من النصوص القرآنية والنبوية التي تؤكد أن نسبه الشريف كان محفوظًا من كل دنس، وأنه اختيار إلهي خالص، قوله تعالى في سورة الأنعام: {ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَيۡثُ يَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥ} [سورة الأنعام، آية ١٢٤]، فالآية الكريمة تدل على أن الله يختار أنبياءه بعناية في أصلهم ونسبهم وبيئتهم، ولا يضع رسالته إلا في من يستحقها خلقًا ونسبًا.
وفي سورة الشعراء يقول تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّٰجِدِينَ} [سورة الشعراء، آية: ٢١٩] فُسرت بأنها تشير إلى انتقاله -صلى الله عليه وآله وسلم- في أصلاب الطاهرين؛ أي أن نسبه كان محفوظًا في عباد الله الصالحين، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما، في قوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ}، قال: من نبي إلى نبي حتى أخرجتك نبيًّا. [أخرجه أبو عمر العدني في مسنده والبزار وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في دلائل النبوة عن ابن عباس، كما في فتح القدير (٤/ ١٢٢)].
وعنه -أيضًا- في الآية قال: ما زال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يتقلب في أصلاب الأنبياء حتى ولدته أمه. [رواه الدينوري]، وعن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله تعالى: {لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ} [سورة التوبة، آية: ١٢٨] قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية. [ ابن أبي شيبة في مصنفه حديث رقم:٣٢٢٩٨].
وعن أنس قال: قرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم: {لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ} بفتح الفاء، وقال: «أنا أنفَسكم نسبًا وطهرًا وحسبًا، ليس في آبائي من لدن آدم سفاح، كلنا نكاح». [أخرجه ابن مردويه، كما في فتح القدير (٢/ ٤٢٠)].
وروى الإمام البيهقي عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «وَمَا افْتَرَقَ النّاسُ فِرقتَيْنِ إلّا جَعَلَنِي اللهُ تعالى فِي الْخَيرِ مِنْهُمَا حَتّى خَرَجْتُ مِنْ نكاحٍ ولم أخرُجْ من سِفاحٍ من لدُنْ آدمَ حتّى انتهيتُ إلى أبي وأمِّي فأنا خيرُكم نسبًا وخيرُكم أبًا». [دلائل النبوة للبيهقي (١/ ١٧٤)]، وعن عائشة -رضي الله عنها، عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- عن جبريل قال: «قلّبْتُ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَاربَهَا فَلَم أَجِدْ رَجُلًا أَفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ وقلّبْتُ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَلَمْ أَجِدْ بَيْتًا أَفْضَلَ مِن بَنِي هَاشمٍ» [أخرجه الطبراني في الأوسط حديث رقم" ٦٢٨٥] قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر: "لوائح الصحة ظاهرة على صفحات هذا المتن".
وفي البخاري عن أبي هريرة عنه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «بُعِثتُ مِن خيرِ قرونِ بَني آدمَ قَرْنًا فقَرْنًا، حتى بُعِثتُ مِنَ القَرْنِ الذي كنتُ مِنه» [صحيح البخاري حديث رقم:٣٥٥٧]، وفي مسلم عن واثلة بن الأسقع، قال -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ اللَّهَ اصْطَفى كِنانَةَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، واصْطَفى قُرَيْشًا مِن كِنانَةَ، واصْطَفى مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ، واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ» [صحيح مسلم (٢٢٧٦) ]، وعن العباس -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ اللهَ خلق الخلقَ فجعلَني من خيرِ فِرَقِهم، وخيرِ الفريقَينِ، ثم خيرِ القبائلِ، فجعلَني خيرَ قبيلةٍ، ثم تخيَّر البيوتِ فجعلَني من خيرِ بيوتِهم، فأنا خيرُهم نفسًا وخيرُهم بيتًا»، أي: خيرهم روحًا وذاتًا، وخيرهم بيتًا أي أصلًا. [سنن الترمذي حديث رقم :٣٦٠٧].
وقد أشار إلى ذلك الإمام البوصيري في قصيدتيه المشهورتين:
قال في البردة:
أبان مولده عن طيب عنصره *** يا طيب مفتتح منه ومختتمِ
وقال في الهمزية:
لم تزل في ضمائر الكون تختا *** ر لك الأمهات والآباءُ
والأحاديث في هذا الباب كثيرة بلغت مبلغ التواتر المعنوي، كما ذكر ذلك الإمام السيوطي في التكميل والمنة، والإمام الباجوري في حاشيته على جوهرة التوحيد.