Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

حاجة البشرية إلى ميلاد خير البرية صلى الله عليه وآله وسلم

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

حاجة البشرية إلى ميلاد خير البرية صلى الله عليه وآله وسلم

في زمان الجاهلية الأولى؛ حيث تسلط الشيطان على البشرية، فأسقط كرامتها وأسجدها لغير الخالق، وفرض عليها دين المادية الخالية من نقاء الفطرة، وزيَّن لهم كل قبيح وجرم، فأصبحت حياتهم جحيمًا بلا رحمة أو تسامح، فلما سادت الوثنية في الجزيرة العربية، وتدهورت الأخلاق في الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية، جاء ميلاد النبي -صلى الله عليه وسلم- رحمةً من الله لإنقاذ البشرية من هذا الانحطاط، وإخراجها من الظلمات إلى النور، وفي ذكرى ميلاده يتجدد احتياج العالم إلى تعاليمه الراقية.

الحالة العامة للعالم قبل ميلاده صلى الله عليه وآله وسلم

سبق ميلادَ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- زمانٌ كانت الأرض فيه غارقة في الفساد والضياع، حتى بلغ بغض الله عزوجل لمن فيها أقصى مداه، حتى قلَّ الخير في الدنيا ولم يبق منه إلا آثارٌ نادرةٌ، عبارة عن أفراد هنا وهناك.

فتعالوا بنا نعود بالزمان إلى ما قبل ميلاد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم، ونتجاوز حدود المكان لنجول في كل أرجاء الأرض، من مشارقها إلى مغاربها، لنعرف أحوال الشعوب، ونتذكر طغيان الملوك، وننظر كيف انحدرت أخلاق الأمم وطبائعهم، ونقف على حال "الحضارات" التي راحت تسير في ظلمات الانحطاط.

فلقد وصل العالم الي مرحلة خطيرة من الانحطاط لم يكن للبشرية أمل في النجاة منها إلا بقيام الساعة، إلا أن رحمة الله عزوجل سبقت غضبه، فأذن بميلاد النبي الأكرم -صلى الله عليه وآله وسلم- ليسبق قيام الساعة، ليكون الرحمة للمؤمنين والحجة على الكافرين.

فميلاد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وقيام الساعة قريبان جدًا، كأن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- والساعة خرجا معًا، فعن بريدة -رضي الله عنه؛ قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ جَمِيعًا، إِنْ كَادَتْ لَتَسْبِقُنِي» [رواه أحمد].

والسبب الأول لهذا القرب هو الجاهلية الأولى؛ حيث تسلط الشيطان على البشرية قبل بعثته، فأسقط كرامتها وأسجدها لغير الخالق، وفرض عليها دين المادية الخالية من نقاء الفطرة، وزيَّن لهم كل قبيح وجرم، فأصبحت حياتهم جحيمًا بلا رحمة أو تسامح، تحكمها المصلحة الضيقة، ويتضح ذلك جليًا في انحطاط الأمم قبل الإسلام.

ويصف حالهم قول الشاعر [نهج البردة الشريفة، أحمد شوقي]:

سَرَت بَشائِرُ باِلهادي وَمَولِدِهِ ****في الشَرقِ وَالغَربِ مَسرى النورِ في الظُلَمِ

 أَتَيــــــتَ وَالناسُ فَوضى لا تَمُرُّ بِهِم **** إِلّا عَلى صَنَمٍ قَد هامَ في صَنَمِ

وَالأَرضُ مَملوءَةٌ جَورًا مُسَخَّرَةٌ **** لِكُلِّ طاغِيَةٍ في الخَلقِ مُحتَكِمِ

مُسَيطِرُ الفُرسِ يَبغي في رَعِيَّتِهِ **** وَقَيصَرُ الرومِ مِن كِبرٍ أَصَمُّ عَم

يُعَذِّبانِ عِبادَ اللَهِ في شُبَهٍ **** وَيَذبَحانِ كَما ضَحَّيتَ بِالغَنَمِ

وَالخَلقُ يَفتِكُ أَقواهُم بِأَضعَفِهِم **** كَاللَيثِ بِالبَهمِ أَو كَالحوتِ بِالبَلَم

الإمبراطورية الرومانية وسقوط الأخلاق في قاع الانحدار

وقد كانت الإمبراطورية الرومانية دولة كبيرة ضخمة تمتد على ثلاثة أرباع أوروبا، وكثرت فيها الخلافات العقائدية بين طوائف النصارى؛ فالشرقية أرثوذكسية والغربية كاثوليكية، وكان بينهما حروب طاحنة استمرت لقرون، وما زالت الخلافات قائمة حتى اليوم.

أما عن الأخلاق في الدولة الرومانية فحدث ولا حرج؛ فاختفى الزواج بسبب تكاليفه الباهظة، وانتشر الزنا واختلطت الأنساب بسبب شدة فقر الناس، وأصبحت الرشوة قاعدة ثابتة في التعامل مع موظفي الدولة، وأثقلت الضرائب كاهل الفقراء أكثر من الأغنياء [انظر: سقوط دولة روما وانحطاطها لإدوارد جيبون، ص ٣- ٥].

وكانت الحروب همجية، أشهرها حصار الرومان لأورشليم سنة ٧٠م، حيث أجبروا اليهود على قتل عائلاتهم بأنفسهم لتفادي الموت على يد الرومان، ثم استعملت القرعة لقتل الإخوة، ولم ينجُ سوى القليل.

كان العبيد يشكلون ثلاثة أضعاف الأحرار، وكانوا يعاملونهم معاملة قاسية، حتى إن أفلاطون نفسه في "المدينة الفاضلة" منع مَنْحُهم حقوق المواطنة رغم أنهم من أهل البلاد، وهكذا كان حال الدولة الرومانية في عهد ما قبل ميلاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عبارة عن صورة لمجتمع يسوده الانحطاط والتفرقة والانقسام.

الدولة الفارسية مأساة حضارية وانهيار أخلاقي

كانت الدولة الفارسية قبل ميلاد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قوة ضخمة تمتد على نصف العالم المعروف، لكنها عانت مأساة حضارية وأخلاقية كبيرة، وصلت فيها الانحرافات ذروتها، حتى انتشر ما يسمى بزواج المحارم، فالرجال يتزوجون بناتهم أو أخواتهم أو أمهاتهم، من كبار القوم وصغارهم، فعلى الرغم من أن هذا الأمر ترفضه الطبيعة الإنسانية، إلا أنه كان واقعًا في بلاد فارس.

والسبب في هذا الانحراف تأثير رجل اسمه مزدك في عهد كسرى، دعا لمساواة الناس في كل شيء، بما في ذلك المال والنساء، فانتشرت الفوضى والسرقات، وأصبح الأقوياء يستغلون الضعفاء بلا حق، وأقرَّ كسرى هذا الاستغلال لسداد جزء من الدين حسب قانون مزدك، مما أغرق البلاد في فساد عميق.

وكان التقديس المطلق للأكاسرة منتشرًا في فارس، حيث كان يُعتقد أن دم كسرى دم إلهي، حيث يعتبر من نسل الآلهة، وتسجد الناس له دون أن يحق لهم الاقتراب إلا بإذنه ووفق أدوار محددة. [إيران في عهد الساسانيين: ص ٣٣٩]

وكانت الطبقات الاجتماعية قاسية للغاية، من الأكاسرة إلى طبقات الشعب التي لا تملك أي حقوق، لدرجة أنه يتمَّ ربط آلاف الجنود بالسلاسل في المعارك، كما في موقعة ذات السلاسل التي قادها خالد بن الوليد -رضي الله عنه، كما كانت عبادة النار شائعة في فارس، على يد زرادشت الذي دعا لتقديس النار وفرض قيود على الأعمال، مما ترك الناس في حالة من الفوضى وانعدام وجود أي سلام أو أمان. [إيران في عهد الساسانيين ص ٢٦٩- ٣٣٣].

تلك هي الصورة الحقيقية للدولة الفارسية في زمن ما قبل البعثة، دولة عظيمة في المساحة لكنها منهارة في الروح والقيم.

الجزيرة العربية بين ظلمات الوثنية والمساوئ الأخلاقية

كانت الجزيرة العربية قبل ميلاد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- تعيش حالة وثنية مفرطة رغم إيمان الناس بالله، لكنهم اتخذوا من الأصنام شركاء لله تعالى في العبادة، حتى صار لكل قبيلة وبيت صنمًا يُعبد من دون الله، مثل هُبًل في مكة واللَّات في الطائف، ووضعوا في جوف الكعبة ٣٦٠ صنمًا، حتى عبد الرجل صنمًا من صنع يده.

وتدهورت الأخلاق بصورة بشعة، فانتشر الخمر والميسر، وتبعهما انتشار العداوة بين أفراد المجتمع، وأصبح الربا قاعدة في المعاملات، وظهر الزنا بصورة مقننة، وشاعت عادة وأد البنات خوفًا من الفقر أو العار أو لعيوب خلقية، وقد أورد القرآن تحذيرًا من هذه الجريمة: {وَإِذَا ٱلۡمَوۡءُۥدَةُ سُئِلَتۡ * بِأَيِّ ذَنۢبٖ قُتِلَتۡ} [التكوير:٨-٩]، وكانت القبائل تعيش في صراعات وحروب مستمرة، حيث كانت العصبية القبلية والتقلبات أمرًا طبيعيًا ينذر بالفوضى.

وكم وأدوا البنات وهم قساةٌ **** فما رحموا البناتِ ولا البنينَ

قد اتخذوا من الأحجار ربًا **** فصاروا كالحجارة خامدينَ

أيأتي منقذ من أرض روما **** أينقذهم رسول من أثينا

سطوع الأنوار النبوية بالسلام والنجاة للبشرية

بعد هذه الصورة المؤلمة لأحوال العالم والأمم قبل ميلاد الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم، نظر الله بعين المقت إلى العرب والعجم، ولم يبقَ إلا قلة صغيرة من أهل التوحيد على الفطرة، وكادت هذه اللحظة تعصف بالعالم كله، فكانت الأرض تغرق في ظلمات بعضها فوق بعض من الانحراف الأخلاقي، وتدهور القيم، والفساد في العادات والعلاقات، وحتى في العقيدة، حتى قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم: «بُعِثْتُ أنا وَالسَّاعَةُ، إِنْ كَادَتْ تَسْبِقُنِي» [رواه أحمد].

فكان من الواضح أن الأرض تحتاج في هذا التوقيت إلى الإسلام، إلى وحي السماء، إلى الهداية إلى الطريق المستقيم، في زمان تشعبت فيه طرق الضلال حتى استحال حصرها، ومن هنا ندرك حقًا قيمة النور الذي أنزله الله عز وجل على الأرض ببعثة الرسول الحبيب سيدنا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-: {قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ * يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ } [المائدة: ١٥-١٦].

إلاه الكون قد أهديت نورًا *** حكا أنوراه للناظرين

وأهدى من ضياء الشمس حسنًا *** ضياءُ محمدٍ للحائرين

نبي الله أشرق في قريش*** وكانوا بالظلام مُوَسَّدينا

قيمة ذكرى المولد الروحية ودورها في الهداية العالمية

ذكرى ميلاد الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- تذكرنا بما كان عليه البشرية قبل ميلاده الشريف، وأنه جاء بهداية سماوية وشريعة إسلامية، لتخرج الناس من ظلمات الجهل إلى نور الهداية والعدل، كما قال الصحابي ربعي بن عامر رضي الله عنه: "إن الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام" [تاريخ الطبري].

فبميلاده -صلى الله عليه وسلم- بدأ ظهور البركة المحمدية ليعم السلام والمحبة البشرية، وليُؤسس مجتمعًا حيًّا ينعم بالأمن والأمان، ويسوده الحب والصفاء، كما قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» [رواه مسلم].

فبميلاده بدأت دعوة الإسلام لتحفظ الناس من مكائد الشيطان التي تزرع الفُرقة والخصام، فقد جعل المولى عزوجل العداوة والبغضاء من صفات الشيطان قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ} [المائدة: ٩١]، وكشفت رسالته -صلى الله عليه وآله وسلم- السموم الاجتماعية مثل النميمة، والإشاعات، والكذب، محذرًا من أثرها المدمر على أمن المجتمعات، كما شرّع الإسلام أطرًا للمعاهدات والتحالفات والمواثيق، ليحفظ الأخوة الإنسانية ويؤسس لعالم يسوده السلام.

لذلك فإننا نحي ذكرى مولد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لنلتمس ميلادًا جديدًا للبشرية.

الخلاصة

كان العالم قبل ميلاد النبي الأكرم -صلى الله عليه وآله وسلم- يعيش في حالة من الفساد والضياع، حيث انهارت الأخلاق والقيم في الإمبراطوريات العظمى كروما وفارس، وعمّت الوثنية والجهل في الجزيرة العربية، فجاء مولده الشريف رحمة من الله للبشرية، ليخرجها من ظلمات الانحطاط إلى نور الهداية، ويؤسس مجتمعًا قائمًا على الحق والسلام.

واليوم، ومع انتشار الفساد الأخلاقي مجددًا، نؤكد أن العالم بحاجة ماسة لإعادة إحياء تعاليم الحبيب المصطفى فينا وكذا قيمه النبيلة صلوات ربي وسلامه عليه.

موضوعات ذات صلة

التوسل والاستغاثة برسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لقضاء الحوائج من المسائل التي تناولها العلماء والفقهاء بالتحقيق والتأصيل.

تزكية النفس هي أساس رسالة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم، وهي الطريق إلى الفلاح في الدنيا والآخرة.

لسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم – في التعلُّق به ومحبّته والشوق إليه مقامات روحية.

موضوعات مختارة