Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

تشريح جذور الإرهاب في ذاكرة الأمم وسياقات الاستعلاء

الكاتب

هيئة التحرير

تشريح جذور الإرهاب في ذاكرة الأمم وسياقات الاستعلاء

هل الإرهاب ظاهرة حديثة مرتبطة بالعصر الرقمي؟ 

يمثل الإرهاب "دورة خبيثة" ضاربة في القدم؛ فقد تغذى على صراعات السلطة الغابرة واستعلاء الأمم البائدة، ليبقى عاهة فكرية قديمة تختطف إرادة الإنسان وكرامته.

فلسفة القوة وبدائية البطش

من استلاب الفطرة إلى مأسسة القهر:

لقد انبلج فجر الخليقة في أطواره الأولى على نزوعٍ بشري نحو (المغالبة)؛ حيث توهمت النفس الجامحة أنَّ سُدّة الحكم ومنعة السلطان لا تُنال إلا عبر وهج القوة الصرفة، ففي تلك العصور الخالية، ساد قانونٌ (غابويٌّ) جعل البقاء حكرًا على الأقوى، فاستحالت القوة من وسيلة لعمارة الأرض وإرساء العدل إلى خنجرٍ مسموم يُستعمل للعنف والتحكم والقهر المطلق، وما لبث هذا التسلط الفرعي الفردي أن تطور إلى (إرهاب مؤسسي) منظم، تبنته الأنظمة الطبقية والسلطات الجائرة، فوجهت آلاتها القمعية ضد الشعوب المسحوقة، ومورست في سبيل ذلك أشد وسائل الترويع نكرًا، وحيكت في ظلام الكواليس مؤامرات الاغتيال السياسي طلبًا للسيطرة على الحكم والثروة.

إن هذا الانحراف الفطري هو ما يصفه الشرع الشريف بـ(البغي)، وهو الخروج عن حد الاعتدال في معاملة الخلق، فالمتطرف قديمًا وحديثًا ينطلق من (مركزية الذات) التي تسعى لسحق الآخر، وإذا ما استنطقنا التاريخ المصري القديم في بردياته الخالدة، نجد صدىً مروعًا لصراعات دموية دارت رحاها بين سدنة المعابد؛ ليس إعلاءً لكلمة الله، بل دفاعًا عن مكاسب دنيوية مُغلفة بأفكار آلهتهم، وكانت العقوبات آنذاك تتجاوز حدود المنطق البشري، فاستُخدمت وسائل شديدة الردع ضد كل من تسول له نفسه التآمر على العرش، بل وضد من كتم سرًا أو علم بمكيدة ولم يرفع بها خبرًا للسلطان [د. عبد الرحيم صدقي، الإرهاب،: ص ١٣؛ د. منتصر سعيد حمودة، الإرهاب الدولي: ص ١٩].

إن الإسلام جاء ليرسخ قاعدة: ﴿وَمَاۤ أُرِیدُ أَنۡ أَشُقَّ عَلَیۡكَۚ﴾ [القصص: ٢٧]، وليؤكد أنَّ (الرفق ما كان في شيء إلا زانه)، بينما الإرهاب هو انقطاعٌ كلي عن معاني الرفق، وارتكاسٌ نحو جاهلية القوة التي تأنفها النفوس السوية.

إرهاب الأيديولوجيا في مهد الحضارات

النموذج الفرعوني واليوناني:

واجهت مصر في عصورها الغابرة نوعًا من الإرهاب قد يباين في (أدواته) إرهاب عصرنا الحديث، لكنه يتحد معه في (الدوافع) و(المآرب)، فهو إما نتاج نوازع سياسية محمومة تبتغي سُدة الحكم، أو ثمرة لاتجاهات دينية أيديولوجية تحاول فرض أجندتها مهما كانت التضحيات، وقد تجسد هذا الإرهاب في أبشع صوره وهي (الاغتيالات السياسية)؛ ولعل الذاكرة التاريخية لمصر تحفظ قصة الملك (ست) الذي اغتال أخاه الملك (أوزوريس) في صراعٍ سلطوي مرير [د. أحمد محمد أبو مصطفى، الإرهاب ومواجهته جنائيًا: ص ١٧].

أما في بلاد اليونان، فقد نبتت أخطر بذور التطرف وهي (العنصرية الاستعلائية)؛ إذ آمن اليونانيون بأنهم شعبٌ فُضِّل على سائر الأمم، وأنَّ من حقهم الطبيعي إخضاع الآخرين بالحديد والنار [د. محمد جرادي، الإرهاب في الشريعة والقانون، ص ٥٧]، هذه النظرة العنصرية هي التي دفعت الإسكندر المقدوني خلال زحفه نحو الشرق الأدنى (٣٣٣-٣٢٣ ق.م) لانتهاج سياسة (الأرض المحروقة)، مخلفًا وراءه مدنًا محترقة ومذابح بشرية مروعة كجزء من استراتيجية الإخضاع والترهيب [د. أحمد محمد أبو مصطفى: مرجع سابق، ص ١٨].

إن هذا الاستعلاء هو عين ما حذر منه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» [أخرجه مسلم في صحيحه]؛ فالمتطرف (يغبط الناس) أي يحتقرهم ويهدر دمهم، وهو ما يفعله (خوارج العصر) اليوم حين يحتقرون دماء المسلمين ومقدرات الأوطان تحت شعارات زائفة، مكررين خطيئة الإسكندر القديمة في إحراق الحواضر والمدن.

توحش الأدوات وابتداع الرعب

من وحشية الرومان إلى غدر السيكارى:

لقد شهد التاريخ القديم تفننًا ساديًا في ابتداع وسائل الترويع، ففي بلاد اليونان سقطت مدنٌ تحت حكم طغاةٍ ساموا المعارضين سوء العذاب، نذكر منهم الطاغية (فلاريس) عام (٥٦٥ ق.م)، الذي حوّل الموت إلى سيمفونية من الألم؛ حيث كان يشوي خصومه داخل (ثور نحاسي) ضخم موقدًا تحته نارًا هادئة، لترتفع صرخات المساجين عبر قصبات مزمارية فنية، فتتحول أناتهم إلى ألحان موسيقية يتلذذ بسماعها [إمام عبد الفتاح إمام، الطاغية،: ص ٣٨].

وبالانتقال إلى الإمبراطورية الرومانية، نجد علاقتها بالأمم قد اصطبغت بالعداء الدائم القائم على البطش بالسيف، فكان كل من يقاوم فتوحاتها يواجه قسوة بالغة تصل إلى بتر الأطراف [د. محمد جرادي، مرجع سابق، ص ٦٠]، بل إن الرومان جعلوا من (الموت) ترفيهًا للجمهور عبر حلقات (الجلادين) والمبارزة في الساحات العامة؛ حيث يُساق الأسرى والمساجين لمواجهة وحوش ضارية كالأُسد الجائعة التي تنهش أجسادهم في احتفالات دموية صاخبة [د. حسين شريف، مرجع سابق، ص ٧٥].

وفي مقابل هذا القهر السلطوي، ظهر (الإرهاب الأيديولوجي) في أقبح صوره عند جماعة السيكارى - Sicaires) في فلسطين (٦٦-٧٣ ق.م)، هؤلاء الذين لقبهم الرومان بـ(القتلة)، قد اعتمدوا (العنف السياسي) سبيلًا؛ فكانوا يطعنون أعداءهم بخناجر قصيرة (Sica) يخفونها تحت ثيابهم في وضح النهار وأثناء الزحام، ثم يذوبون في الحشود بفعل مهارة إجرامية فائقة [د. أحمد جلال عز الدين، الإرهاب والعنف السياسي: ص ٨٧، ٨٨]، إن هذه الجماعة هي الجد الأعلى لجماعات (الاغتيال السياسي) المعاصرة، التي تختطف النص لتقتل النفس، وهو ما ينهى عنه قوله تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَیۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِیعࣰا﴾ [المائدة: ٣٢].

الوثنية الطبقية واستلاب الكرامة

النموذج الهندي وصناعة التكفير الاجتماعي:

لقد بلغ الامتهان للذات البشرية ذروته في الهند القديمة؛ حيث قيدت الشرائعُ الشخصيةَ الملكية بقدسيةٍ زائفة، وجعلت (الجرائم السياسية) معادلةً في قبحها لـ(الجرائم الماسة بالآلهة) [د. عبد الرحيم صدقي، مرجع سابق، ص ٥٥]، وجاء (قانون مانو) (Manou) ليحكم قبضته على العقول، فاعتبر أن الملك نارٌ تحرق من يقترب منها دون وقار، فكان يعاقب كل من تجرأ بالحديث بغير هيبة أمام الملك بـ(الحرق حيًّا) هو وعائلته بأسرها [المرجع السابق، ص ٥٥].

وفي ظل هذا (الإرهاب القانوني)، تربعت طبقة (البراهمة) على عرش الامتيازات، فصار البراهمي هو (السيد المطلق) لكل كائن حي، بل صار هو التجسيد الحي للسلطة، وكل من حاول النصح أو التوجيه من الطبقات الدنيا واجه الموت بأساليب وحشية، كما حدث للمرأة (سودرا) التي أُلقيت في (زيت مغلي) لمجرد أنها تجاسرت وقدمت نصيحة لأحد البراهمة [المرجع السابق، ص ٥٦]، إن هذا النظام القائم على تقسيم الشعب لثلاث طبقات (الملك، رجال الدين، الشعب) قد حول العامة إلى (سلع) تباع وتشترى، ويحق للسيد الإقطاعي التصرف في أرواحهم كما يشاء [د. محمد جرادي، مرجع سابق، ص ٥٧].

إن المتطرف المعاصر يستحضر هذه (الوثنية الطبقية) حين يُصنف المجتمع إلى (عوامٍ جهلة) أو (كفارٍ مرتدين) في مقابل (عصبةٍ مؤمنة) (هم أتباع تنظيمه)، ليعيد إنتاج نظام (البراهمة) القميء في ثوبٍ ديني مشوه، متجاهلًا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، وهي كرامة تشمل الإنسان لكونه إنسانًا، لا لكونه منتميًا لطبقة أو تنظيم.

الخلاصة

إنَّ حقيقة الإرهاب في مكنونها الأصيل ليست إلا (انقطاعًا موحشًا عن أنوار الرحمة)، وارتدادًا قبيحًا نحو جاهلية القوة التي طالما مقتها وجدان التاريخ ونفاها جلال الشرع الشريف، إنَّ تتبع مسالك الترويع في غابر الأزمان يبرهنُ بيقينٍ لا مراء فيه على أنَّ الغلو والتطرف ليسا وليدي الساعة، بل هما (عاهةٌ فكريةٌ) غاشمة، وظلمةٌ تكسو العقول حينما تحجب عنها شموس التنزيه وتغيب عنها قدسية الإنسان.

إنَّ فريضة الوقت، وأمانة الكلمة، تقتضيان منا اليوم (تشريح هذه الأصول النابتة) واستئصال شأفتها من الوعي؛ كي نشيد بدلًا منها صرحًا معرفيًّا رشيدًا، يقدس حرمة الحياة، ويذود عن حمى الأوطان، ويعيد للتاج الإنساني بهاء كرامته التي اصطفاها الله له، فكل مذهبٍ ينزع إلى إهراق القطرة من الدم، أو يستبيح ذرةً من العرض، هو فكرٌ شاذٌّ غريبٌ عن جوهر الرسالات السماوية؛ تلك الرسالات التي ما تنزلت إلا لتنتشل البشرية من (مضائق البطش) وتأخذ بزمامها إلى "فضاءات العدل والجمال".

موضوعات ذات صلة

إن التطرفَ والإرهابَ لا ينبعانِ من سببٍ واحدٍ، بل من شبكةٍ معقّدة منَ العواملِ المتداخلةِ

إن المعركة مع الإرهاب ليست مجرد صدامٍ عسكري؛ بل هي حربٌ مقدسة لاسترداد سماحة الإسلام من براثنِ عقولٍ مَرقت من الدين كما يمرق السهم من الرمية

 إنَّ المتأمل في عواصف التاريخ يدرك أنَّ الإرهاب ليس نبتةً طارئة