وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
لما دارت على الظالمين الدوائر في غزوة بدر الكبرى وتجرع سادة قريش مرارة الهزيمة الساحقة لم يهدأ لهم بال حتى اجتمع رأي بقية زعمائهم ممن لم يُقتلوا في بدر على الثأر لقتلاهم، مستعينين بعير أبي سفيان وما فيها من أموال لتجهيز جيش قوي لقتال رسول الله ﷺ، فاجتمعت كلمة قريش، وانضم إليهم غيرهم ممن يُسمون بالأحابيش، واستعانوا بعدد كبير من النسوة كي يمنعن الرجال من الفرار إذا أحدق بهم المسلمون، وخرجوا من مكة وقد بلغوا ثلاثة آلاف مقاتل حتى نزلوا قريبًا من جبل أحد، بمكان يقال له (عينين) ليكون ذلك إيذانًا ببدء ملحمة جديدة يوم السبت، لسبع ليال خلون من شوال، على رأس اثنين وثلاثين شهرًا من هجرته - عليه الصلاة والسلام [طبقات ابن سعد: ٣/ ٨٧، سيرة ابن هشام: ٢/ ٦٢]
في هذه اللحظات الفارقة أرسى رسول الله ﷺ مبدأ الشورى العظيم، فاستشار أصحابه وخيّرهم بين الخروج لملاقاتهم وقتالهم أو البقاء في المدينة فإن دخلوا عليهم قاتلوهم، وكان الرأي لبعض شيوخ المسلمين والذي كان يميل له النبي ﷺ ألا يخرجوا وأن يتحصنوا بالمدينة، غير أن كثيرًا من الصحابة ممن لم يكن لهم شرف القتال في بدر رغبوا في الخروج قائلين: "يَا رَسُولَ اللهِ، اخْرُجْ بِنَا إِلَى أَعْدَائِنَا، لا يَرَوْنَ أَنَّا جَبُنَّا عَنْهُمْ وَضَعُفْنَا"، ولم يزل أصحاب هذا الرأي يلحون على رسول الله ﷺ حتى وافقهم، فدخل بيته فلبس درعه وأخذ سلاحه، وفي هذه الأثناء ظن الذين ألحوا بالخروج أنهم قد استكرهوه على ما لا يريد فندموا وقالوا: "يَا رَسُولَ اللهِ، اسْتَكْرَهْنَاكَ وَلَمْ يَكُنْ لَنَا ذَلِكَ، فَإِنْ شِئْتَ فَاقْعُدْ"، وهنا يتجلى المبدأ القيادي؛ إذ لم يشأ ﷺ أن يعود عن موافقته بعد أن أخذ أُهبته للقتال على عكس ما حدث في بدر، ولعل الحكمة الجلية في هذا أن البحث في الأمر بعد أخذ العدة للقتال وظهور القائد لابسًا دروعه هو شيء خارج عن حدود ما يقتضيه مبدأ التشاور الذي يحتاج إلى قدر كبير من الحزم والعزم، ولأن التراجع حينها قد يولد شعورًا بالضعف والاضطراب في الإرادة النابع من الخوف، لذا أجابهم بعبارة حاسمة قائلًا: «مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لأَمْتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ» [سيرة ابن هشام ٢/ ٦٣، البداية والنهاية ٥/ ٣٤٩]
خرج رسول الله ﷺ في ألف من أصحابه، واستخلف ابن أم مكتوم على الصلاة بمن بقي في المدينة، وكان ﷺ قد رأى رؤيا ذات مغزى عميق، يقول ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رَأَيْتُ بَقَرًا لِي تُذْبَحُ؟ قَالَ: فَأَمَّا الْبَقَرُ فَهِيَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي يُقْتَلُونَ، وَأَمَّا الثَّلْمُ الَّذِي رَأَيْتُ فِي ذُبَابِ سَيْفِي، فَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُقْتَلُ»، فجاءت هذه الرؤيا لتكون تهيئة نفسية لما سيقع من ابتلاءات، وفي الطريق وتحديدًا بالشوط بين المدينة وأحد بدأ التمحيص الإلهي للصفوف لتتطهر من النفاق، حيث تقاعس عبد الله بن أبي بن سلول وانسحب بنحو ثلث الجيش متذرعًا بقوله: "تخالفني وتسمع غيري"، فحاول عبد الله بن عمرو بن حرام ثنيهم وتبعهم يوبخهم ويحضهم على الرجوع قائلًا: "يَا قَوْمِ، أذكِّركم اللَّهَ أَلَّا تَخْذُلُوا قومكم ونبيّكم عِنْد مَا حَضَرَ مِنْ عَدُوِّهِمْ" فأجابوه ببرود المنافقين: "لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكُمْ تُقَاتِلُونَ لَمَا أَسْلَمْنَاكُمْ، وَلَكِنَّا لَا نَرَى أَنَّهُ يَكُونُ قِتَالٌ"، فرجع عنهم وهو يقول: "أَبْعَدَكُمْ اللَّهُ أَعْدَاءَ اللَّهِ، فَسَيُغْنِي اللَّهُ عَنْكُمْ نَبِيَّهُ" موقنًا أن الله غني عنهم، ثم مضى الجيش ومرّوا بحائط لمنافق أعمى فقام يحثو التراب في وجوه المسلمين بوقاحة قائلًا: "لَا أُحِلُّ لَكَ يَا مُحَمَّدُ، إنْ كُنْتَ نَبِيًّا، أَنْ تَمُرَّ فِي حَائِطِي، وَأَخَذَ فِي يَدِهِ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ"، ثُمَّ قَالَ: "وَاَللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي لَا أُصِيبُ بِهَذَا التُّرَابِ غَيْرَكَ لَرَمَيْتُكَ بِهِ"، فَابْتَدَرَهُ الْقَوْمُ لِيَقْتُلُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَعُوهُ، فَهَذَا الْأَعْمَى، أَعْمَى الْقَلْبِ، أَعْمَى الْبَصِيرَةِ» [سيرة ابن هشام ٢/٦٣- ٦٤، ٥٢٣]
وصل الجيش النبوي الذي صفى على سبعمائة مقاتل فيهم خمسون فارسًا إلى الميدان، فنزل ﷺ في الشِّعب من أحد في عُدوة الوادي جاعلًا ظهره إلى الجبل حمايةً لمؤخرة جيشه، وفي صباح السبت عبَّأ صفوفه ووضع خطة تكتيكية محكمة؛ حيث اختار خمسين راميًا وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير وأوعز إليهم بصرامة: «إِنْ رَأَيتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيتُمُونَا هَزَمْنَا الْقَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرسِلَ إِلَيْكُم» [صحيح البخاري: ٥/ ٢٩]، وفي مشهد يعكس روح الأمة النابضة بالبذل استعرض النبيُّ ﷺ الشبابَ فَأجَاز من أجَاز ورد من ردَّ، فَكَانَ فِيمَن ردَّ زيدُ بن ثابات، وَعبد اللَّه بن عمر، وَأسيد بن ظهير، والبراء بْن عَازِب، وعرابة بْن أَوْس الْحَارِثِيّ، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، وَأَجَازَ سَمُرَة بْن جُنْدُب، وَأما رَافع بْن خديج فَإِن رَسُول اللَّهِ ﷺ استصغره فَقَامَ على خُفَّيْنِ وتطاول على أَطْرَافه، فَلَمَّا رَآهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ أجَازه لتكون العبرة بالطاقة والاحتمال لا بمجرد البلوغ [الثقات لابن حبان ١/٢٢٤].
في المقابل تعبأت قريش في ثلاثة آلاف ومائتي فارس واضعةً خالد بن الوليد على الميمنة وعكرمة بن أبي جهل على الميسرة، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ»؟ فَقَامَ إلَيْهِ رِجَالٌ، فَأَمْسَكَهُ عَنْهُمْ، حَتَّى قَامَ إلَيْهِ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ، أَخُو بَنِي سَاعِدَةَ، فَقَالَ: وَمَا حَقُّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَن تقاتل بِهِ الْعَدُوَّ حَتَّى يَنْحَنِيَ»، قَالَ: أَنَا آخُذُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِحَقِّهِ، فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ، وَكَانَ أَبُو دُجَانَةَ رَجُلًا شُجَاعًا يَخْتَالُ عِنْدَ الْحَرْبِ، إذَا كَانَتْ، وَكَانَ إذَا أَعُلِمَ بِعِصَابَةِ لَهُ حَمْرَاءَ، فاعتصب بهَا علم الناس أَنَّهُ سَيُقَاتِلُ، فَلَمَّا أَخَذَ السَّيْفَ مِنْ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْرَجَ عِصَابَتَهُ تِلْكَ، فَعَصَبَ بِهَا رَأْسَهُ، وَجَعَلَ يَتَبَخْتَرُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حِينَ رَأَى أَبَا دُجَانَةَ يَتَبَخْتَرُ: «إنَّهَا لمشية يبغضها الله، إلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ»، وتقدم أبو عامر الذي كان يُسمى في الجاهلية بالراهب فسماه النبي ﷺ الفاسق، فكان أول من لقي المسلمين ونادى قومه فكان ردهم عليه خزيًا ثم قاتل بشراسة، وصدح المسلمون بشعارهم يومئذ "أَمِتْ، أَمِتْ" وانطلق أبطال الإسلام يسطرون الملاحم؛ فأبلى أبو دجانة وطلحة بن عبيد الله وأسد الله حمزة وعلي بن أبي طالب وأنس بن النضر وسعد بن الربيع بلاءً حسنًا، وكانت الدولة والغلبة في أول النهار للمسلمين فانهزم المشركون وولّوا مدبرين يجرون أذيال الخيبة حتى وصلوا إلى نسائهم [سيرة ابن هشام (٢ / ٦٧)].
وهنا حدثت نقطة التحول الكبرى؛ فلما رأى الرماة هزيمة قريش ظنوا أن المعركة انتهت وقالوا: "الْغَنِيمَةَ الْغَنِيمَةَ" فصرخ فيهم أميرهم عبد الله بن جبير مذكّرًا إياهم بعهد رسول الله ﷺ ووصيته القاطعة قائلا: "عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا تَبْرَحُوا" فلم يسمعوا ونزلوا يطلبون الغنائم مخلفين وراءهم الثغرة مكشوفة، لتكون هذه المخالفة الصريحة لأمر القيادة ثغرة استراتيجية التقطها بذكاء عسكري خالد بن الوليد فكرَّ بفرسان المشركين من خلف الجبل ليجدوا الثغر خاليًا، وأحاطوا بالمسلمين بغتةً فانقلب المشهد من نصر مؤزر إلى فوضى عارمة وتشتت صفوف المسلمين وأكرم الله سبعين من أبطال الصحابة بالشهادة [الطبقات الكبرى ٢/٣٦، صحيح البخاري: ٤٠-٤٣].
في خضم هذا التخبط استهدف المشركون رسول الله ﷺ شخصيًا؛ فخلصوا إليه وجرحوا وجهه الشريف، وكسروا رَباعيته اليمنى، وهشموا البيضة على رأسه، ورموه بالحجارة فجعل الدم يسيل وهو يمسحه قائلًا: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ، وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ» فَأَنْزَلَ اللهُ - عز وجل: ﴿لَیۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَیۡءٌ أَوۡ یَتُوبَ عَلَیۡهِمۡ أَوۡ یُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وجاءت السيدة فَاطِمَةُ - رضي الله عنها - بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَغْسِلُ الدَّمَ عن رسول الله وَكَانَ سيدنا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رضي الله عنه - يَسْكُبُ عَلَيْهَا الماء فَلَمَّا رَأَتْ السيدة فَاطِمَةُ - رضي الله عنها - أَنَّ الْمَاءَ لَا يَزِيدُ الدَّمَ إِلَّا كَثْرَةً أَخَذَتْ قِطْعَةَ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا ثُمَّ أَلْصَقَتْهُ بِالْجُرْحِ فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ [متفق عليه]، وهنا تجلت صورة من صور الفداء النابعة من الإيمان والمحبة لرسول الله ﷺ؛ حين تراجع الناس عن رسول الله ﷺ، ثبت أبو طلحة كالجبل الأشم أمام النبي ﷺ، يحميه ويدافع عنه، وكان أبو طلحة راميًا ماهرًا قويًا، حتى إنه كسر قوسين أو ثلاثة في ذلك اليوم من شدة رميه، وكلما مر رجل يحمل جعبة من السهام، أمره النبي ﷺ أن ينثرها بين يدي أبي طلحة ليرمي بها، وعندما حاول النبي ﷺ أن يشرئب بعنقه لينظر إلى صفوف الأعداء، خاف عليه أبو طلحة وقال له في فدائية نادرة: "يَا نَبِيَّ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، لَا تُشْرِفْ يُصِيبُكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ، نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ" [صحيح البخاري: ٤٠٦٤]، وترّس أبو دجانة نفسه والنبل يقع في ظهره لا يتحول، وقاتل زياد بن السكن وخمسة من أصحابه دونه حتى أثبتتهم الجراح، وكان آخرهم عمارة بن يزيد فَقَاتَلَ حَتَّى أَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ ثُمَّ فَاءَتِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيْئَةٌ فَأَجْهَضُوهُمْ عَنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «أَدْنُوهُ مِنِّي» فَأَدْنَوْهُ مِنْهُ، فَوَسَّدَهُ قَدَمَهُ فَمَاتَ وَخَدُّهُ عَلَى قَدَمِ رَسُولِ اللَّه ﷺ [دلائل النبوة للبيهقي ٣/٢٣٤]
وتلك المحبة هي التي جعلت جريحًا كسعد بن الربيع رضي الله عنه وهو في الرمق الأخير يقول لمن يبحث عنه: " أَبْلِغْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: إنَّ سَعْدَ بْنَ الرَّبِيعِ يَقُولُ لَكَ: جَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا خَيْرَ مَا جَزَى نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ، وَأَبْلِغْ قَوْمَكَ عَنِّي السَّلَامَ وَقُلْ لَهُمْ: إنَّ سَعْدَ ابْن الرَّبِيعِ يَقُولُ لَكُمْ: إنَّهُ لَا عُذْرَ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ إنْ خَلُصَ إلَى نَبِيِّكُمْ ﷺ وَمِنْكُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ " [سيرة ابن هشام ٢/٩٥]
أثناء ذلك شاع في الناس أن رسول الله ﷺ قد قُتل فكانت هذه الشائعة من أشد ما أدخل الرعب في القلوب فذهب ضعاف الإيمان يولون الأدبار قائلين: "فما مقامنا هنا إذا كان قد قُتل"، والحكمة في ذيوع هذا الخبر أن ارتباط المسلمين به ﷺ كان له من القوة بحيث لم يكونوا يتصورون فراقه ولو استيقظوا على وفاته الحقيقية فجأة لزعزع ذلك كيانهم الإيماني، فكانت هذه الشائعة تجربة درسية قاسية كي يستفيق المسلمون ويوطنوا أنفسهم على حمل الأمانة من بعده فنزل: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولࣱ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِی۟ن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰۤ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، وقد اتضح الأثر الإيجابي لهذا الدرس يوم لحق ﷺ بالرفيق الأعلى فثبتوا ونهضوا بالدعوة، أما في أرض المعركة فقد تجلى أثر اليقين في أنس بن النضر الذي صرخ: مر على قوم جلوس فقال: مَا يُقْعِدُكُمْ؟ قَالُوا: قُتِلَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: فَمَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ؟ قُومُوا فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ! ثُمّ جَالَدَ بِسَيْفِهِ حَتّى قُتِلَ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ: إنّي لَأَرْجُو أَنْ يَبْعَثَهُ اللهُ أُمّةً وَحْدَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَوُجِدَ بِهِ سَبْعُونَ ضَرْبَةً فِي وَجْهِهِ. مَا عُرِفَ حَتّى عَرَفَتْ أُخْتُهُ حُسْنَ بَنَانِهِ، وَيُقَالُ حُسْنَ ثَنَايَاهُ [مغازي الواقدي ١/٢٨٠].
أقبل النبي ﷺ نحو المسلمين فكان أول من عرفه تحت المغفر كعب بن مالك، فبشر القوم وتجمعوا حوله ونهضوا معًا للاحتماء بالشِعب في الجبل، وحاول أبيّ بن خلف الذي لطالما توعد بقتل النبي ﷺ أن يقتحم الصفوف، فتناول النبي ﷺ حربة من الحارث بن الصمة، وطعنه في ترقوته طعنةً أسقطته قتيلًا ليتحقق وعد قاله له في مكة: «بل أنا أقتله إن شاء الله»، وعندما خبا سعير المعركة، أشرف أبو سفيان شامتًا ينادي مستفهمًا عن حياة النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فوجههم النبي ﷺ بالصمت في البداية إهانةً وتحقيرًا للمشركين، فلما أخذت أبا سفيان العزة بالإثم ونادى: " اُعْلُ هُبَلُ " أمرهم النبي ﷺ برد العزة الإيمانية: «قولوا اللهُ أَعْلَى وَأَجَلّ»، ولما تفاخر أبو سفيان قائلًا: "يوم بيوم بدر والحرب سجال" انبرى له الفاروق عمر بكلمة تفصل بين الحق والباطل: "لَا سَوَاءَ، قَتْلَانَا فِي الْجَنّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النّارِ" [مغازي الواقدي ١/٢٩٧].
لم تكن غزوة أحد مجرد معركة عسكرية، بل كانت اختبارًا حقيقيًّا لتمحيص المؤمنين وتربية النفوس، ولقد أثبتت أن النصر مرهون بالطاعة للقيادة، وأن المحن قد تحمل في طياتها خيرًا كثيرًا، لتصنع جيلًا صلبًا قادرًا على حمل أمانة الإسلام وثابتًا أمام أعتى التحديات المستقبلية.
تقع بدر بين مكة والمدينة، وهي موقع غزوة بدر الكبرى في ١٧ رمضان من السنة الثانية للهجرة، وحقق المسلمون بقيادة النبي - صلى الله عليه وسلم - انتصارًا ساحقًا على قريش، رغم تفوق المشركين عدديًّا.
تُعتبر غزوة خيبر حدث مهم في التاريخ الإسلامي، حيث شهدت مواجهة المسلمين بقيادة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- لليهود المتحصنين في حصون خيبر.
وقعت غزوة مؤتة في شهر جمادى الأولى سنة ٨ هـ؛ حيث التقى أهل المنهج الرباني بأهل منهج الباطل، فالتقى الإيمان بالقوة، ليعلن أن رسالة الإسلام لم تقم بالسيف غزوًا أو اعتداءًا، بل دفاعًا وردًا للاعتداء على الأنفس أو على الكرامة والإنسانية.