- الصدق والأمانة شهادة قريش: قبل بعثته الشريفة كان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يُعرف في قومه بـ (الصادق الأمين)، هذه التسمية لم تكن مجرد لقب، بل كانت انعكاسًا لواقع معاش، شهدت عليه قريش بأسرها، بما فيها من كان أشدّ عداءً له فيما بعد، وقد ظهر ذلك جليَّاً في عدة مواقف، منها:
- واقعة الحجر الأسود: عندما اختلفت قبائل قريش على من يضع الحجر الأسود في مكانه، كادت الحرب تندلع، اتفقوا على أن أول من يدخل من باب المسجد الحرام هو من يحكم بينهم، فكان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فلما رأوه قالوا: "هذا الأمين، رضينا، هذا محمد"، فكان حكمه حكيمًا، حيث طلب ثوبًا ووضع الحجر في وسطه، وطلب من رؤساء القبائل أن يرفعوه جميعًا، ثم وضعه هو بيده الشريفة، فجنَّب قريش حربًا دامية". [كتاب السير والمغازي، لابن إسحاق، ص ٩٦] .
- نداء النبي - صلى الله عليه وآله وسلم – من فوق جبل الصفا: فقد صعد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- جبل الصفا وجمع قريشًا، فقال لهم: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدِّقي؟" قالوا جميعًا، من بينهم من سيصبحون أعداءه فيما بعد: "ما جربنا عليك كذبًا قط"، فأجابهم: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»، ورغم أنهم كذبوا رسالته بعد ذلك، إلا أنهم لم يستطيعوا إنكار صدقه. [كتاب السيرة النبوية، لابن هشام، ١ / ٥٨] .
- شهادة أبي جهل: رغم عداوته الشديدة إلا أنه لم يستطع إنكار صدق النبي- صلى الله عليه وآله وسلم - في إحدى الروايات سأله الأخنس بن شريق: "يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب؟"، فأجاب أبو جهل: "والله إن محمدًا لصادق، وما كذب محمد قط". [البداية والنهاية، لابن كثير، ١ / ٧٤].
- شهادة أبي سفيان رضي الله عنه: قبل إسلامه كان من ألدِّ أعداء النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- عندما سأله هرقل ملك الروم عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أجاب أبو سفيان بكل إنصاف وصدق عن صفات النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، مؤكدًا أنه لم يجرب عليه كذبًا قط، وهذه الشهادة القاطعة من عدوِّ لدود، تؤكد أن الصدق كان صفة أصيلة في شخصية النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لا يمكن إخفاؤها. [السابق، ١ / ١٥٧].
ويُعد الحوار بين هرقل، "قيصر الروم"، وأبي سفيان من أبلغ الأمثلة، هرقل بدأ كلامه بأسئلة دقيقة وحكيمة:
سأل: "ما نسبه فيكم؟" فأُجيب: "فينا ذو نسب".
ثم: "هل قال أحد هذا القول قبله؟" فأُجيب: "لا".
"هل في آبائه من ملك؟" فأُجيب: "لا".
"أتباعه من الأشراف أم الضعفاء؟" فأُجيب: "الضعفاء".
"هل ينقصون؟" فأُجيب: "لا، بل يزيدون".
"هل يرتد أحد بعد الدخول في دينه؟" فأُجيب: "لا".
"هل كنتم تتهمه بالكذب قبل الدعوة؟" فأُجيب: "لا".
"هل يغدر؟" فأُجيب: "لا".
"هل قاتلتموه؟ وكيف كان القتال؟" فأُجيب: "نعم، ولكن الحرب كانت سجالًا، ينال منا وننال منه".
وفي ختام الحوار، هرقل يقول لأبي سفيان: "لو كان ما تقول فيه حقَّاً، فسيملك موضع قدمي هاتين". [رواه البخاري برقم ٧].
هذه الأسئلة ليست لمجرد المناقشة، بل للكشف عن بصيرة داخلية، وتأكيد تأصيلية الرسالة من خلال منطقٍ راقٍ، يستلهم فضائل الأنبياء – عليهم السلام-.
- شهادة عروة بن مسعود الثقفي: وكان حينها مشركًا، جاء مفاوضًا عن قريش في صلح الحديبية، وبعد أن رأى حال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مع أصحابه، خرج مذهولاً مما شاهده من الحب، والتعظيم والطاعة، وقال لقومه من قريش: "أي قوم، والله لقد وفدتُّ على الملوك، ووفدتُّ على قيصر وكسرى والنجاشي، فوالله ما رأيت ملكًا يعظمه أصحابه، كما يعظِّم أصحاب محمدٍ محمدًا، والله إن تنخّم نخامة، إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلَّك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدُّون إليه النَّظر تعظيمًا له." ثم قال لهم: "وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها". [كتاب السيرة النبوية، لابن هشام، ١ / ١٢٨] .
هذه الشهادة من رجلٍ لم يكن مؤمنًا حينها، لكنها خرجت من قلبٍ رأى النور، وإن لم يسلك طريقه بعد، إنها من أعظم الشهادات التي تُثبت مكانة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في قلوب أصحابه، وتُظهر كيف كان تأثيره الروحي، والقيادي فريدًا لا يُضاهى.
العدالة والرحمة شهادة الأعداء:
لم تقتصر شهادة الأعداء على صدقه وأمانته، بل امتدت لتشمل عدله، ورحمته.
- تصرفاته مع الأسرى: كان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يعامل الأسرى معاملة إنسانية، بل ويدعوهم إلى الإسلام بالحكمة، والموعظة الحسنة، كما حدث مع المنافق الذي أراد قتله فسلَّ عليه السيف، فتركه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- دون أن يؤذيه. [السابق،٢ / ٩٦] .