سبق ميلادَ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- زمانٌ كانت الأرض فيه غارقة في الفساد والضياع، حتى بلغ بغض الله عزوجل لمن فيها أقصى مداه، حتى قلَّ الخير في الدنيا ولم يبق منه إلا آثارٌ نادرةٌ، عبارة عن أفراد هنا وهناك.
فتعالوا بنا نعود بالزمان إلى ما قبل ميلاد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم، ونتجاوز حدود المكان لنجول في كل أرجاء الأرض، من مشارقها إلى مغاربها، لنعرف أحوال الشعوب، ونتذكر طغيان الملوك، وننظر كيف انحدرت أخلاق الأمم وطبائعهم، ونقف على حال "الحضارات" التي راحت تسير في ظلمات الانحطاط.
فلقد وصل العالم الي مرحلة خطيرة من الانحطاط لم يكن للبشرية أمل في النجاة منها إلا بقيام الساعة، إلا أن رحمة الله عزوجل سبقت غضبه، فأذن بميلاد النبي الأكرم -صلى الله عليه وآله وسلم- ليسبق قيام الساعة، ليكون الرحمة للمؤمنين والحجة على الكافرين.
فميلاد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وقيام الساعة قريبان جدًا، كأن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- والساعة خرجا معًا، فعن بريدة -رضي الله عنه؛ قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ جَمِيعًا، إِنْ كَادَتْ لَتَسْبِقُنِي» [رواه أحمد].
والسبب الأول لهذا القرب هو الجاهلية الأولى؛ حيث تسلط الشيطان على البشرية قبل بعثته، فأسقط كرامتها وأسجدها لغير الخالق، وفرض عليها دين المادية الخالية من نقاء الفطرة، وزيَّن لهم كل قبيح وجرم، فأصبحت حياتهم جحيمًا بلا رحمة أو تسامح، تحكمها المصلحة الضيقة، ويتضح ذلك جليًا في انحطاط الأمم قبل الإسلام.
ويصف حالهم قول الشاعر [نهج البردة الشريفة، أحمد شوقي]:
سَرَت بَشائِرُ باِلهادي وَمَولِدِهِ ****في الشَرقِ وَالغَربِ مَسرى النورِ في الظُلَمِ
أَتَيــــــتَ وَالناسُ فَوضى لا تَمُرُّ بِهِم **** إِلّا عَلى صَنَمٍ قَد هامَ في صَنَمِ
وَالأَرضُ مَملوءَةٌ جَورًا مُسَخَّرَةٌ **** لِكُلِّ طاغِيَةٍ في الخَلقِ مُحتَكِمِ
مُسَيطِرُ الفُرسِ يَبغي في رَعِيَّتِهِ **** وَقَيصَرُ الرومِ مِن كِبرٍ أَصَمُّ عَم
يُعَذِّبانِ عِبادَ اللَهِ في شُبَهٍ **** وَيَذبَحانِ كَما ضَحَّيتَ بِالغَنَمِ
وَالخَلقُ يَفتِكُ أَقواهُم بِأَضعَفِهِم **** كَاللَيثِ بِالبَهمِ أَو كَالحوتِ بِالبَلَم