُوْلَٰٓئِكَ
ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ
وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ} [البقرة: ١٦].