هذه الليلة المباركة التي منَّ الله تعالى فيها على البشرية بمولده صلى الله عليه وسلم من أفضل الليالي على الإطلاق.
وقد بين ذلك كوكبة من العلماء:
ففي المواهب اللدنية: "فإن قلت: إذا قلنا بأنه عليه الصلاة والسلام وُلد ليلًا، فأيهما أفضل: ليلة القدر أو ليلة مولده -صلى الله عليه وسلم؟
أجيب: بأن ليلة مولده أفضل من ليلة القدر من وجوه ثلاثة:
أحدها: أن ليلة المولد ليلة ظهوره -صلى الله عليه وسلم، وليلة القدر مُعطاة له، وما شَرُف بظهور ذات المشرَّف من أجله أشرف مما شرُف بسبب ما أُعطيه، ولا نزاع في ذلك، فكانت ليلة المولد- بهذا الاعتبار- أفضل.
الثاني: أن ليلة القدر شرفت بنزول الملائكة فيها، وليلة المولد شرفت بظهوره -صلى الله عليه وسلم- فيها، ومن شرُفت به ليلة المولد أفضل ممن شرفت بهم ليلة القدر، على الأصح المرتضى، فتكون ليلة المولد أفضل.
الثالث: أن ليلة القدر وقع التفضل فيها على أمة سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وليلة المولد الشريف وقع التفضل فيها على سائر الموجودات، فهو الذي بعثه الله عز وجل رحمة للعالمين، فعمّت به النعمة على جميع الخلائق، فكانت ليلة المولد أعم نفعا، فكانت أفضل.
فيا شهرًا ما أشرفه وأوفر حرمة لياليه، كأنها لآلىء في العقود ويا وجهًا ما أشرفه من مولود، فسبحانَ من جعل مولده للقلوب ربيعًا وحسنه بديعًا.
يقول لنا لسان الحال منه … وقول الحق يعذب للسميع
فوجهي والزمان وشهر وضعي … ربيع في ربيع في ربيع
[المواهب اللدنية بالمنح المحمدية: ١/ ٨٨].
وكان -صلى الله عليه وسلم- يحتفي بيوم مولده على الدوام، يظهر ذلك من خلال صيامه ليوم الاثنين، فإنه لما سُئل صلى الله عليه وسلم عن صيامه لهذا اليوم قال: «ذاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ» [رواه مسلم].
ومن مظاهر الاحتفاء والاحتفال بهذه الليلة الشريفة المباركة:
كثرة الذكر والدعاء، والقيام بين يدي الله شكرًا على هذه النعمة الكبرى، وكذا قراءة مؤلَّف من التآليف التي كتبت في مولد خير البرية -صلوات الله وسلامه عليه-، تعظيمًا وتشريفًا للنبي صلى الله عليه وسلم، واحتفاءً وفرحًا وسرورًا بمولد الهادي البشير -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنها ليلة النور للدنيا كلها.
وقد رأت الدنيا ومن فيها هذا النور الذي ولد به -صلى الله عليه وسلم-، ورأت عجائب لم تحدث إلا في هذه الليلة المباركة.
أخرج الطبراني في المعجم الكبير، قول العباس بن عبد المطلب عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم:
وأنتَ لَمّا وُلِدتَ أشرقتِ ال ... أرضُ وَضَاءَت بِنُورِكَ ٱلْأُفُقُ
فَنَحْنُ فِي ذَلِكَ ٱلضِّياءِ وَفِي ٱل ... نُّورِ وَسُبُلِ ٱلرِّشَادِ نَخْتَرِقُ
وقال ابن حجر الهيتمي: "وعن عائشة رضي الله عنها وعَنْ أَبيها أنها قالَتْ: كُنتُ أَخِيطُ في السَّحَرِ ثوبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فَانْطَفَأَ الْمِصْبَاحُ وَسَقَطَتِ الْإِبْرَةُ مِنْ يَدِي فَدَخَلَ عَلَيَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَأَضَاءَ الْبَيْتُ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ فَوَجَدتُ الإبرة فَقُلْتُ لَهُ مَا أَشَدَّ ضِيَاءَ وَجْهِكَ يا رسول الله! فقال صلى الله عليه وسلم " الْوَيْلُ ثُمَّ الْوَيْلُ لمن لم يرنى يومَ القِيَامَةِ؛ فَقُلْتُ: حَبيبِي وَمَن الَّذى لَمْ يرك؟ قال: الْبَخِيلُ، فَقُلْتُ: حَبِيبي، وَمَنِ الْبَخَيلُ؟ قَالَ الَّذِي ذُكَرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيّ" [النعمة الكبرى على العالم في مولد سيد ولد آدم لابن حجر الهيتمي: ٤٢].
وقال الإمام البوصيري في بردته عن ليلة المولد الشريف وما فيها من عجائب وأحداث:
أبانَ مولدُهُ عن طيبِ عُنصرِه ..... يا طيبُ مبتدأٌ منه ومُختتمُ
يومَ تفرَّسَ فيهِ الفُرسُ أنّهمُ .... قد أنذروا بحلولِ البؤسِ والنقمِ
وباتَ إيوانُ كسرى وهوَ مِنصدعٌ ... كشملِ أصحابِ كسرى غيرُ ملتئم
والنارُ خامدةُ الأنفاسِ من أسفٍ ... عليهِ والنهرُ ساهي العينِ من سَدَمِ
وساءَ سَاوة أنْ غاضَت بحيرتُها ... وردٌ واردُها بالغَيظِ حينَ ظمِي
كأنَّ بالنارِ ما بالماءِ من بَللٍ .... حزنًا وبالماءِ ما بالنارِ من ضرَمِ
والجنُّ تهتفُ والأنوارُ ساطعةٌ .... والحقُّ يظهرُ من معنى ومن كلمِ
وانظر إلى النور والسرو الذي جاء للدنيا بأكملها في ليلة المولد الشريف، في قول أمير الشعراء:
وُلِدَ الهُدى فَالكائِناتُ ضِياءُ ..... وَفَمُ الزَمانِ تَبَسُّمٌ وَثَناءُ
الروحُ وَالمَلَأُ المَلائِكُ حَولَهُ ..... لِلدينِ وَالدُنيا بِهِ بُشَراءُ