Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

صحيفة المدينة

الكاتب

أ.د/ أحمد شلبي

صحيفة المدينة

عند هجرة الرسول ﷺ إلى المدينة، كان يأمل في استمالة اليهود لدينه أو على الأقل مسالمتهم، بينما كانوا يُضمرون له العداوة رغم إظهارهم للمسالمة، وأظهر بعضهم الإسلام نفاقًا، وخالطوا المسلمين خداعًا، ولتنظيم العلاقات بين سكان المدينة كتب النبي ﷺ الصحيفة، لتكون دستورًا يضمن التعايش السلمي بين المسلمين واليهود وغيرهم، ويكفل الحرية الدينية للجميع، ويوجب التعاون في الدفاع عن المدينة، ويجعل النبي ﷺ المرجع الأعلى للفصل في الخلافات، لكن اليهود لم يكونوا مخلصين لما جاء في الصحيفة، وقبلوها مؤقتًا حتى يدبروا أمرهم.

أمل الرسول ﷺ في استمالة اليهود للإسلام

كان الرسول ﷺ يأمل حين هجرته إلى المدنية أن يستميل أهلها من اليهود إلى دينه؛ لأنهم أهل كتاب قد بشر بنبوته، وهم إن لم يستجيبوا لدينه ويدخلوا فيه فلا أقل من أن يسالموه، ولا يكونوا مثل كفار مكة الذين اعترضوا دعوته، وحالوا دون نشرها بين الناس.

موقف اليهود من الرسول ﷺ ودعوته

وكان اليهود من جهتهم يطمعون في أن يستطيعوا بحيلهم ومكرهم من استمالة الرسول ﷺ إليهم، واحتواء دينه في دينهم، فأظهروا له المسالمة في أوائل هجرته، وهم يضمرون في أنفسهم له ولدينه العداوة والبغضاء، فلبسوا للمسلمين ثياب النفاق وخالطوهم، وتبسطوا معهم، وأبدوا لهم أنهم قد قاربوا من دينهم، ورضوا عن شعائره بينهم [سيرة النبي العربي - محمد التاجي، ١/ ٣٨٢ - ٣٨٣].

وأعلن الكثير منهم الإسلام نفاقًا، ودخلوا المسجد وأدوا الشعائر مع المسلمين، وهم يظنون أنهم يخادعون الله ورسوله وهو خادعهم.

محاولة التعايش السلمي في المدينة

ونتج عن هذه المعايشة السلمية - التي كانت بين المسلمين واليهود والطوائف المشركة الأخرى التي كانت في المدينة غير المسلمين واليهود - أن قام رسول الله ﷺ بكتابة صحفية تكون بمثابة دستور بين هذه الطوائف يحكمها ويحفظ حق كل طائفة منها في أداء شعائرها بحرية تامة، على أن تؤدى كل طائفة واجبات التعايش السلمي مع جيرانه في البلد الواحد، فلا تساعد الأعداء عليها ولا تحالفهم ولا تجيرهم.

كتابة صحيفة المدينة (الدستور المدني الأول)

واعترفت هذه الصحيفة بأن المدينة المنورة قد أصبحت دولة لها كيانها وقوانينها، وأن النبي ﷺ رئيس تلك الدولة وهو يجمع في يديه السلطتين الروحية والسياسية.

وقد أورد ابن هشام نصوص هذه الصحيفة، فعدد أسماء القبائل التي التزمت بها، ومنه نقتبس بعض السطور:

بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد النبي ﷺ بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف (وعدد الرسول ﷺ قبائل المؤمنين على هذا النمط، ثم قال: وإنه لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ظلم أو أثم، وإن أيديهم عليه جميعًا، ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة [سيرة ابن هشام، ١٠٦/٢].

ثم اتجهت الصحيفة للحديث عن اليهود فقالت: وإن اليهود يتفقون ما داموا محاربين، وإن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، وإن ليهود بنى النجار مثل ما ليهود بنى عوف (وعد على هذا النمط قبائل اليهود).

ثم استمرت الصحيفة تقول: وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله ﷺ وإن البر دون الإثم، وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا يحول هذ الكتاب دون ظالم وآثم، وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله ﷺ [سيرة ابن هشام، ١٠٨/٢].

بنود الصحيفة الأساسية

وخلاصة هذه الصحيفة تتمثل في البنود التالية:

١ - أن للجماعة شخصية دينية وسياسية، ومن حقها أن تعاقب المفسد وتؤمن المطيع.

٢ - أن الحرية الدينية مكفولة للجميع.

٣ - على سكان المدينة من مسلمين وغير مسلمين أن يتعاونوا ماديًا وأدبيًا وعسكريًا، وعليهم أن يردوا متساندين أي اعتداء قد يوجه لمدينتهم.

 ٤ - الرسول ﷺ هو الرئيس الأعلى لسكان المدينة، وتعرض عليه القضايا الكبرى وحالات الخلاف بين الأفراد ليفصل فيها.

وعلى الرغم من موقف المسلمين السمح كان اليهود غير مخلصين لما جاء في هذه الصحيفة، ويبدو أنهم قبلوها مؤقتًا حتى يدبرون أمرهم كما هو معروف من دراسة مواقفهم من المسلمين بعد ذلك. [موسوعة التاريخ الإسلامي، دكتور احمد شلبي، ١ / ٢٨٦].

الخلاصة

عند هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، سعى للتعايش السلمي مع اليهود أو حتى استمالتهم للإسلام، رغم إضمارهم العداوة وإظهار بعضهم النفاق. لتنظيم العلاقات، وضع النبي صلى الله عليه وسلم صحيفة المدينة، وهي أول دستور مدني، كفلت الحرية الدينية، وألزمت الجميع بالتعاون في الدفاع عن المدينة، وجعلت النبي صلى الله عليه وسلم المرجع الأعلى، لكن اليهود لم يلتزموا بها، وقبلوها مؤقتًا لمآربهم.

موضوعات ذات صلة

 كانت نقطة انطلاق لـتجربة اجتماعية فريدة في التعايش السلميّ.

الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة ليست مجرد حدث انتقال جغرافي أو هروب من الاضطهاد، بل كانت بداية مرحلة جديدة من العلاقات الإنسانية والاجتماعية.

وثيقة المدينة كانت حجر الأساس في بناء تجربة التعايش السلمي في المدينة المنورة بعد الهجرة النبوية.

موضوعات مختارة