Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التفسير الإشاري للقرآن الكريم

الكاتب

أ. د. جودة أبو اليزيد المهدي

التفسير الإشاري للقرآن الكريم

التفسير الإشاري الصوفي ضرورة تقتضيها موسوعية الدلالة القرآنية، التي لا تنحسر عند حد التفسير الظاهر، وهو يختلف عن التفسير الباطني المنحرف اختلافًا كليًّا؛ حيث إنه منضبط بالضوابط الشرعية، أما تفسير الباطنية فإنه يعطّل ظاهر النص ويهدف لنفي الشريعة بالكلية.

التفرقة بين التفسير الإشاري وتفسير الباطنية

يخلط بعض الجاهلين بين التفسير الصوفي الإشاري -المنضبط بضوابطه- وبين تفسير الشيعة الباطنية الذي يذهب بدلالة النص القرآني بعيدًا عن مقصودها، فيحدث خطأ كبير في الحكم على الصوفية المتحققين الذين تبرز لهم أنوار التنزيل، فيقبسون منها قبسات عرفانية تتوج التفسير الظاهر وتزيده جلاءً ونفاذًا إلى القلوب، وتجسد موسوعية الدلالة القرآنية، وقد فطن إلى ذلك ذوو الرسوخ والتمكين العلمي فأبرزوا الحدود الفاصلة بين الاتجاهين، فقال العلامة سعد الدين التفتازاني معلقًا على قول الإمام النسفي في العقائد: "والنصوص على ظواهرها، فالعدول عنها إلى معانٍ يدعيها أهل الباطن إلحاد"، قال السعد -رحمه الله تعالى: "وسموا الباطنية؛ لادعائهم أن النصوص ليست على ظواهرها، بل لها معان باطنة لا يعرفها إلا المعلم، وقصدهم بذلك: نفي الشريعة بالكلية"، ثم قال: "وأما ما يذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص محمولة على ظواهرها، ومع ذلك ففيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان." [الإتقان]

ونلاحظ على تقرير الإمامين السعد والنسفي:

أولًا: أن إبطال دلالة ظواهر النصوص إنما هو إلحاد وتعطيل لأصول الشريعة.

ثانيًا: أن قصر معرفة المعاني الباطنة للنصوص الشرعية (الكتاب والسنة) على المعلم أو الإمام وحده في المذهب الشيعي الباطني تخصيص بلا مخصص، وبذا يتحقق الخلل في تحديد كل من العالم والمعلوم.

ثالثًا: أن العلامة السعد، وهو إمام في المعقول والمنقول، قد حكم للتفسير الصوفي الإشاري المنضبط بشروطه وضوابطه: بأنه من كمال الإيمان ومحض العرفان.

وقد نقل الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي -رضي الله عنه- في الإتقان تقرير صاحب الحكم العطائية: العلامة أحمد بن عطاء الله السكندري -رضوان الله عليه- عن التفسير الإشاري فقال: "وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في كتابه لطائف المنن": اعلم أن تفسير هذه الطائفة -أي الصوفية- لكلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- بالمعاني العربية ليس إحالة للظاهر عن ظاهره، ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جلبت الآية له ودلت عليه في عرف اللسان.

وثَمَّ أفهام باطنة تفهم عن الآية والحديث لمن فتح الله قلبه، وقد جاء في الحديث: «لكلِّ آيةٍ  ظَهرٌ وبطنٌ»، فلا يصدنك عن تلقي هذه المعاني منهم أن يقول لك ذو جدل ومعارضة "هذا إحالة لكلام الله وكلام رسوله"، فليس ذلك بإحالة، وإنما يكون إحالة لو قالوا لا معنى للآية إلا هذه، وهم لم يقولوا ذلك، بل يقرؤون الظواهر على ظواهرها مرادًا بها موضوعاتها ويفهمون عن الله تعالى ما أفهمهم. [إحياء علوم الدين]

أهمية التفسير الإشاري

إننا لا نتجاوز منطق الحقيقة إذا قلنا إن التفسير الصوفي الإشاري ضرورة تقتضيها موسوعية الدلالة القرآنية التي لا تنحسر عند حد التفسير العباري أو التفسير الظاهر، لا سيما مع إقرار كبار الأئمة بمصداقية حديث: «إن للقرآن ظهرًا وبطنًا» السابق تخريج الحافظ العراقي له من صحيح ابن حبان وغيره، ومن ثَمَّ تتجسد أهمية التفسير الإشاري الصوفي فيما يلي:

أولًا: تضافر الآثار والنقول الكثيرة في المصادر العلمية الوثيقة على الإلزام بإقراره والاعتداد به مثل الحديث الذي أخرجه الحافظ عبد الرزاق والفريابي عن الإمام الحسن -رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لكلِّ آيةٍ ظهرٌ وبطنٌ ولكلِّ حرفٍ حدٌّ ولكلِّ حدٍّ مَطْلَعٌ». [ثمار الجنان في أفنان من علوم القرآن]

وكقول سيدنا علي -كرم الله وجهه-: "لو شئت لأوقرت سبعين بعيرًا من فاتحة الكتاب" الذي ذكرناه آنفًا بتخريجه. ولأنه مجال تحصيل هذا القدر من التفسير الظاهر فلا مناص من قبول التفسير الباطن الإشاري.

وما نقله الإمام الغزالي عن بعض العلماء من أنه قال: "لكل آية ستون ألف فهم، وما بقي من فهمها أكثر". [حقائق التفسير]

وكذلك ما نقله الإمام الزركشي عن القاضي أبي بكر بن العربي -في كتابه قانون التأويل- أن علوم القرآن خمسون علمًا وأربعمائة وسبعة آلاف علم وسبعون ألف علم على عدد كلمات القرآن مضروبة في أربعة، إذ لكل كلمة ظاهر وباطن وحد ومطلع!". [مقدمة (لطائف الإشارات)]

فمدلول هذا كله لا يمكن أن يتحصل من مجرد التفسير الظاهر، فلابد من التفسير الإشاري.

ثانيًا: إن التفسير الإشاري حتمي الوجود، للوفاء بحق الخواص من طبقات الأمة، فقد روي عن الإمام جعفر الصادق -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: "كتاب الله على أربعة أشياء: العبارة، والإشارة، واللطائف، والحقائق". فالعبارة للعوام، والإشارة للخواص، واللطائف للأولياء، والحقائق للأنبياء" [البحر المديد]، وتقسيم هذه المراتب مستنبط من مدلول قوله تعالى: {يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ} [المجادلة: ١١]، ومن قوله تعالى: {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ} [النساء: ٨٣] 

وثالثًا: إن التفسير الإشاري ضرورة لتجدد واستمرارية الخطاب القرآني المتعلق بكل ما انتهى زمنه مثل قصص الأنبياء السابقين مع أممهم الغابرة.

فإذا كان التفسير الظاهر يرى أنها قصص أنبياء قد انتهت بانتهاء أممهم وأن آياتها تقرأ الآن لمجرد العظة والاعتبار فحسب، فإن التفسير الإشاري بوجوهه الرمزية يجعل الخطاب بها ممتدًا وقائمًا موجهًا إلى الإنسان في كل عصر، ترى ذلك حيث يرمزون فيها بموسى للقلب، وكذا بفرعون للنفس، وهكذا يكون القرآن الكريم وكأنه في حالة تجدد نزول لم ينته الخطاب به بانتهاء أزمنة أحداثه، بل هو فوق الزمان والمكان باعتباره كلام الله تعالى وصفته القائمة بذاته، ومن ثم تظل صفة الكلام قائمة وغير معطلة لم تنته بنزول الكتب السماوية، فمازال الحق تعالى متكلمًا أبدًا، لا تنفد كلماته جل وعلا.

رابعًا: كذلك تتجسد ضرورة التفسير الصوفي الإشاري في حل كثير من المشكلات التفسيرية المتمثلة في إيهام التناقض بين دلالات الآيات التنزيلية: كدلالة نحو قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّۚ} [آل عمران: ١٦١]، على عصمة الأنبياء، مع دلالة نحو قوله تعالى: {لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: ٢] على ثبوت الذنب، فيأتي صاحب (البحر المديد) بالتأويل الإشاري الذي لا يقدح في العصمة، إذ يقول: "الإشارة: {إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا} بأن كشفنا لك عن أسرار ذاتنا وأنوار صفاتنا وجمال أفعالنا فشاهدتنا بنا: {لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ} أي ليغيبك عن وجودك في شعور محبوبك ويستر عنك حسك ورسمك حتى تصير بنا في كل شيء قديمًا وحديثًا" [أخرجه العجلوني في كشف الخفاء]، فأفاد أن المراد الإشاري لغفران الذنب ستر الوجود الإضافي للمفتوح عليه حيث يغيب عن وجوده استغراقًا في شهود محبوبه.

خامسًا: أن هذا التفسير الفيضي الصوفي الإشاري يجسد إعجاز القرآن الكريم في هدايته للبشر بدلالته على قواعد السلوك للوصول إلى مقام الإحسان الذي عرفه سيد الخلق -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فإنَّه يَراكَ» [رواه مسلم]، فإن دراسة أي تفسير إشاري مثل: "لطائف الإشارات" أو "روح البيان" أو "البحر المديد" دراسة منهجية واعية يمكن بها إرساء قواعد السلوك الصوفي الإحساني الرشيد الذي يرتقي به إلى قمة الربانية ويتسنم ذرى المعرفة والشهود.

سادسًا: إن مصادر التفسير الإشاري تتضمن كنوزًا معرفية هائلة تمثل نتاجًا زاخرًا من العلم اللدني الذي تنهال فيوضاته على قلوب العارفين فتتدفق في جداول التأويل العرفاني الذي يحوي كل عجيب وعجيب، وسل تفسير ابن عجيبة ينبئك من البحر المديد، ولا ينبئك مثل خبير، وإننا بحمد الله تعالى من واقع التعايش العلمي والوجداني مع نتاج التفسير الصوفي الإشاري نستطيع أن نؤكد: أنه لا يتم البناء التفسيري القرآني، إلا بإعمال المنهج الصوفي الإشاري في التفسير، وإحراز نتاج (علم الموهبة) الذي اعتده أساطين علوم القرآن الكريم وتفسيره علمًا أساسيًا ومصدرًا رئيسًا للمفسر ضمن العلوم الخمسة عشر التي يحتاج إليها المفسر، حيث ذكره الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي -رضي الله عنه- وفي ختامها - بالإتقان- قائلًا: "الخامس عشر علم الموهبة: وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم، وإليه الإشارة بحديث: «منْ عَمِلَ بِما عَلِمَ ورَّثَهُ اللهُ عِلْمَ ما لمْ يعلمْ» [الإتقان].

أشهر المصنفات في التفسير الصوفي الإشاري

من بركات حفظ الله تعالى لكتابه أنه حفظ لنا ثروة هائلة من كتب التفسير الإشاري التي تتضمن ذخائر عطاء التنزيل ومعارفه، وتسطع أضواؤها عبر القرون وينهل منه جل أعلام المفسرين بالمأثور وبالرأي المحمود.

وقد تنوعت المصادر التفسيرية عامة إزاء موقفها من التفسير الإشاري، وتفاوت حظها من التعرض له على هذا النحو:

فثمة قسم اقتصر على التفسير الظاهر ولم يتعرض للتفسير الإشاري، كتفسير البسيط للواحدي (٤٦٨هـ) والكشاف للزمخشري (ت٥٣٨هـ)، وليس كذلك تفسير البيضاوي كما ذكر الذهبي.

وقسم غلب عليه التفسير الظاهر ولكنه تعرض بقدر ما للتفسير الإشاري، كما نراه في تفسير الفخر الرازي (ت٦٠٦هـ) والنيسابوري (ت٢٨٧هـ) والقرطبي (ت٦٧١هـ) والألوسي (ت٢٧٠هـ).

وقسم ثالث تضمن التفسير الظاهر والإشاري في توازن وتكامل، كتفسير روح البيان للشيخ إسماعيل حقي (ت١٣٧١هـ) والبحر المديد لابن عجيبة (ت١٢٢١هـ).

 وقسم رابع غلب عليه التفسير الإشاري مع تضمنه لحظ قليل من التفسير الظاهر، كتفسير الإمام سهل بن عبد الله التُّسْتَري (ت٢٧٣هـ)، وتفسير الشيخ ملا علي القاري (ت٤١٠هـ)، وتفسير الإمام القشيري (٤٦٥هـ).

وقسم خامس توفر بعنايته كليًّا للتفسير الإشاري، مثل: حقائق التفسير لأبي عبد الرحمن السلمي (ت٤١٢هـ)، وعرائس البيان في حقائق القرآن لأبي محمد الشيرازي (ت٦٠٦هـ)، وتفسير الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (ت٦٣٨هـ)، الذي اعتده صاحب (التفسير والمفسرون) في عداد التفسير الصوفي النظري والإشاري معًا بزعم قيامه على نظرية (وحدة الوجود)، التي تبرأ منها الشيخ محيي الدين بمعناها المفهوم السائد، وصرح بأن "الرب رب والعبد عبد"، فهو في الحقيقة تفسير إشاري خلا ما دُسَّ عليه كما صرح الإمام الشعراني -رضي الله عنه- [لطائف الإشارات].

نماذج من التفسير الإشاري

نقتبس من رياض التفسير الإشاري بعض النماذج التي تؤكد مصداقية عطاء التفسير الإشاري للتراث التفسيري خاصة ولدائرة المعارف الصوفية عامة؛ فهو من أبرز مصادرها:

النموذج الأول: من تفسير الإمام سهل بن عبد الله التستري (٢٧٣هـ) حيث يقول في تفسير قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهۡدِينِ * وَٱلَّذِي هُوَ يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ * وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ * وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ * وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓـَٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ} [الشعراء: ٧٨-٨٢]  يقول: {ٱلَّذِي خَلَقَنِي} لعبوديته يهديني إلى قربه، {وَٱلَّذِي هُوَ يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ} قال: "يطعمني لذة الإيمان ويسقيني شراب التوكل والكفاية، {وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ}، قال: "يعني إذا تحركت بغيره لعلة عصمني، وإذا ملت إلى شهوة من الدنيا منعها عني! {وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ} قال: الذي يميتني ثم يحيني بالذكر {وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓـَٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ} قال: أخرج كلامه على شروط الأدب بين الخوف والرجاء، ولم يحكم عليه بالمغفرة. [التفسير الكبير]

النموذج الثاني: من تفسير (لطائف الإشارات) للإمام أبي القاسم القشيري، حيث نجده عند تفسير قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} [البقرة: ٢١] يقول في تفسيره: "العبادة: موافقة الأمر، وهي استفراغ الطاقة في مطالبات تحقيق الغيب، وسيدخل فيه التوحيد بالقلب، والتجريد بالسر، والتفريد بالقصد، والخضوع بالنفس، والاستسلام للحكم، ويقال: اعبدوه بالتجرد عن المحظورات، والتجديد في أداء الطاعات ومقابلة الواجبات بالخشوع والاستكانة، والتجافي عن التعريج في منازل الكسل والاستهانة.

قوله: {لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} تقريب الأمر عليهم وتسهيله، ولقد وقفهم بهذه الكلمة، وحقيقة التقوى: التحرز والوفاء بالطاعة عن متولدات العقاب". [التفسير والمفسرون]

النموذج الثالث: من تفسير (أنوار القرآن وأسرار الفرقان) للملأ علي القاري (ت ١٠١٤هـ) رضي الله عنه  إذ يقول في تفسيره عند تفسير قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ} [البقرة: ١٩٧] {وَتَزَوَّدُواْ} أي لمعادكم بالاتقاء عن غير رضا المولى، {فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ} أو المعنى: "تزودوا مما به تتبلغون، ووجوهكم عن السؤال تكفون، وأنفسكم من الظلم والظلمة تمنعون، ولا تقولوا نحن متوكلون وأنتم متآكلون، حيث تحجون وتسألون، بل وحجكم وعمرتكم تبيعون، وقصدكم ومشقتكم تضيعون! قال السلمي: "هذا خطاب للخاص، لأنه لا زاد للعارف سوى معروفه ولا للمحب سوى محبوبه".

وأنشد شعرًا:

إذا نحن أَوْلَجْنا وأنت أمامُنا    كفى لمطايانا بذكرِك زادُنا

{َوٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ} فإن قضية اللب في حكم الحب خشية الرب وتقوى القلب، حثهم أولًا على التقوى ثم أمرهم بأن يكون المقصود بها هو المولى فتتبرؤوا عن كل شيء من السوى. [أنوار القرآن وأسرار الفرقان]

النموذج الرابع: وهو من تفسير (البحر المديد) للإمام أبي العباس أحمد بن محمد بن عَجِيبة الحسني (ت ١٢٢١هـ)، يقول في تفسير قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} [آل عمران: ٢٠٠]  بعد أن أورد التفسير الظاهر: "الإشارة: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} إيمان أهل الخصوص، {ٱصۡبِرُواْ} على حفظ مراسم الشريعة، {صَابِرُواْ} على تحصيل أنوار الطريقة، {وَرَابِطُواْ} قلوبكم على شهود أسرار الحقيقة، أو: اصبروا على أداء العبادة وصابروا على تحقيق العبودية، ورابطوا في تحصيل العبودية -أي الحرية- أو اصبروا على تحقيق مقام الإسلام، وصابروا على دوام الإيمان، ورابطوا على العكوف في مقام الإحسان، أو اصبروا على رفض الحظوظ والشهوات ورابطوا أسراركم على أنوار المشاهدات، {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فلا تشهدوا معه سواه، "لعلكم تفلحون" بتحقيق معرفة الله". [البحر المديد]

وهكذا تسطع هذه النماذج التفسيرية القرآنية الإشارية بأنوار المعرفة الربانية لتكمل -مع التفسير الظاهر- البناء المعرفي لتفسير القرآن الكريم، وصلى الله تعالى على سيدنا محمد النبي الأمي - وعلى آله وصحبه وسلم.

الخلاصة

يعد التفسير الإشاري ضرورة معرفية تثري الدلالة القرآنية، حيث يمثل فيوضات تنكشف لأرباب السلوك، على خلاف تفسير الباطنية الملحِد، الذي ينكر الظواهر، وتبرز أهمية التفسير الإشاري في تحقيق فهم الخواص، وتجديد الخطاب القرآني، وحل المشكلات التفسيرية، وتجسيد الإعجاز في هداية السلوك، ومن أهم المصادر التي اعتنت بهذا النوع من التفسير: البحر المديد لابن عجيبة، وتفسير الإمام أبي القاسم القشيري، وغيرهما.

موضوعات ذات صلة

المحاورة والجدل في القرآن الكريم يعتبران من أهم وسائل تبادل الأفكار وتوضيح الحقائق

التأويل في القرآن الكريم يُعد من المواضيع المهمة التي تبرز في تفسير النصوص، حيث يُستخدم لتوضيح المعاني الباطنة للكلمات والآيات

نزل القرآن الكريم على ثلاثة وعشرين عامًا، بعد أن أثبت الله آياته في اللوح المحفوظ، ثم أنزله جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا في ليلة القدر

موضوعات مختارة