إن من أجَّل النعم في صدق محبتنا بالجناب النبوي يتضح في التهلل والابتهاج، ونشر السرور، وإظهار الفرح بمولده -صلى الله عليه وآله وسلم- في كل مناسبة ومجلس، فلولاه لما نلنا هذا الشرف، ولما أُمطرنا برحمات الله وفضله، فالصادق هو من علم قدر مولده ومحبته.
إن سر انتصار المؤمنين الأولين هو امتثالهم لأوامر الله جل وعلا، وأوامر رسوله قولًا وعملًا، فهذا هو الحب الحقيقي الذي يطلبه الله منا، لا أن يكرم بالمدح والثناء فقط، والقلوب فارغة من حبه، والجوارح بعيدة عن اتباعه، والألسن بعيدة عن ذكر أحاديثه وشمائله.
يقول القاضي عياض -رحمه الله: "فالصادق في حب النبي من تظهر علامة ذلك عليه، وأولها الاقتداء به، واستعمال سنته، واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه"، وشاهد ذلك قوله تعالى: {قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ}. [آل عمران: ٣١].
لقد كان النبي الأعظم رحيمًا شفيقًا بأمته، فبلغت هذه جميع الخلائق؛ من: انس، وطير، وحيوان. وجاءت الأحاديث والآيات الدالة على ذلك، فأمَّا الشفقة والرأفة والرحمة لجميع الخلق، فقد قال الله تعالى فيه: {عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}، [التوبة: ١٢٨]، وقال تعالى: {وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ}. [الأنبياء:١٠٧].
وقال بعضهم: من فضله عليه السلام أنَّ الله تعالى أعطاه اسمين من أسمائه، فقال: {بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ}، [التوبة: ۱۲۸]، وحكى نحوه الإمام أبو بكر بن فورك.
وروي عنه أنه قال: «لا يبلغني أحدٌ مِنكم عن أحدٍ من أصحابي شيئًا؛ فإنِّي أحبُّ أن أخرجَ إليهم وأنا سليمُ الصدرِ» [أحمد (٣٧٥٩)].
ومن شفقته على أمته -صلى الله عليه وآله وسلم- تَخْفِيفه وتسهيله عليهم، وكراهته أشياء مخافَةَ أَنْ تُفْرَضَ عليهم، كقوله: «لَولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتُهُم بالسِّواكِ معَ كلِّ وُضوءٍ» [أخرجه أحمد (٦٠٧)].
وَخَبَرُ صلاة الليل، ونهيهم عن الوصال، وكراهته دخول الكعبة لئلا يُعْنِتَ أُمَّتَه.
ولله در القائل:
نُورٌ أَطَلَّ عَلَى الحَياةِ رَحِـيمًا
وَبِكفِّهِ فَاضَ السَّلامُ عَمِيما
لمْ تَعْرِف الدُّنيا عَظِيمًا مِثْلَهُ
صَلُّـوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيما
وفي الختام لنقرأ هذه الكلمات الرقراقة من وصية الأستاذ الدكتور أسامه الأزهري للناس عامة ابتهاجًا بمولد الرسول الأعظم والنبي الأكرم صلوات ربي وسلامه عليه، فيقول: "هذه مواريث النبوة، فتحققوا بها في أنفسكم، واحملوا مشاعل نورها في دعوتكم وفي رسالتكم؛ لتنوروا بها ربوع الوطن، ولتملئوا بها وعي المصريين جميعًا، ارفعوا رؤوسكم عزيزة بشرف ما تحملونه، وبنبل ما تؤدونه، وكونوا في الناس شامة؛ مظهرًا حسنًا، وحكمة منيرة، واجعلوا خطابكم ينزل على قلوب الناس رحمة وراحة، والله من وراء القصد".