إيجاز القصر أسلوب بلاغي في القرآن الكريم يُظهر كثافة المعاني رغم قلة الألفاظ دون حذف ظاهر، وتظهر بلاغة هذا النمط من خلال أمثلة قرآنية تبين تفوق البيان القرآني على كلام البشر.
إيجاز القصر أسلوب بلاغي في القرآن الكريم يُظهر كثافة المعاني رغم قلة الألفاظ دون حذف ظاهر، وتظهر بلاغة هذا النمط من خلال أمثلة قرآنية تبين تفوق البيان القرآني على كلام البشر.
هو القسم الثاني من قسمي الإيجاز بعد الإيجاز بالحذف وصوره الخمس، والفرق بينهما: أن الإيجاز بالحذف يلحظ فيه حذف حرف من بنية الكلمة، أو أداة من أدوات المعاني، أو كلمة مفردة (اسم أو فعل) من تركيب مفيد (جملة تامة) (اسمية أو فعلية) من مجموع كلام، أو يكون المحذوف جملتين فأكثر، مع وجود دليل قوي على المحذوف، أما إيجاز القصر فلا يلحظ فيه شيء محذوف أبدًا، وإنما يلحظ فيه أن المعاني المشعة منه أكثر من الألفاظ التي استعملت فيها.
فمثلًا قولنا: "اسأل أهل القرية" كلام مساوي لفظه لمعناه، فإذا قارناه بقوله تعالى: {وَسۡـَٔلِ ٱلۡقَرۡيَةَ} [يوسف ٨٢] كان إيجاز بالحذف، والمحذوف هو كلمة "أهل" وهو مفعول به لـ {وَسۡـَٔلِ} ومضاف إلى {ٱلۡقَرۡيَةَ}، ودليل الحذف فيه هو حكم العقل الذي يمنع توجيه السؤال إلى القرية باعتباره مكانًا وأرضًا وأبنية، وإنما الذي يوجَّه إليه السؤال عقلًا هو أهل القرية، فإيجاز الحذف وإيجاز القصر يشتركان في أن معاني كل منهما أكثر من الألفاظ المستعملة فيها، ويفترقان في أن إيجاز الحذف يُلحظ فيه ألفاظ محذوفة، أما إيجاز القصر فلا يُلحظ فيه ألفاظ محذوفة يمكن ذكرها في جُمَله أو تراكيبه.
وكان الجاحظ أول من أشار إليه في قوله: "الكلام الذي قلَّ عدد حروفه وكثر عدد معانيه". [البيان والتبيان].
ذكر هذه العبارة في وصف مُسهب لحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم جاء العلماء من بعده واعتبروا هذه العبارة تعريفًا لفن الإيجاز بالقصر، ومنه قوله تعالى: {لَّا يُصَدَّعُونَ عَنۡهَا وَلَا يُنزِفُونَ} [الواقعة ١٩] على اعتبار أن هاتين الكلمتين قد جمعتا نفي جميع عيوب خمر أهل الدنيا.
وقوله تعالى: {لَّا مَقۡطُوعَةٖ وَلَا مَمۡنُوعَةٖ} [الواقعة ٣٣] على اعتبار أن هاتين الكلمتين قد جمعتا نفي جميع العيوب ثم قال: "درجت الأرض من العرب والعجم على إيثار الإيجاز وحمد الاختصار، وذم الإكثار والتطويل والتكرار وكل ما فضل - أي زاد - على المقدار" [رسالة من البلاغة والإيجاز (٢٢) - رسائل الجاحظ (١٥٦/٤)].
ويرى ابن الأثير أن التنبه إلى هذا النوع من الإيجاز عسر؛ لأنه يحتاج إلى فضل تأمل [المثل السائر ٢/٧٨]، وقول الله تعالى: {ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٌ} [البقرة ١٧٩]، والقول المأثور عن العرب "القتل أنفى للقتل"، وفي كل منهما إيجاز قصر، وبينوا الوجوه التي سما بها قول القرآن على قول العرب في الآتي:
فأولًا: عدد حروف قول القرآن عشرة أحرف، وعدد حروف القول المأثور عن العرب أربعة عشر حرفًا.
وثانيًا: القول القرآني فيه تصريح بالمطلوب، وهو الحياة، أما قول العرب فقد خلا من التصريح.
وثالثًا: تنكير "حياة" في القول القرآني يفيد إما التعظيم وإما النوعية الخاصة، أي حياة آمنة، وقد خلا قول العرب منه.
ورابعًا: القول القرآني مطَّرد عام، أما قول العرب ففيه قصور وعجز، فليس كل قتل يكون محقق لسلامة الأرواح، بل منها ما يكون سببًا في تفشي القتل، وهو الأخذ بالثأر، والقتل والعدوان، أما القول القرآني فنصَّ على أن القتل هنا هو القصاص الذي يقوم به ولي الأمر، وفيه - فعلًا - حسم لمادة الشر.
وخامسًا: القول القرآني خلا من عيب التكرار، أما قول العرب فقد تكرر فيه القتل مرتين.
وسادسًا: استغناء القول القرآني عن تقدير محذوف يتم به المعنى، أما قول العرب فلابد من تقدير محذوف فيه هكذا: القتل أنفى للقتل من تركه.
وسابعًا: القول القرآني جمع بين القصاص بمعنى القتل وبين الحياة، وفي هذا مُحسِّن بديعي لطيف المورد، أما قول العرب فقد عرى من هذا التحسين.
وثامنًا: القول القرآني جعل "القصاص" منبعًا ومصدرًا للحياة كاشتمال الظرف على المظروف فيه، أما قول العرب فقد خلا من هذه الاعتبارات اللطيفة الآسرة [المثل السائر (٢/١٢٥) – والصناعتين لأبي هلال العسكري (١٧٥) - ونهاية الإيجاز للفخر الرازي (١٤٥) – وبديع القران (١٩٢) – والايضاح (١٨٢)]، ولهذا الإيجاز قيمة عليا عند البلاغيين وخبراء الأساليب فقد وصفوه - أعني الإيجاز في آية القصاص المتقدمة، بأنه: الذي فاق كل كلام، وهو أعلى طبقات الإيجاز. [نهاية الارب للنويري ٧/٥ – شروح التلخيص ٣/١٨٢ – الطول للسعد ٢٨٦ – معترك الأقران للسيوطي ١/٢٩٥ – الجامع الكبير لابن الاثير ١٤٢].
إيجاز القصر هو القسم الثاني من الإيجاز، ويختلف عن إيجاز الحذف بكونه لا يعتمد على حذف كلمات أو أحرف، بل يركز على تضمين المعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة، وتبرز بلاغته في القرآن الكريم، ففي آية القصاص {ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٌ} [البقرة ١٧٩] يُلاحظ تفوقها على قول العرب "القتل أنفى للقتل" في الإيجاز، ووضوح المعنى، وخلوها من التكرار، ودقتها في التعبير، مما يجعلها من أعلى طبقات الإيجاز.