Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الهجرة وثورة يونيو

الكاتب

هيئة التحرير

الهجرة وثورة يونيو

إن المتأمل في الظروف التي سبقت الهجرة النبوية المشرف، في الفترة المكية، وما كان من أحداث بعدها، سيدرك ببصيرته، ورجاحة عقله، وعمق تفكيره، أن الهجرة النبوية وثورة ٣٠ يونيو في مصر تشتركان في عدة دروس مهمة، منها أن إرادة الشعوب هي أساس التغيير الحقيقي، والقيادة الحكيمة تلعب دورًا كبيرًا في نجاح التحولات التاريخية، وأن كلا الحدثين يعبران عن رفض الظلم والاستبداد، وبداية مرحلة جديدة من البناء والإصلاح.

الهجرة النبوية المشرفة وثورة يونيو وأوجه الوفاق والاتفاق

وبين الهجرة النبوية وثورة ٣٠ يونيو تشابهات عميقة، ودروس مشتركة عن إرادة الشعوب، وأهمية القيادة الحكيمة، وضرورة التحرك في الوقت المناسب لصنع التغيير الذي يحمي الوطن من الفكر التكفيري الدخيل المتطرف، الذي لا يتفق مع هويتنا الإسلامية، ولا الفكرية في مصر الأزهر، التي أسست تأسيسا عقائديا وفكريا وعلميا على المنهج الوسطي الذي هو روح الإسلام، والسمة الكبرى لهذه الأمة، والذي أرساه الصحابة رضوان الله عليهم منذ تشرفت بهم أرض الكنانة، قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا} [البقرة: ١٤٣].

التشابه في السياق والظروف

عاشت الدعوة الإسلامية في مكة ثلاث عشرة سنة تحت وطأة الحصار والاضطهاد والقمع بكل صوره، حتى اضطر المسلمون إلى الانتقال إلى وطن جديد يسمح لهم بممارسة عقيدتهم بحرية، وهكذا كانت الهجرة النبوية استجابة لحاجة واقعية وضرورة شرعية.

وبالمثل، قد عاش الشعب المصري بعد عام ٢٠١٢م  تحت وطأة حكم جماعة حاولت اختطاف الدولة، ترفع شعار الإسلام ظاهرا، غير أنها أسست على تغليب الولاء الحزبي على المصلحة الوطنية باطنا، فيظهرون خلاف ما يعتقدون ويبطنون، ومارسوا الإقصاء لمخالفهم، والعبث بالمؤسسات، مما جعل ملايين المصريين يستشعرون الخطر الداهم على الوطن وهويته.

وفي كلا الحدثين، لم يكن الانتقال من وضع إلى آخر  أمرا ترفا، بل كان ضرورة  فرضتها الظروف والواقع؛ إذ لا يمكن للأمة أن تسكت على ظلم يُهدد كيانها، أو يحرف مسارها، أو يبدل هويتها.

القيادة الواعية الحكيمة والقرار الحاسم

في الهجرة، ظهرت عبقرية النبي  صلى الله عليه وسلم بكونه قائدًا فذًا حكيمًا، أحسن اختيار التوقيت المناسب، ووضع خطة محكمة، بتحمّل الأخطار، والسرية التامة، فلم تكن الهجرة صدفة، أو حدثا عبثيا، بل كانت تخطيطا دقيقا، يعلّمنا به صلى الله عليه وسلم أن النجاح لا يأتي بالتمني، وإنما بالوعي والإعداد والتخطيط، والقيادة الحكيمة.

وهنا نجد هذا التشابه العميق بين الهجرة، وبين ثورة ٣٠ يونيو، فقد كان للمؤسسة العسكرية المصرية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح السيسي – آنذاك –  دور كبير في تحقيق  إرادة الشعب إلى واقع، بعد أن خرجت ملايين الجماهير تطالب بتصحيح المسار.

وقد اتسم القرار بالشجاعة والحكمة، مراعاة لمصلحة الوطن، واحترامًا لإرادة الشعب، وهكذا، في كلا الحدثين، كانت القيادة الواعية الحكيمة هي الركن الأساسي في إنجاح التحوّل التاريخي، من واقع مأزوم بالاستبداد، وتغيير الهوية، والإقصاء، إلى أفق جديد أساسه حب الوطن والولاء له، والحفاظ على الهوية المصرية الأصيلة.

الشعب هو صانع التغيير

في الهجرة، لم يكن النبي ﷺ وحده هو من تحرك، بل هاجر الصحابة معه، وضحّوا بأموالهم، وديارهم، من أجل نصرة الدين، وبناء وطن على أسس الحرية، والحفاظ على الهوية، وقد تحقق لهم  ذلك حينما أظهر الأنصار في المدينة أروع  صور الإيمان والإيثار، ولاءً لله ورسوله، وحبًا لإخوانهم، ولبناء وطن يشمل الجميع تحت قيادة النبي ﷺ الحكيمة الراشدة.

وهذا أيضا ما نراه في ثورة  ٣٠ يونيو، فلم يكن الجيش وحده من صنع التغيير، بل كانت إرادة الشعب  الذي خرج بالملايين في ميادين مصر  وربوعها، رافضًا للاستبداد، ليعلن هذا الشعب العظيم أنه لا يُقاد قسرا، وأنه لا يرضى بالتهميش، أو الإقصاء، ولا يكون خاضعا لجماعة ولاؤها لنفسها فقط، جماعة تستهين بكل القيم، وأولها الوطن الذي وصفوه بأنه حفنة من تراب لا قيمة له، وهذا وصف لا يليق بمصر المكرمة عند الله عز وجل.

إن الهجرة المشرفة، وثورة ٣٠ يونيو، تؤكدان أن الشعوب الحرة لا تصمت على الظلم، وأن التغيير الحقيقي يبدأ من إرادة جماعية تتحرك بوعي وشجاعة وحكمة، لتحقيق مصالح الوطن الشرعية والسياسية، بما يضمن لهم ولأوطانهم العزة والكرامة.

تأسيس الوطن وبنائه

بعد الهجرة المباركة، لم يتوقف النبي ﷺ عند تحقيقه الخلاص من الظلم فقط، بل بدأ  في بناء المجتمع الجديد على أسس الحرية، والمساواة، والأخوة، فأسّس المسجد، وآخى بين المهاجرين والأنصار، ووضع وثيقة المدينة دستورا لتنظيم العلاقات بين طوائف المجتمع المختلفة، ليحيا الجميع في ظل وطن واحد قوي متماسك. فالهجرة لم تكن نهاية المعاناة فحسب، بل بداية مرحلة جديدة من الأمل والعمل والقيام بالمسؤولية التي ترعى مصالح الشعوب والأوطان.

وبعد ثورة ٣٠ يونيو، تجد عمق التشابه بين  الهجرة، وبين  ثورة ٣٠ يونيو، حيث بدأت مصر مرحلة جديدة من الإصلاح السياسي، والاقتصادي، والمؤسسي، وتمثل ذلك بوضع دستور جديد، وبناء مؤسسات قوية، وتحديث البنية التحتية، ومحاربة الإرهاب، والسعي نحو التنمية المستدامة.

وهكذا لم تكن الثورة مجرد رفض لحكم بعينه، بل هي بداية مشروع وطني كبير لبناء دولة عصرية قوية.

الحفاظ على الهوية والدولة

 إن الهجرة النبوية كانت حفاظًا على عقيدة الأمة وبقائها، ونشرا للدعوة الإسلامية. وكذلك ثورة ٣٠ يونيو، كانت في الحقيقة معركة على الحفاظ على هوية مصر الوسطية، وحضارتها العريقة، وأزهرها الخالد.

وكانت ثورة ٣٠ يونيو أيضا معركة للحفاظ على مصر ومكانتها الحضارية، ورفضًا لمحاولات جرّها إلى مشاريع سياسية لا تمثل إرادة الشعب. بل تمثل مصلحة الجماعة فقط.

وفي الحدثين، نجد أن الشعوب حين تتحرك بوعي، فإنها تصنع تاريخًا وحضارة، وتحمي وجودها وقيمها من الضياع، فالهجرة، وثورة ٣٠ يونيو كلاهما: "بداية لا نهاية"، بداية للبناء، والخروج  من الفوضى إلى النظام، وميلاد جديد للأمة.

نسأل الله أن يحفظ مصر، وقائدها، وشعبها، وجيوشها، وشرطتها، وأزهرها، ومؤسساتها، أن يجعلها أمنا أمانا، إلى يوم الدين.

الخلاصة

ذكرى الهجرة النبوية الشريفة، تتجدد في كل عام لتجدد في قلوبنا الأمل، ونتذكر بها كيف تحولت أحوال الأمة من حال الألم إلى الأمل، ومن الاستضعاف إلى التمكين، ومن التفرّق إلى الوحدة، ومن الاضطهاد إلى إقامة الدولة.

وفي العصر الحديث، تتكرر ذكرى غالية شهدتها مصر في الثلاثين من يونيو عام ٢٠١٣م هي ثورة شعبية عظيمة، خرج فيها ملايين المصريين ليقولوا: "لا لحكم استبدادي حاول أن يُغيّب هوية الأمة ويختطف الدولة"، لتخرج هي أيضا بنا من الألم إلى الأمل.

موضوعات ذات صلة

تبقى الهجرة النبوية حدثًا عظيمًا في تاريخ الإسلام.

لقد شهدت مصر قبل ٣٠ يونيو أزمة فكريّة وأمنيّة حادة بسبب صعود الجماعات المتطرفة.

المتأمل في صفحات السيرة النبوية يدرك بلا عناء أنها كانت مليئة بالألم والتضحية والعزيمة.

الوطن هو الحاضنة التي تنمو فيها الشعوب، وتترعرع فيها القيم، ويكتسب فيها الإنسان هويته

تمثل الاتفاقية انتصاراً للحكمة والدبلوماسية المصرية التي حوّلت مسار الصراع من الدمار إلى البناء