Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

النجاشي ومن يؤتون أجرهم مرتين

الكاتب

أ.د/ عبد الصبور مرزوق

النجاشي ومن يؤتون أجرهم مرتين

النجاشي: لقب يُطلق على ملك الحبشة، وكان النجاشي من الملوك النصارى الصالحين الذين استقبلوا الصحابة المهاجرين إلى أرضه في بداية الإسلام، ثم أسلم بعد ذلك، وكان له موقف مشرف في حماية المسلمين من أذى كفار قريش.

أشد الناس عداوة للمؤمنين اليهود، وأقربهم مودة النصارى

قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِمۡ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشۡتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]. 

﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانًا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢-٨٣].

﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤۡمِنُونَ * وَإِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِۦ مُسۡلِمِينَ * أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَيۡنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٢-٥٤].

عداوة اليهود للمؤمنين ومودة النصارى لهم؛ هذا ما يصرح به القرآن في سورة "المائدة"، ثم يوضح سبب هذا القرب في المودة، هو أن النصارى منهم القسيسون والرهبان الذين خشعت قلوبهم لذكر الله ولِما نزل من الحق، وأنهم يختلفون طبيعة عن أبناء القردة وقتلة الأنبياء من اليهود، ففي النصارى رقة قلوب تحميهم من داء الاستكبار الذي عليه اليهود، هذا إلى أنهم إذا سمعوا ما أنزل على الرسول محمد ﷺ ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوه من الحق، ثم إنهم يختلفون عن اليهود في أن اليهود غيروا وبدلوا وحرفوا كلام الله عن مواضعه، والنصارى لم يفعلوا ذلك، فلم يبيعوا كلمات الله بالثمن الدنيوي القليل والزائل.

ولهذا فحين يتحدث عنهم القرآن في سورة آل عمران يقرر لهم المثوبة حيث يقول تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡۗ﴾ [سورة آل عمران ١٩٩].

وإذا تحدث عنهم في سورة القصص قال: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَيۡنِ﴾ [سورة القصص:٥٤].

ولهذا القرب في المودة بين النصارى وبين المسلمين آثار وشواهد تحدثت بها الأخبار، فقد ثبت في الحديث أن جعفر بن أبي طالب ـ رضي الله عنه - أثناء الهجرة الأولى إلى الحبشة لما قرأ أول سورة (مريم) في حضرة النجاشي ملك الحبشة، وعنده البطاركة والقساوسة بكى وبكوا معه جميعًا، ثم قال: "إن هذا والذي أُنزل على عيسى لَيَخرُجُ من مِشْكاةٍ واحدةٍ" [أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٠١ - ٢٠٣)].

وثبت في الصحيحين: أنه لما مات النجاشي نعاه النبي ﷺ إلى أصحابه، وقال: «إنَّ أَخًا لَكُم فِي الحَبَشَةِ قَد مَاتَ فَصَلُّوا عَلَيهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّحرَاءِ فَصَفَّهُم وَصَلَّى عَلَيهِ، ثُمَّ دَعَاهُم إِلَى الاستِغفَارِ لَهُ»، فقال بعض المنافقين: رجل هلك في الحبشة فكيف نصلي عليه؟ فنزلت الآية: ﴿وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِمۡ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشۡتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] [البخاري (٣٨٧٩) مسلم (٩٥٢)].

وروي عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: ونحن مهاجرون إلى الحبشة نزل بأرض النجاشي عدو من أرضهم، فقلنا يعنى المهاجرين من المسلمين: إنا نحب أن نخرج إليهم حتى نقاتل معك وترى جُرْأتَنا، ونَجْزِيَك بما قدَّمْتَ لنا، فقال النجاشي: لا، دَواءٌ بِنُصْرَةِ اللَّهِ -عزّ وجلّ- خَيْرٌ مِنْ دَوَاءٍ بِنُصْرَةِ النَّاسِ. [أخرجه الحاكم (٣١٧٥)].

ولسائل أن يقول: كيف يُعطَى هذا النموذج من النصارى أجرهم مرتين؟ 

يقول المفسرون: نعم هما أجران: أجر ما كانوا عليه قبل محمد ﷺ من الإيمان، ثم أجر اتباعهم محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم.

وفي هذا يقول الرسول ﷺ: «ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ، ذَكَرَ مِنْهُمْ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِي» [البخاري (٣٠١١)، ومسلم (١٥٤)].

والذين أعنيهم بهذا الخطاب صنفان:

أولًا: فئة من بعض المفكرين والكتاب في الغرب ممّن تأثروا بنظرة القوة والهيمنة، فصرح بعضهم كما فعل صموئيل هانتنجتون في كتابه (الإسلام والغرب.. آفاق الصدام)، وقرر فيه أن الصدام بين الحضارة الغربية وبين الإسلام حتمي وقادم.

أو كما فعل الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون في كتابه (الفرصة السانحة): أن أمريكا قد فرغت من العدو الأحمر بانهيار الاتحاد السوفيتي.

أو كما أعلن البابا في "مؤتمر كلورادو": أن بدء الألفية الثالثة عام (٢٠٠١) سيكون عام سيادة المسيحية ونهاية الإسلام.

هذا عن الصنف الأول من أهل الغرور بالقوة.

الثاني: من أهل الغفلة الدينية والعقلية فأعني بهم كل الذين أشعلوا نار الفتنة الطائفية سواء في مصر أو في غيرها من ديار الإسلام، والذين أدّت أفعال العنف التي ارتكبوها إلى تشويه صورة الإسلام، ومنح خصومه الفرصة لاتهامه بأنه دين لا يقبل التعايش، وأن أتباعه لا يميلون إلى السلام.

وأقول: لمن تأثروا بهذه التصورات القائمة على التعالي أو سوء الفهم، ما قاله لهم القرآن: ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـًٔا﴾ [آل عمران: ٦٤]، تعالوا نقدم معًا عطاء الأديان لخدمة الإنسان، تعالوا إلى حوار يجمع بيننا لمواجهة الإلحاد والكفر، ونتعاون معًا لتخليص البشرية مما يهددها من مخاطر الصراع النووي والعِرقي والطائفي، والاختلال المخيف في علاقة الشمال والجنوب .

تعالوا لنحلم معًا بعالم يرفرف عليه السلام بديلًا عن هذا الحلم الغارق في دوامة العنف والانفلات مما تعارفت البشرية عليه من ثوابت القيم والأخلاق.

مؤتمرات على الطريق

وليطمئن من أخاطبهم إلى صدق القصد وخلوص التوجه، أذكر الإخوة في الغرب المسيحي أني كنت وراء عقد عدة مؤتمرات في القاهرة دعا إليها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، الذي أتولى أمانته العامة، والمقرر العام لجميع مؤتمراته.

أقول: أول مؤتمر مشترك كان موضوعه "عطاء الأديان لخدمة الإنسان" والذي شاركت فيه نخبة متميزة من ممثلي الكنائس المسيحية في الغرب أو الشرق أو في مصر، وجلس من يمثلون هذه الكنائس على المنصة الرئيسية جنبًا إلى جنب مع شيخ الأزهر (شيخ الإسلام في مصر).

وكان المؤتمر الثاني عن: "الحوار الحضاري بين الأديان" وشارك فيه الممثلون المعتمدون في جميع الكنائس المسيحية.

وكان المؤتمر الثالث عن: "الإسلام والغرب.. آفاق التعاون" وكان ردًّا غير مباشر على دعوة صموئيل هانتنجتون وغيره من الغربيين الذين حاولوا إذكاء العداوة والبغضاء بين المسيحيين والمسلمين.

نحن فعلنا ذلك، ومددنا أيدي التعاون واللقاء على كلمة سواء، والأيدي المسلمة ما تزال ممدودة فهل يعيد متطرفي الغرب النظر في مواقفهم؟

وهل يكون منهم ما كان من النجاشي؟

أما الآخرون من أهل الغفلة في عالمنا الإسلامي والذين شاركوا في الفتنة فأقول لهم:

لقد أسأتم إلى الإسلام حيث ظننتم أنكم تحسنون إليه، وذلك لما شغلتم به أنفسكم والأمة كلها بقضايا تعتبر من فروع الفروع، وغفلتم عن أساسيات مطالب ومصالح الأمة المسلمة.

ثم لأنكم غفلتم كذلك عن العدو الكامن والمتربص بالإسلام والمسلمين خارج ديار الإسلام، والذي استدرجتكم بعض الأجهزة للدخول في صدام مسلح مع الأنظمة والحكومات القائمة فاشتعلت الفتن وأصبح بأس المسلمين بينهم.

وحيث لا ينفع الملام ولا يجدي البكاء على اللبن المسكوب، فإني أسأل الله لي ولكم أن ينير أبصارنا وبصائرنا، ويرشدنا إلى ما فيه الخير.. والله غالب على أمره.

الخلاصة

كان للنجاشي دور كبير في دعم المسلمين وتوفير الحماية لهم، وقد صلى عليه نبي الرحمة - صلوات الله وسلامه عليه - صلاة الغائب بعد وفاته؛ وهذا دليل على مكانته وصدقه في إيمانه رغم اضطراره لإخفائه، كما عُرف عنه العدل والرحمة في حُكمه، وحفظ الاستقرار في مملكته، وكان من الملوك الذين ردوا طلب قريش بإرجاع المسلمين المهاجرين إليهم رغم الضغوط؛ مما يدل على عدالته.

موضوعات ذات صلة

تعني الانتقال من أرض إلى أخرى؛ لتحقيق أهداف سامية للمهاجر، وكانت مرتبطة باضطهاد المؤمنين وسعيهم لعبادة الله تعالى في جو آمن.

تبقى الهجرة النبوية حدثًا عظيمًا في تاريخ الإسلام، ليست مجرد قصة تُروى، بل هي منهل نستقي منه الدروس والعبر في كل زمان ومكان.

تاريخ الحبشة (إثيوبيا) يمتد من ممالك "أكسوم" ودخول المسيحية، مروراً بالهجرة النبوية الأولى والعلاقات الطيبة مع المسلمين.

من القيم الرئيسة في الإسلام التي حرص عليها ودعا إليها، قيمة السلام.

الإسلام دعوة للسلام الشامل، بين الإنسان وربه، وبين الإنسان والكون.