إن محبة النبي – صلى الله عليه وسلم – درجات، كلما اجتهدت في درجة أوصلتك لما يليها، وهذا بيانها يا سائرًا في محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
درجة التعلق: وهذه الدرجة أولى خطوات المحبة؛ حيث يبدأ القلب بالارتباط به - صلى الله عليه وآله وسلم - والاقتداء الكامل بهديه وسنّته، وتقديم محبته على النفس والمال والأهل، إنها بذرة الحب الأولى التي تُسقى بذكر شمائله وقراءة سيرته.
درجة المحبة: وهي ميلُ القلب إليه ميلًا صادقًا يفوق كل حبٍّ دنيوي، بحيث يُقدَّم على النفس، والوالد، والولد، والناس أجمعين، وقد اختلف الناس في تفسيرها وكثرت عباراتهم: فمنهم من قال إنها اتباع الرسول – صلى الله عليه وسلم. ومنهم من قال: إنها دوام الذكر للمحبوب. وآخرون قالوا: هي إيثار المحبوب. وكما قال القاضي عياض: "المحبة: الميل إلى ما يوافق المحب" [الشفا بتعريف حقوق المصطفى (١/ ٢١٤)].
أما عند الصوفية، فالمحبة لها درجات تفصيلية:
درجة العلاقة والإرادة: هي نقطة البداية؛ حيث يتعرف السالك على النبي – صلى الله عليه وسلم – فتتعلق روحه به وتتحول إلى إرادة صادقة في اتباعه.
درجة الصبابة والغرام: فعندما يتعمق الحب يتحول إلى صبابة، وهي اشتداد الشوق الذي لا يملكه صاحبه، وتتطور لتصل إلى الغرام، وهو الحب اللازم للقلب الذي لا يفارقه.
درجة الود والشغف: وهنا يصبح الحب نقيًّا وخالصًا، ويصل إلى شغاف القلب؛ لتتغلغل فيه المحبة وتتملك كيان السالك كله.
درجة العشق: وهي فرط المحبة الذي يصل إلى أعلى درجاتها؛ حيث يغيب المحب عن نفسه بذكر المحبوب.
درجة الشوق: هو انجذاب قلب المؤمن إلى رؤية سيدنا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - وحرصه على لقائه مع العمل لنيل صحبته في الآخرة، وهو ثمرة طبيعية للمحبة الصادقة، فكلما قويت المحبة عَظُم الشوق، وله مقامات عليا كالهيام، وهو أشد درجات العطش والشوق.
التتيم: وهو درجة يصل فيها المحب إلى أن يصبح منصاعًا لحب المحبوب، فيرى السالك أن محبته للنبي - صلى الله عليه وسلم - أعلى أنواع العبادة، ويصبح كل عمل يقوم به بدافع هذه المحبة.
الهيام: وهو أشد درجات العطش والشوق في هذه الدرجة، فيصبح المحب في حالة من الذهول والانجذاب الكلي نحو النبي - صلى الله عليه وسلم - فيفنى في محبته.
الخلّة: وهي أعلى مراتب المحبة؛ حيث تتخلل روح المحب وقلبه، ويعتقد المحب أن هذه الدرجة هي محبة خالصة لله تعالى، وأن المحبة للنبي – صلى الله عليه وسلم – هي طريق للوصول إليها.
الفناء في المحبوب: وهي أعلى درجة في مراتب المحبة؛ حيث يغيب المحب عن إرادته وصفاته الذاتية، ويفنى وجوده في ذات المحبوب وأخلاقه، بحيث لا يرى إلا المحبوب، فيصبح السالك متخلقًا بأخلاقه قولًا وفعلًا وحالًا، ويصل إلى مقام الشهود؛ حيث يرى النبي - صلى الله عليه وسلم - بقلبه، ويأنس به في يقظته ومنامه.