لم تكن إقامة النبي ﷺ في بادية بني سعد مجرد فترة رعايةٍ مؤقتة، بل كانت إعدادًا ربانيًا وتهيئةً كريمةً لشخصه الشريف من الجوانب كافة، لتؤهله لحمل أمانة الرسالة العظيمة التي تنتظره:
لغةً (فصاحة اللسان وبيان الكلم): كانت قبيلة بني سعد بن بكر تُعد من أفصح العرب لسانًا وأعذبهم بيانًا؛ وفي كنفها نشأ النبي ﷺ مستمعًا ومتحدثًا بلغةٍ عربيةٍ نقية، بعيدةٍ تمامًا عن اللحن والاختلاط اللغوي الذي بدأ يتسرب إلى مكة مع توافد قوافل الحجاج والتجار. وقد حباه ذلك أساسًا متينًا من البلاغة، ومهّد لاختصاصه ﷺ لاحقًا بجوامع الكلم.
جسدًا (صلابة البنيان الشريف): أورث هواء البادية النقي وطعامها البسيط جسده الشريف قوةً وفتوةً؛ فالنشأة في تلك المساحات المفتوحة التي تتطلب حركةً دائمةً، بعيدًا عن دعة الحواضر، أكسبت بنيته الكريمة صلابةً وقدرةً فائقةً على تحمل المشاق التي ستكتنف مسيرة دعوته وأسفاره وغزواته.
نفسًا (الصفاء الروحي والتأمل): هيأت الصحراء بصمتها المهيب ونجومها الزاهرة بيئةً مثاليةً للتأمل والصفاء الذهني، مما زاد من رهافة حسه الشريف وإدراكه الواسع لآيات الخالق، بعيدًا عن صخب مكة. كما أن طبيعة الحياة البدوية وما تتطلبه من يقظةٍ دائمة، صقلت في نفسه الكريمة الشجاعة وسرعة البديهة والثبات في مواجهة الشدائد، فضلًا عن غرسها في روحه الطاهرة حبًا للانطلاق وترفعًا عن القيود المادية، لتظل روحه الشريفة تواقةً دائمًا إلى معالي الأمور
وقد ورد في ذلك المعنى عَنْ سيدنا أَبِي
سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَنَا
النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَا أَعْرَبُ الْعَرَبِ،
وَلَدَتْنِي قُرَيْشٌ، ونَشَأْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَأَنَّى
يَأْتِينِي اللَّحْنُ؟» [المعجم الكبير للطبراني:
٥٤٣٧].
ويقول العلامة المناوي -رحمه
الله-:"«أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَا أَعْرَبُ الْعَرَبِ،
وَلَدَتْنِي قُرَيْشٌ، ونَشَأْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ» يعني استرضعت فيهم وهم من أفصح العرب «فَأَنَّى
يَأْتِينِي اللَّحْنُ؟» تعجب أي كيف
يجوز علي النطق باللحن وأنا أعرب العرب ولذلك أعيا فصحاء العرب الذين يتنافسون
بالشعر في مناظم قريضهم ورجزهم ومقطعاتهم وخطبهم وما يتصرفون فيه من الكناية
والتعريض والاستعارة والتمثيل وصنوف البديع وضروب المجاز والإفتتان في الإشباع
والإيجاز حتى قعدوا مقهورين مغمورين وبقوا مبهوتين مبهورين حتى استكانوا وأذعنوا
وأسهبوا في الاستعجاب وأمعنوا قال في الروض: إنما دفع أشراف العرب أولادهم إلى
المراضع في القبائل ولم يتركوهم عند أمهاتهم لينشأ الطفل في الأعراب فيكون أفصح
للسانه وأجلد لجسمه وأجدر أن لا تفارقه الهيئة المعربة كما قال في الحديث: تمعددوا
واخشوشنوا. فكان ذلك يحملهم على الرضعاء إلى المراضع الأعرابيات وكان عبد الملك بن
مروان يقول: أضرنا حب الوليد لأن الوليد كان لحانا لكونه أقام مع أمه وغيره من
إخوته أسكنوا البادية فتعربوا ثم أدبوا فتأدبوا" [فيض القدير (٣/ ٣٨)].