تواترت الروايات بشهادة كثير من الصحابة - رضوان الله عليهم - بمشاهدة أنوار النبي -صلى الله عليه وسلم، كإضاءة وجهه الشريف، الذي كان يملأ المكان بهاءً، حتى جاء تشبيههم لوجهه الشريف بالقمر، فعن عبد الله بن كعب قال: "سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مالِكٍ، يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عن تَبُوكَ، قالَ: فَلَمّا سَلَّمْتُ على رَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وهو يَبْرُقُ وجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ، وكانَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إذا سُرَّ اسْتَنارَ وجْهُهُ، حتّى كَأنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وكُنّا نَعْرِفُ ذلكَ منه" [رواه البخاري].
وأخرج الإمامان البخاري ومسلم – رحمهما الله- عن أنس -رضي الله عنه - قال: "كانَ رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَزْهَرَ اللَّوْنِ، كَأنَّ عَرَقَهُ اللُّؤْلُؤُ، إذا مَشى تَكَفَّأَ، وَلا مَسِسْتُ دِيباجَةً، وَلا حَرِيرَةً أَلْيَنَ مِن كَفِّ رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَلا شَمِمْتُ مِسْكَةً وَلا عَنْبَرَةً أَطْيَبَ مِن رائِحَةِ رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم".
وجاء وصفه أيضًا على لسان ربيبه هند بن أبي هالة -رضي الله عنه - لمَّا سأله سيدنا الحسن بن علي - رضي الله عنهما - أن يَصِفَ له -جَدَّه- النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "كان رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَخْمًا مُفَخَّمًا، يَتلَأْلَأُ وجْهُه تَلَأْلُؤَ القمرِ ليلةَ البَدر" "له نور يعلوه". [رواه الطبراني]، فهذا وصف مَن تربَّى في حِجْرِه، ورآه بعيني رأسه، واطلع على أحواله في بيته، وأَنِسَ بوصله وقُرْبِه، وهو وصفٌ يُظْهِرُ لكل ذي عقل سليم أنهم رأوا نوره بأبصارهم نورًا حسيًّا.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "ما رأيتُ شَيئًا أحسَنَ من رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كأنَّ الشمسَ تَجري في وَجهِه" [رواه الترمذي].
وعن عبد الله بن عباس في وصف المصطفى -صلى الله عليه وسلم- قال: "كان رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أفلجَ الثنيَّتينِ، إذا تكلَّم رُئيَ كالنورِ يخرج من بين ثناياهُ" [رواه الترمذي].
وقالت أم معبد الخزاعية واصفة النبي الحبيب لزوجها حين مَرَّ مهاجرًا بخيمتها: "..رجُلٌ ظاهِرُ الوَضاءةِ، أبلَجُ الوجهِ، حسَنُ الخَلْقِ.." [رواه أبو نعيم].
وعن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كنتُ قاعدةً أغزلُ والنبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَخصِفُ نعلَه فجعل جبينُه يَعْرَقُ وجعل عرقُه يتولَّد نورًا فبُهِتُّ فنظر إليَّ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم، فقال: «مَا لك يا عائشةُ بُهِتِّ؟» قلتُ: جعل جبينُك يعرَقُ، وجعل عرَقُك يتولَّد نورًا، ولو رآكَ أبو كبيرٍ الهُذَليِّ لعلم أنك أحقُّ بشِعرِه، قال: «وَمَا يَقُولُ أبُو كَبِيرٍ»؟ قالت: قلتُ يقول:
وَمُبَرَّأٌ مِنْ كُلِّ غَيْرِ حَيْضَةٍ
وَفَسادِ مُرْضِعَةٍ وَداءٍ مُغَيِّلِ
فَإِذا نَظَرْتَ إِلى أَسِرَّةِ وَجْهِهِ
بَرَقَتْ كَبَرْقِ الْعارِضِ الْمُتَهَلِّلِ
قالت: فقام النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وقبَّل بين عينيَّ وقال: «جزاكِ اللهُ يا عائشةُ عني خيرًا ما سُرِرتِ منِّي كسُروري منكِ» [رواه البيهقي].
هكذا أُخِذَت أم المؤمنين السيدة عائشة - رضي الله عنها - بجمال وجلال النور المحمدي، فبُهتت ولم تَقوَى على هذه الطاقة النورانية.
فصدق فيها قول الشاعر:
لَمَّا رَأَيْتُ أَنْوَارَهُ سَطَعَتْ
وَضَعْتُ مِنْ خِيفَتِي كَفِّي عَلَى بَصَرِي
خَوْفًا عَلَى بَصَرِي مِنْ حُسْنِ صُورَتِهِ
فَلَسْتُ أَنْظُرُهُ إِلَّا عَلَى قَدْرِي
رُوحٌ مِنَ النُّورِ فِي جِسْمٍ مِنَ الْقَمَرِ
كَحُلَّيةٍ نُسِجَتْ مِنَ الأَنْجُمِ الزُّهْرِ
وقد أخبر -صلى الله عليه وسلم- عن النور الذي رأته أمه السيدة آمنة عندما حملت فيه، فعن العرباض بن سارية، عن النبي -صلى الله عليه وسلم، قال: «إني عندَ اللهِ في أُمِّ الكتابِ لَخاتَمُ النَّبِيِّينَ، وإنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ في طِينَتِهِ، وسأُنَبِّكُم بتأويلِ ذلك: دعوةُ أبى إبراهيمَ، وبِشارَةُ عيسى قومَه، ورُؤْيا أُمِّي التي رَأَتْ أنه خرج منها نورٌ أضاءت له قُصُور الشامِ، وكذلك تَرى أُمَّهاتُ النَّبِيِّينَ صَلَواتُ اللهِ عليهِم» [رواه أحمد].
وعن أنس - رضي الله عنه - عند قدوم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة وعند وفاته أنه قال: "لَمّا كان اليومُ الذي دخل النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فيه المدينةَ أضاء منها كُلُّ شيءٍ، فلما كان اليومُ الذي مات فيه أَظْلَمَ منها كلُّ شيءٍ، وما نَفَضْنا أَيْدِيَنا من دَفْنِهِ حتى أَنْكَرْنا قلوبَنا"
أنواره -صلى الله عليه وسلم- الحسِّيَّة
[رواه الترمذي وابن ماجة].