Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مناقشة عبد الله بن عباس للخوارج

الكاتب

أ.د. عبد الحكيم الصعيدي

مناقشة عبد الله بن عباس للخوارج

يُعد ظهور طائفة الخوارج في أعقاب الفتنة الكبرى نموذجًا لأخطر الانحرافات الفكرية في تاريخ الأمة، حيث خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وكفّروا مرتكب الكبيرة، ولم يواجه الإمام علي ـ رضي الله عنه ـ هذه الطائفة بالعنف ابتداءً، بل آثر المنهج القويم: الحوار الهادئ والجاد.

من هم الخوارج؟

الخوارج طائفة من المسلمين، خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بالعراق، في أعقاب قبوله للتحكيم، وهم الذين يُكَفِّرون مرتكب الكبيرة، ويكفرون من يرفض حكم الله من أجل حكم البشر، وشعارهم: (لا حكم إلا لله)، وقد نبَّه الإمام علي - رضي الله عنه - على زيف هذا الشعار، وقال عنه: (كلمة حق أريد بها باطل).

استئذان ابن عباس أمير المؤمنين علي في مناقشة الخوارج

استأذن ابن عباس أمير المؤمنين عليًّا في مناقشة الخوارج فأذن له، فلما ذهب إليهم قالوا: ما جاء بك؟ قال: جئتكم من عند أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وليس فيكم منهم أحد، ومن عند ابن عم رسول الله، وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله، جئت لأبلغكم عنهم، وأبلغهم عنكم.

قلت: ماذا نقمتم عليه؟ قالوا: ثلاثًا، فقلت: ما هنَّ؟ قالوا حكم الرجال في أمر الله، وقال الله: {‌إِنِ ‌ٱلۡحُكۡمُ ‌إِلَّا لِلَّهِ} [يوسف: ٤٠] قلت: هذه واحدة، وماذا أيضًا؟ قالوا: فإنه قاتل ولَمْ يَسْب ولم يَعْلَم، فلئن كانوا مؤمنين ما حل قتالهم، ولئن كانوا كافرين لقد حلَّ قتالهم وسبيهم، قلت: وماذا أيضا؟ قالوا: ومحا نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين، قلت: أرأيتم إن أتيتكم من كتاب الله وسنة رسوله ما ينقض قولكم هذا أترجعون؟ قالوا: وما لنا لا نرجع؟ قلت: أما حكم الرجال في أمر الله فإن الله قال في كتابه: {‌يَٰٓأَيُّهَا ‌ٱلَّذِينَ ‌ءَامَنُواْ ‌لَا ‌تَقۡتُلُواْ ‌ٱلصَّيۡدَ ‌وَأَنتُمۡ ‌حُرُمٞۚ ‌وَمَن ‌قَتَلَهُۥ ‌مِنكُم ‌مُّتَعَمِّدٗا ‌فَجَزَآءٞ ‌مِّثۡلُ ‌مَا ‌قَتَلَ ‌مِنَ ‌ٱلنَّعَمِ ‌يَحۡكُمُ ‌بِهِۦ ‌ذَوَا ‌عَدۡلٖ ‌مِّنكُمۡ} [المائدة: ٩٥]، وقال في المرأة وزوجها: {‌وَإِنۡ ‌خِفۡتُمۡ ‌شِقَاقَ ‌بَيۡنِهِمَا ‌فَٱبۡعَثُواْ ‌حَكَمٗا ‌مِّنۡ ‌أَهۡلِهِۦ ‌وَحَكَمٗا ‌مِّنۡ ‌أَهۡلِهَآ} [النساء: ٣٥]  فصيّر الله ذلك إلى حكم الرجال، فنشدتكم الله، أتعلمون حكم الرجال في دماء المسلمين وإصلاح ذات بينهم أفضل، أم في حكم أرنب ثمنه ربع درهم، وفي بضع امرأة؟ قالوا: بلى هذا أفضل، قال: أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم، قال: فأمَّا قولكم: قاتل فلم يسب ولم يغنم، أفتسبون أمَّكم عائشة؟ فإن قلتم: نسبيها، فنستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم، وإن قلتم: ليست بأمّنا فقد كفرتم، فأنتم ترددون بين ضلالتين، أخرجت من هذه؟ قالوا: بلى، قلت: وأما قولكم: محا نفسه من إمرة المسلمين، فأنا آتيكم بمن ترضون: إن نبي الله يوم الحديبية حين صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال أبو سفيان وسهيل بن عمرو: ما نعلم أنك رسول الله، ولو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : اللهم أنك تعلم أني رسولك، امح يا علي واكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وأبو سفيان وسهيل ابن عمرو، قال: فرجع منهم ألفان.

أهمية الحوار الهادئ والهادف في حل النزاع

يتضح لنا أهمية الحوار الهادئ والهادف في فض النزاعات حتى في مثل هذه الأمور المعقدة، فابن عباس ـ رضي الله عنهما - كان مثالًا يحتذى، فهو حبر الأمة، وهو الذي دعا له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو صغير فقال: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ»، ونحن نرى أنه قد بدأ حواره هذا بتنبيه الخوارج إلى أمر هام، وهو صحبة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي شرف لم ينله أي منهم.

ومما لا شك فيه أن الصحابة كانوا أكثر فهما لكتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكل هذا يعينهم على حسن التطبيق، والتخلص من المواقف المتأزمة بدقة وواقعية وفهم عميق.

وقد التزم ابن عباس في مناقشته إياهم بالمنهج القرآني، وهو المجادلة بالحسنى، ويتضح لنا ذلك من اكتفائه بالردود الصحيحة مع بُعده التام عن تسفيه أحلامهم، والسخرية من آرائهم، بل اعتمد على القول الطيب، ودحض الشبهة بالحجة الواضحة القوية، كما تحلى بالصبر وسعة الصدر وضبط النفس، وهذه صفات يجب أن تتوفر في السفراء والوسطاء، الذين يضطلعون بالمهام الجسام.

وقد آثرت وضع هذا النموذج الحواري، لكي يتضح لنا أهمية التسلح بالحجة والمنطق والخبرة في مثل هذه المواطن وفي غيرها، فذلك كله ينبع من مشكاة الدين الإسلامي الحنيف، وهذا يقتضي منا مواصلة الجهد، والمثابرة في تحصيل العلم النافع المثمر، بعيدًا عن المهاترات، والمزايدات التي من شأنها تعميق هوة الخلاف، والتي لا يجني الناس من ورائها إلا الفرقة والشتات والتشرذم.

الخلاصة

إن مناظرة عبد الله بن عباس للخوارج تُعد نموذجًا تاريخيًا خالدًا لـ أهمية الحوار الهادئ والعلمي في مواجهة الأفكار الضالة والمتطرفة، ولقد أثبت ابن عباس بالدليل القاطع من الكتاب والسنة أن شعار "لا حكم إلا لله" يُستخدم في غير موضعه، وأن التكفير والتهور لا يمثلان المنهج الإسلامي الصحيح، وهذه الواقعة لم تقتصر فائدتها على إقناع عدد كبير من الخوارج بالعودة إلى الصواب فحسب، بل أرست قاعدة منهجية للأمة؛ وهي أن التسلح بالبصيرة والحجة الدامغة هو السلاح الأقوى لحل النزاعات الفكرية الكبرى، وهذا المنهج هو ما يعيننا اليوم على التخلص من المواقف المتأزمة، وتحقيق المصالح الجادة للمسلمين، وتعليم الأجيال أن التشدد والفرقة ليسا من جوهر ديننا، بل الحوار والمنطق السليم هو طريق الوحدة.

موضوعات ذات صلة

 إنَّ المتأمل في عواصف التاريخ يدرك أنَّ الإرهاب ليس نبتةً طارئة؛ بل هو كدورةٍ خبيثة من عُقد الاستعلاء ونزعات البطش .

 إنَّ المتأمل في مجريات العصر الحديث يدرك أنَّ الإرهاب قد استحال من نزوةٍ عابرة إلى "منظومةٍ كالحَة".

إن مأساة العصر تكمن في اجتراء أقوامٍ على سفك الدماء باسم رب الأرض والسماء.

موضوعات مختارة