من المعلوم أن المنوط بالتزكية هم الأنبياء بما حباهم الله من نعمة الرسالة والعلم، وعلى رأسهم سيد الأنبياء سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم، وقد وضح لنا رسولنا الكريم صلوات ربي وتسليماته عليه طريق التزكية، وبدأ بنفسه - مع عدم احتياجه لها - ليبين لنا كيف تكون، ومن ذلك:
(أ) دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- بتزكية النفس:
كان من أساليب تعليمه -صلى الله عليه وسلم- تزكية النفس كثرة الدعاء لها، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا ما يدعو لنفسه، ومن ذلك ما قاله زيد بن أرقم - رضي الله عنه - للصحابة: "لا أَقُولُ لَكُمْ إلّا كما كانَ رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ، كانَ يقولُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بكَ مِنَ العَجْزِ والْكَسَلِ، والْجُبْنِ والْبُخْلِ، والْهَرَمِ، وَعَذابِ القَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وَزَكِّها أَنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أَنْتَ وَلِيُّها وَمَوْلاها، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بكَ مِن عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لا يُسْتَجابُ لَها» [رواه مسلم]، فإن الدعاء أقرب إلى تحقيق الأمر.
(ب) تزكية اللسان:
فحفظ اللسان من أكبر طرق تزكية المسلم لنفسه، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليْسَ المؤمِنُ بِالطَّعّانِ، ولا اللَّعّانِ، ولا الفاحِشِ، ولا البَذيءِ» [رواه الترمذي]؛ وذلك لما لها من حفظ القلب والأعمال.
(ج) تزكية البصر:
وتتنوع أساليب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تزكية المسلم لبصره، فتارة يرغب في غضه، كما في حديثه -صلى الله عليه وسلم: «النَّظرةُ سَهمٌ من سِهامِ إبليسَ مَسمومةٌ، فمَن تَرَكها مِن خَوفِ اللهِ أثابَه جَلَّ وعزَّ إيمانًا يَجِدُ حَلاوتَه في قَلبِه» [رواه الحاكم]، وتارةً يأمر به، كما في حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي، فقد قال -صلى الله عليه وسلم: «يَا عليٌّ: لا تُتبعِ النَّظرةَ النَّظرةَ، فإنَّ لَكَ الأولى وَلَيْسَت لَكَ الآخرَةُ» [رواه أبو داود].
(د) التحذير من تزكية الإنسان نفسه بالمدح:
قال تعالى: {فَلَا تُزَكُّوٓاْ أَنفُسَكُمۡۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ} [النجم: ٣٢]، علمنا النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم - ألا يمدح الإنسان نفسه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: «لا تُزَكُّوا أنفُسَكم، اللهُ أعلَمُ بأهلِ البِرِّ منكم» [رواه مسلم]؛ لأنها تسقط الإنسان في الكبر فيضع في الدنيا والآخرة.
(هـ) إنفاق المال:
وقد بيَّن -صلى الله عليه وسلم- هذا بفعله، فقد روي "أنَّ رجُلًا أتى النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فأمَر له بشاءٍ بيْنَ جبَلَيْنِ فرجَع إلى قومِه فقال: أسلِموا فإنَّ محمَّدًا -صلى الله عليه وسلم- يُعطي عَطاءَ رجُلٍ لا يخشى الفاقةَ" [رواه مسلم]، وبينه كذلك بالترغيب في الإنفاق؛ حيث قال -صلى الله عليه وسلم: «مَا مِن يَومٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إلّا مَلَكانِ يَنْزِلانِ، فيَقولُ أحَدُهُما: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» [رواه البخاري]؛ وذلك حتى يحد الإنسان من هذه الشهوة فلا تتملكه.
(و) الصبر على الطاعة:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يُطيل في العبادة وكأنه يعلمنا أنها تزكي النفس وبها تسمو الروح، فقد كان -صلى الله عليه وسلم- يطيل في صلاته لنفسه، فقد روي "أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حتّى تَتَفَطَّرَ قَدَماهُ، فَقالَتْ عائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هذا يا رَسولَ اللَّهِ، وقدْ غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ؟ قالَ: «أفلا أُحِبُّ أنْ أكُونَ عَبْدًا شَكُورًا»، فَلَمّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلّى جالِسًا، فَإِذا أرادَ أنْ يَرْكَعَ قامَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ" [رواه البخاري]، وكذلك في صيامه، فكما روى البخاري "كانَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حتّى نَظُنَّ أَنْ لا يَصُومَ منه، ويَصُومُ حتّى نَظُنَّ أَنْ لا يُفْطِرَ منه شيئًا، وكانَ لا تَشاءُ أَنْ تَراهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَليًّا إلّا رَأَيْتَهُ، ولا نائِمًا إلّا رَأَيْتَهُ" [رواه البخاري].