Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

درجات السالكين في محبة الجناب النبوي صلى الله عليه وسلّم

الكاتب

هيئة التحرير

درجات السالكين في محبة الجناب النبوي صلى الله عليه وسلّم

لسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم – في التعلُّق به ومحبّته والشوق إليه مقامات روحية، ومشاعر إيمانية، تتفاوت درجاتها بين المسلمين بحسب صدق الإيمان وعمق المعرفة بسيرته العطرة، فكلما ازداد القلب قربًا من سنّته وهديه ازداد تعلقه به - صلى الله عليه وآله وسلم - حبًّا له وشوقًا إليه، وهذه ليست مجرد مشاعر، بل هي دلائل على صحة الإيمان وصدق الاتباع، ووسيلة للوصول إلى محبة الله تعالى.

مفهوم التعلّق والمحبة والشوق للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم

التعلّق بالنبي صلى الله عليه وسلم - هو ارتباط القلب والروح به، بحيث يصبح هديه وسنّته مرآةً لحياة المؤمن، يُقدَّم فيها حبّه على النفس والمال والأهل، والمحبّة له - صلى الله عليه وسلم - ليست مجرد عاطفة، بل هي طاعة وانقياد، وتعظيمٌ لجنابه الشريف – صلى الله عليه وسلم - واتباعٌ لما جاء به من نور وهداية.

أما الشوق إليه - صلى الله عليه وسلم - فهو انجذاب القلب لرؤيته، وتمنّي صحبته، والحرص على لقائه في الآخرة، وهو ثمرة المحبة الصادقة، وكلما ازداد المسلم معرفة بسيرته العطرة وشمائله الكريمة ازداد حبّه له، واشتدّ شوقه إليه.

وقد قال القاضي عياض: "المحبة: الميل إلى ما يوافق المحب" [الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم (ط. دبي) (١/ ٢١٤)]، ولا شيء يوافق الفطرة السليمة كحبّ النبي صلى الله عليه وسلم - وكان الصحابة - رضي الله عنهم - يتنافسون في خدمته، ويذرفون الدموع لفراقه، ويشتاقون إليه في كل لحظة، فمن أراد أن يذوق حلاوة الإيمان فليجعل محبّة النبي - صلى الله عليه وسلم - في قلبه فوق كل حب، وليترجمها بعملٍ وسلوكٍ واتباع.

فالمحبة في جوهرها ميلٌ قلبي، لكنها عند السالكين في طريق الحب النبوي ليست مجرد عاطفة، بل هي طريق روحي ومقام عظيم، فهي رحلة قلب بدايتها العلم وعمل اللسان، ووسطها الشوق والاتباع، ونهايتها الفناء والشهود، فهل أنت مستعد لهذه الرحلة؟

درجات محبة النبي - صلى الله عليه وسلم

إن محبة النبي – صلى الله عليه وسلم – درجات، كلما اجتهدت في درجة أوصلتك لما يليها، وهذا بيانها يا سائرًا في محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

درجة التعلق: وهذه الدرجة أولى خطوات المحبة؛ حيث يبدأ القلب بالارتباط به - صلى الله عليه وآله وسلم - والاقتداء الكامل بهديه وسنّته، وتقديم محبته على النفس والمال والأهل، إنها بذرة الحب الأولى التي تُسقى بذكر شمائله وقراءة سيرته.

درجة المحبة: وهي ميلُ القلب إليه ميلًا صادقًا يفوق كل حبٍّ دنيوي، بحيث يُقدَّم على النفس، والوالد، والولد، والناس أجمعين، وقد اختلف الناس في تفسيرها وكثرت عباراتهم: فمنهم من قال إنها اتباع الرسول – صلى الله عليه وسلم. ومنهم من قال: إنها دوام الذكر للمحبوب. وآخرون قالوا: هي إيثار المحبوب. وكما قال القاضي عياض: "المحبة: الميل إلى ما يوافق المحب" [الشفا بتعريف حقوق المصطفى (١/ ٢١٤)].

أما عند الصوفية، فالمحبة لها درجات تفصيلية:

درجة العلاقة والإرادة: هي نقطة البداية؛ حيث يتعرف السالك على النبي – صلى الله عليه وسلم – فتتعلق روحه به وتتحول إلى إرادة صادقة في اتباعه.

درجة الصبابة والغرام: فعندما يتعمق الحب يتحول إلى صبابة، وهي اشتداد الشوق الذي لا يملكه صاحبه، وتتطور لتصل إلى الغرام، وهو الحب اللازم للقلب الذي لا يفارقه.

درجة الود والشغف: وهنا يصبح الحب نقيًّا وخالصًا، ويصل إلى شغاف القلب؛ لتتغلغل فيه المحبة وتتملك كيان السالك كله.

درجة العشق: وهي فرط المحبة الذي يصل إلى أعلى درجاتها؛ حيث يغيب المحب عن نفسه بذكر المحبوب.

درجة الشوق: هو انجذاب قلب المؤمن إلى رؤية سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم - وحرصه على لقائه مع العمل لنيل صحبته في الآخرة، وهو ثمرة طبيعية للمحبة الصادقة، فكلما قويت المحبة عَظُم الشوق، وله مقامات عليا كالهيام، وهو أشد درجات العطش والشوق.

التتيم: وهو درجة يصل فيها المحب إلى أن يصبح منصاعًا لحب المحبوب، فيرى السالك أن محبته للنبي صلى الله عليه وسلم - أعلى أنواع العبادة، ويصبح كل عمل يقوم به بدافع هذه المحبة.

الهيام: وهو أشد درجات العطش والشوق في هذه الدرجة، فيصبح المحب في حالة من الذهول والانجذاب الكلي نحو النبي صلى الله عليه وسلم - فيفنى في محبته.

الخلّة: وهي أعلى مراتب المحبة؛ حيث تتخلل روح المحب وقلبه، ويعتقد المحب أن هذه الدرجة هي محبة خالصة لله تعالى، وأن المحبة للنبي – صلى الله عليه وسلم – هي طريق للوصول إليها.

الفناء في المحبوب: وهي أعلى درجة في مراتب المحبة؛ حيث يغيب المحب عن إرادته وصفاته الذاتية، ويفنى وجوده في ذات المحبوب وأخلاقه، بحيث لا يرى إلا المحبوب، فيصبح السالك متخلقًا بأخلاقه قولًا وفعلًا وحالًا، ويصل إلى مقام الشهود؛ حيث يرى النبي صلى الله عليه وسلم - بقلبه، ويأنس به في يقظته ومنامه.

وجوب محبته - صلى الله عليه وآله وسلم - والشوق إليه

إن محبة النبي - صلى الله عليه وآله - وسلم واجبة؛ لأن الله تعالى أمر بها، وجعلها شرطًا في كمال الإيمان، فهو الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور، وكان رحمة مهداة وهداية للعالمين، وقد توعَّدَ اللهُ - عزَّوجلَّ - من قَدَّم على محبته أحدًا من الأقارب أو الأموال، فقال: {قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ} [التوبة: ٢٤].

ففي قوله تعالى: {فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ} [التوبة: ٢٤] وعيد على مَن قدَّم محبة شيء على محبة الله - عزَّوجلَّ - ومحبة رسوله  – صلى الله عليه وسلم –  والوعيد لا يقع إلا على فرض لازم، وحتم واجب، ووجه الاقتران بين محبة الله ومحبة رسوله في قوله تعالى: {أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ} أنه لا تتم محبة الله إلا بمحبة ما يحبه، وكراهة ما يكرهه، ولا طريق إلى معرفة ما يحبه وما يكرهه تعالى إلا من جهة نبيه المبلغ عنه - صلى الله عليه وسلم - ما يحبه وما يكرهه، فصارت محبة الله مستلزمة لمحبة رسوله – صلى الله عليه وسلم – وتصديقه ومتابعته صلوات الله وسلامه عليه.

قال القاضي عياض - تعليقًا على هذه الآية الكريمة: "فكفى بهذا حضًّا وتنبيهًا ودلالة وحجة على إلزام محبته، ووجوب فرضها، وعظم خطرها واستحقاقه لها - صلى الله عليه وسلم - إذ قرَّع تعالى من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله، وأوعدهم بقوله تعالى: {فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ} ثم فسقهم بتمام الآية، وأعلمهم أنهم ممن ضل، ولم يهده الله". [الشفا بتعريف حقوق المصطفى (ص٤٩٢)].

فمحبته - صلى الله عليه وآله وسلم - ليست مجرد عاطفة، بل هي ركن من أركان الإيمان.

علامات محبته - صلى الله عليه وآله وسلم - والشوق إليه

ولهذه المحبة علامات، ومن أهمها:

‌أ- اتباع سنته، كما قال تعالى: {قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ} [آل عمران: ٣١]، فمن أحب النبي - صلى الله عليه وسلم - اتبع سنته، وامتثل لأوامره، واجتنب نواهيه، وقد بيَّن حضرة الجناب النبوي - صلى الله عليه وسلم – ذلك، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما أُخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم، فقال: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» [البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١)]

‌ب- الإكثار من الصلاة عليه، فمن أحب شيئًا أكثر ذكره، والصلاة عليه هي صلة حقيقية بين المحب والمحبوب.

‌ج- إيثار حبه: تقديم حبه على حب النفس والمال والأهل.

‌د- كثرة الشوق إلى لقائه: شوقٌ يجعل القلوب تذوب، كما حدث مع جذع النخلة الذي حنَّ إليه، وكما كان حال الصحابة الكرام.

‌ه- التعظيم والتوقير بإظهار الخشوع والانكسار عند سماع اسمه الشريف.

‌و- محبة من أحب النبي: حب آل بيته وأصحابه والولاء لهم، وبغض من أبغضهم.

‌ز- حب القرآن، فالقرآن هو خُلُق النبي – صلى الله عليه وسلم – ومن أحب النبي أحب كتابه.

‌ح- الشفقة على أمته بالسعي في مصالحهم ورفع الضرر عنهم اقتداءً به – صلى الله عليه وسلم.

‌ط- الزهد في الدنيا: بإيثار الفقر في سبيل الله – تعالى – والرسول – صلى الله عليه وسلم – فكمال المحبة يقتضي الزهد في كل ما يشغل عن المحبوب.

نماذج من محبة الصحابة وشوقهم للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم

كانت محبة الصحابة للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - نموذجًا عمليًّا لهذه الدرجات، فنجد أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - يبكي من الفرح عندما أذن له النبي - صلى الله عليه وسلم – بالهجرة بقوله: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ وَالْهِجْرَةِ»، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: «الصُّحْبَةُ». فتقول عائشة - رضي الله عنها: فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ [السيرة لابن هشام (١/ ٤٨٤)].

وكذلك لما انتهى إلى الغار قال أبو بكر: كما أنت حتى أقمَّه، فرأى جُحرًا فألقمها قدمه، وقال: يا رسول الله، إن كانت لسعة أو لدغة كانت بي. [فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل (١/ ١٧٨)].

وهذا عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – ذات مرة وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – آخذًا بيده، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم«لَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ» فقال له عمر: فإنه الآن، والله، لأنت أحب إليَّ من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم«الآنَ يَا عُمَرُ» [أخرجه البخاري (٦٦٣٢)].

بل وصل حبه للجناب النبوي أنه كان محبًا لما يحبه – صلى الله عليه وسلم – ولو كان مخالفًا لهواه وفطرته، ومن ذلك لما كان فتح مكة حين جاء العباس - رضي الله عنه - بأبي سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم - وكان عمر حريصًا على أخذ الإذن من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بقتله، فقال العباس لعمر: مهلًا يا عمر، فوالله لو كان من بني عدي ما قلت هذا، فقال عمر: مهلًا يا عباس، فو الله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إليَّ من إسلام الخطاب – يعني أباه - لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إسلام الخطاب لو أسلم [انظر: سيرة ابن هشام (٢/ ٤٠٣)].

وفي حادثة الغدر التي قامت بها عضل والقارة، وعرفت في السيرة النبوية بـ(يوم الرجيع) وكان من آثارها أنْ "بِيع زيدٌّ بن الدِّثنة وخُبيب بن عدي إلى قريش، فلما قُدِّم زيد ليقتل، قال له أبو سفيان: أنشدك بالله يا زيد أتحب أن محمدًا عندنا الآن في مكانك تضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي. فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا، كحب أصحاب محمد محمدًا". [السيرة النبوية لابن هشام (ج١ /١٧٠)].

وربيعة بن كعب الأسلمي يطلب مرافقته في الجنة، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُود» [أخرجه مسلم (٤٨٩)].

ومواقف الصحابة في محبتهم للنبي  صلى الله عليه وسلم - لا تُعد ولا تُحصى، فقد بلغت من السمو والصفاء ما يفوق الوصف، ومن سار في مدارج هذه المحبة، وتدرج في مراتبها نال بها أعظم المقامات وارتقى إلى منازل الرضا والقرب، حتى صار حب النبي – صلى الله عليه وسلم - عندهم أعز من النفس والولد، وأغلى من المال والجاه، وأحب إليهم من الماء البارد على الظمأ.

آثار المحبة والشوق في حياة المسلم

ولهذه المحبة آثار فمن أحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم - واشتاق إليه زاد حبه للدين والخَلق، وانضبط سلوكه، وابتعد عن المعاصي، وارتقى أخلاقيًّا، فمحبته - صلى الله عليه وآله وسلم - نور وهداية في الحياة، والثواب الجزيل في الآخرة لمن حقق المحبة على الوجه الصحيح بأن يكون رفيق المصطفى في الجنة؛ لقوله - صلى الله عليه وآله وسلم - لمن قال له: إني أحب الله ورسوله: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» [البخاري (٣٦٨٨)].

فمن بلغ هذه الدرجات صار قلبه لا يتحرك إلا بمحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما  جَاءَ فِي مُوَطَّأ الإِمَام مَالِك عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ، أَنَّهُ قَالَ جَاءَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ فِي بَنِي مُعَاوِيَةَ وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْأَنْصَارِ فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم مِنْ مَسْجِدِكُمْ هذَا؟ فَقُلْتُ لَهُ نَعَمْ وَأَشَرْتُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْهُ، فَقَالَ لِي هَلْ تَدْرِي مَا الثَّلاَثُ الَّتِي دَعَا بِهِنَّ فِيهِ؟ فَقُلْتُ لَهُ نَعَمْ، قَالَ فَأَخْبِرْنِي بِهِنَّ، قَالَ فَقُلْتُ دَعَا بِأَنْ لاَ يُظْهِرَ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلاَ يُهْلِكَهُمْ بِالسِّنِينَ فَأُعْطِيَهُمَا، وَدَعَا بِأَنْ لاَ يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمُنِعَهَا، قَالَ صَدَقْتَ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَلَنْ يَزَالَ الْهَرْجُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [موطأ مالك: ٢١٦/١(٣٥)].

قَالَ الحَافِظ ابْنُ عَبْد البَّر الْـمَالِكِي: فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ مِنَ التَّبَرُّكِ بِحَرَكَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ اقْتِدَاءً بِهِ وَتَأَسِّيًا بِحَرَكَاتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَهُمْ عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَسْجِدِهِمْ لِيُصَلِّيَ فِيهِ تَبَرُّكًا بِذَلِكَ وَرَجَاءَ الْخَيْرِ فِيهِ [التَّمْهيد لِلْحَافِظ ابن عَبْد البَر (١٩ /١٩٧)، النَّاشر وَزَارَة الأَوْقَاف وَالشُّؤُون الإسْلاَمِيَّة الـمَمْلَكَة الـمَغْربِيَّة].

وأورد الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء ما جاء عن الإمام أحمد بن حنبل قال: وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ: رَأَيْتُ أَبِي يَأْخُذُ شَعرةً مِن شَعرِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَيَضَعُهَا عَلَى فِيْهِ يُقبِّلُهَا، وَأَحسِبُ أَنِّي رَأَيْتُهُ يَضَعُهَا عَلَى عَيْنِهِ، وَيَغْمِسُهَا فِي المَاءِ وَيَشرَبُه يَسْتَشفِي بِهِ، ورَأَيْتُهُ أَخذَ قَصْعَةَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَغَسلهَا فِي حُبِّ المَاءِ، ثُمَّ شَرِبَ فِيْهَا، وَرَأَيْتُهُ يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ يَسْتَشفِي بِهِ، وَيَمسحُ بِهِ يَدَيْهِ وَوَجهَه.

ثم عقب بعدها الذهبي قائلا: أَيْنَ المُتَنَطِّعُ المُنْكِرُ عَلَى أَحْمَدَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ سَأَلَ أَبَاهُ عَمَّنْ يَلمَسُ رُمَّانَةَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَيَمَسُّ الحُجْرَةَ النَّبَوِيَّةَ، فَقَالَ: لاَ أَرَى بِذَلِكَ بَأْساً [سير أعلام النبلاء: ٢١٢/١١].

ورُؤىَ ابن عُمَر وَاضِعًا يَدَه عَلَى مَقْعَد النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم وَضَعَهَا عَلَى وَجْهِه، ولهذا كَان مَالِك رَحِمَه اللَّه لَا يَرْكَب بِالْمَدِينَة دَابَّة

وَكَان يَقُول أسْتَحْيي مِن اللَّه أن أطَأ تُرْبَة فِيهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم بِحَافِر دَابّة [الشفا بتعريف حقوق المصطفى - بحاشية الشمني: ٥٧/٢].

الخلاصة

إن محبة النبي- صلى الله عليه وسلم – والشوق إليه طريق روحي ومقام عظيم، وليس مجرد عاطفة، والتعلق بالجناب النبوي ومحبته والشوق إليه الذي هو ثمرة المحبة الصادقة تبدأ بدرجة العلاقة والإرادة ثم الصبابة والغرام ثم الود والشغف ثم العشق ثم الشوق ثم التتيم ثم الهيام ثم الخلّة ثم الفناء في المحبوب، فمن بلغ هذه الدرجات صار قلبه لا يتحرك إلا بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم.

موضوعات ذات صلة

لقد وصف الصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأروع أوصاف الجمال، فجاءت كلماتهم كأنها بيان حيّ لجماله.

في زمنٍ طغت فيه الجاهلية على العقول، وعمى الهوى على القلوب، أشرق نور سيدنا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- فهزَّ أركان الظلام.

جاء القرآن الكريم بمدح النبي العظيم -صلى الله عليه وآله وسلم- وبيان مكانته ورفعة شأنه، وإظهار صفاته من الرحمة والرأفة والنور.

موضوعات مختارة