إننا لا نتجاوز منطق الحقيقة إذا قلنا إن التفسير الصوفي الإشاري ضرورة
تقتضيها موسوعية الدلالة القرآنية التي لا تنحسر عند حد التفسير العباري أو
التفسير الظاهر، لا سيما مع إقرار كبار الأئمة بمصداقية حديث: «إن للقرآن ظهرًا وبطنًا» السابق تخريج الحافظ
العراقي له من صحيح ابن حبان وغيره، ومن ثَمَّ تتجسد أهمية التفسير الإشاري
الصوفي فيما يلي:
أولًا: تضافر
الآثار والنقول الكثيرة في المصادر العلمية الوثيقة على الإلزام بإقراره والاعتداد
به مثل الحديث الذي أخرجه الحافظ عبد الرزاق والفريابي
عن الإمام الحسن -رضي الله عنه- أنه قال:
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لكلِّ آيةٍ ظهرٌ وبطنٌ ولكلِّ حرفٍ حدٌّ ولكلِّ حدٍّ مَطْلَعٌ». [ثمار الجنان في أفنان من علوم القرآن]
وكقول سيدنا علي -كرم الله وجهه-: "لو شئت لأوقرت سبعين بعيرًا
من فاتحة الكتاب" الذي ذكرناه آنفًا بتخريجه. ولأنه مجال تحصيل هذا القدر من
التفسير الظاهر فلا مناص من قبول التفسير الباطن الإشاري.
وما نقله الإمام الغزالي عن بعض العلماء من أنه قال: "لكل آية ستون ألف
فهم، وما بقي من فهمها أكثر". [حقائق التفسير]
وكذلك ما نقله الإمام الزركشي عن القاضي أبي بكر بن العربي -في كتابه قانون
التأويل- أن علوم القرآن خمسون علمًا وأربعمائة وسبعة آلاف علم وسبعون ألف علم على
عدد كلمات القرآن مضروبة في أربعة، إذ لكل كلمة ظاهر وباطن وحد ومطلع!". [مقدمة (لطائف
الإشارات)]
فمدلول هذا كله لا يمكن أن يتحصل من مجرد التفسير
الظاهر، فلابد من التفسير الإشاري.
ثانيًا: إن التفسير
الإشاري حتمي الوجود، للوفاء بحق الخواص من طبقات الأمة، فقد روي عن الإمام جعفر الصادق -رضي
الله تعالى عنه- أنه قال: "كتاب الله على أربعة أشياء: العبارة، والإشارة، واللطائف، والحقائق". فالعبارة للعوام، والإشارة للخواص، واللطائف للأولياء،
والحقائق للأنبياء" [البحر
المديد]، وتقسيم هذه المراتب مستنبط من مدلول قوله
تعالى: {يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ
ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ} [المجادلة: ١١]، ومن قوله تعالى: {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ} [النساء: ٨٣]
وثالثًا: إن التفسير
الإشاري ضرورة لتجدد واستمرارية الخطاب القرآني المتعلق بكل ما انتهى زمنه مثل قصص
الأنبياء السابقين مع أممهم الغابرة.
فإذا كان التفسير الظاهر يرى أنها قصص أنبياء قد انتهت بانتهاء أممهم وأن
آياتها تقرأ الآن لمجرد العظة والاعتبار فحسب، فإن التفسير الإشاري بوجوهه الرمزية
يجعل الخطاب بها ممتدًا وقائمًا موجهًا إلى الإنسان في كل عصر، ترى ذلك حيث يرمزون
فيها بموسى للقلب، وكذا بفرعون للنفس، وهكذا يكون القرآن الكريم وكأنه في حالة
تجدد نزول لم ينته الخطاب به بانتهاء أزمنة أحداثه، بل هو فوق الزمان والمكان باعتباره
كلام الله تعالى وصفته القائمة بذاته، ومن ثم تظل صفة الكلام قائمة وغير معطلة لم
تنته بنزول الكتب السماوية، فمازال الحق تعالى متكلمًا أبدًا، لا تنفد
كلماته جل وعلا.
رابعًا: كذلك تتجسد
ضرورة التفسير الصوفي الإشاري في حل كثير من المشكلات التفسيرية المتمثلة في إيهام
التناقض بين دلالات الآيات التنزيلية: كدلالة نحو قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّۚ} [آل عمران: ١٦١]، على عصمة الأنبياء، مع دلالة نحو قوله تعالى:
{لِّيَغۡفِرَ
لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: ٢] على ثبوت الذنب، فيأتي صاحب (البحر المديد) بالتأويل الإشاري الذي لا يقدح في
العصمة، إذ يقول: "الإشارة: {إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا} بأن كشفنا لك عن
أسرار ذاتنا وأنوار صفاتنا وجمال أفعالنا فشاهدتنا بنا: {لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ} أي ليغيبك عن
وجودك في شعور محبوبك ويستر عنك حسك ورسمك حتى تصير بنا في كل شيء قديمًا وحديثًا" [أخرجه العجلوني في كشف الخفاء]، فأفاد أن المراد الإشاري لغفران الذنب ستر
الوجود الإضافي للمفتوح عليه حيث يغيب عن وجوده استغراقًا في شهود محبوبه.
خامسًا: أن هذا
التفسير الفيضي الصوفي الإشاري يجسد إعجاز القرآن الكريم في هدايته للبشر بدلالته
على قواعد السلوك للوصول إلى مقام الإحسان الذي عرفه سيد الخلق -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فإنَّه يَراكَ» [رواه مسلم]، فإن دراسة أي تفسير إشاري مثل: "لطائف
الإشارات" أو "روح البيان" أو "البحر المديد"
دراسة منهجية واعية يمكن بها إرساء قواعد السلوك الصوفي الإحساني الرشيد الذي
يرتقي به إلى قمة الربانية ويتسنم ذرى المعرفة والشهود.
سادسًا: إن
مصادر التفسير الإشاري تتضمن كنوزًا معرفية هائلة تمثل نتاجًا زاخرًا من العلم اللدني
الذي تنهال فيوضاته على قلوب العارفين فتتدفق في جداول التأويل العرفاني الذي يحوي
كل عجيب وعجيب، وسل تفسير ابن عجيبة ينبئك من البحر المديد، ولا ينبئك مثل
خبير، وإننا بحمد الله تعالى من واقع التعايش العلمي والوجداني مع نتاج التفسير
الصوفي الإشاري نستطيع أن نؤكد: أنه لا يتم البناء التفسيري القرآني، إلا بإعمال
المنهج الصوفي الإشاري في التفسير، وإحراز نتاج (علم الموهبة) الذي اعتده أساطين
علوم القرآن الكريم وتفسيره علمًا أساسيًا ومصدرًا رئيسًا للمفسر ضمن العلوم
الخمسة عشر التي يحتاج إليها المفسر، حيث ذكره الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي -رضي
الله عنه- وفي ختامها - بالإتقان- قائلًا: "الخامس عشر علم الموهبة: وهو علم
يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم، وإليه الإشارة بحديث: «منْ عَمِلَ بِما عَلِمَ ورَّثَهُ اللهُ عِلْمَ ما لمْ يعلمْ»
[الإتقان].