Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

تحولات العنف المعاصر وكشف زيوف المتأسلمين

الكاتب

هيئة التحرير

تحولات العنف المعاصر وكشف زيوف المتأسلمين

إن مأساة العصر تكمن في اجتراء أقوامٍ على سفك الدماء باسم رب الأرض والسماء، وإن كشف جذور هذا الغلو هو أول عتبات التحصين الفكري لحماية بيضة الإسلام وصيانة الأوطان.

الإرهاب في العصر الحديث

إن المتأمل في تاريخ العنف السياسي يجد أن "الترهيب الحديث" قد بزغت جذوره في فرنسا، وهو ما نصطلح عليه بـ (إرهاب الدولة) في الأعوام (١٧٩٣-١٧٩٤م)؛ حيث شاع استخدام الإرهاب الثوري في السنوات الأولى للثورة الفرنسية وفي كتابات بعض المنظرين الثوريين والفوضويين في القرن التاسع عشر، وخصوصًا في نصفه الثاني، لقد كان سكان فرنسا يعيشون في حالة رعب دائم من هجمات وأعمال عنف خلال (١٨٩٢-١٨٩٤م)، لدرجة أن الصحافة العالمية آنذاك خصصت لهذه الحوادث زاوية دائمة تحت عنوان (الديناميت) [الموسوعة العربية العالمية، ط٢، ص ٤١٥].

ولم يتوقف هذا المد عند حدود فرنسا، بل امتد إلى روسيا وأوروبا الغربية، وقام على أساس أفكار (باكونين) وسواه من منظري العنف الثوري، وظهرت منظمات مثل: "إرادة الشعب"، "الاشتراكيون الثوريون" في روسيا، وجماعات "الفهد"، "الانتقام"، "المتعبون"، "لجنة الثورة الاجتماعية" في بلدان مختلفة من أوروبا الغربية؛ مما أسفر عن اغتيال العديد من الملوك والقادة، وكانت الشرارة التي أدت لنشوب الحرب العالمية الأولى متمثلة في مقتل أرشيدوق النمسا في سراجيفو [تميم العودات وحسين الطراونة: تاريخ الإرهاب، ص ١٨].

وأعقب ذلك نشوء "إرهاب الدول" المتمثل في الحركات اللينينية والستالينية والفاشية والنازية؛ حيث أسس لينين شرطة سياسية لماربة مناهضي الثورة، كما استخدم هذا الأسلوب العديد من حركات المقاومة الثورية، مثل الثورة الإيرلندية والجزائرية ضد المحتلين، وضد العناصر المتعاونة معهم، وتعاظم دور الإرهاب السياسي ليصبح ظاهرة مختلفة تمامًا بعد الحرب العالمية الثانية؛ حيث عاش الإنسان لأول مرة تحت ظل "الرعب النووي" الذي يهدد بتدمير كوكب الأرض، وظهرت حركة الشباب العالمي في فرنسا ١٩٦٨م في شكل ثورة غير مفهومة الأسباب، أفرزت مفاهيم شاذة كفلسفة "الهيبز"، والفلسفات الفوضوية التي اعتقدت في إمكانية تغيير المجتمعات بالقوة [إحسان محمد الحسن: علم اجتماع العنف والإرهاب، ص ٤٥].

الإرهاب الصهيوني وتزييف المقاصد الدينية في الأرض المقدسة

قبل قيام دولة الكيان الصهيوني عام ١٩٤٨م، استخدمت جماعات إرهابية صهيونية العنف لإنهاء الانتداب البريطاني وإنشاء وطن لليهود، ومن أهمها: "الهاغانا"، "الهاشومير"، "البالماخ"، "الأرغون"، وعصابة "شتيرن"، ومنظمة "كاخ"، قامت هذه المنظمات بغزو المدن الفلسطينية، وارتكاب مجازر فظيعة، منها: مجزرة "دير ياسين" ومذبحة "بئر السبع"، وصولًا لمجازر "صبرا وشاتيلا" [أسعد ومفرج: القاموس السياسي، ص ١١٨].

وبعد قيامها، تكونت جماعات اليهود المتطرفين التي تنكر أي حق للعرب والمسلمين في الوجود، بل وتؤمن بأن قتلهم في مساجدهم -كما حدث في مذبحة الحرم الإبراهيمي بفلسطين- والاستيلاء على مساكنهم ومزارعهم واجب ديني على درجة عالية من التأكيد [أسعد ومفرج: القاموس السياسي، ص ١٢٠].

والأدهى من ذلك أن هذا الفكر المتطرف استمر وتمدد بعد قيام الكيان، لينتج حركات أيديولوجية أشد خطورة مثل منظمة "كاخ" وجماعات "تدفيع الثمن"، التي لا تكتفي باحتلال الأرض، بل تسعى لاستئصال الوجود العربي والإسلامي من جذوره، مستندة إلى تأويلات دينية محرفة تبيح انتهاك الحرمات وسفك الدماء داخل دور العبادة، كما تجلى في أبشع صوره خلال مذبحة الحرم الإبراهيمي؛ حيث تحول فعل القتل لديهم إلى طقس ديني مشوه، إن هذا النوع من "الإرهاب العقدي" يمثل الوجه الآخر لعملة التطرف التي نحاربها، فهو يزيف إرادة الله في كونه، ويجعل من الدين -وهو رحمة للعالمين- وسيلة لإبادة البشر، وتدمير الشجر والحجر، مما يوجب على الضمير العالمي والوعي الإسلامي التصدي له بكافة الوسائل المعرفية والقانونية.

تنظيمات العصر وصناعة التضليل

لقد شهد الزمن المعاصر بروز العديد من الحركات الإرهابية، مثل: "الألوية الحمراء"، وجماعة "بادر ما ينهوف"، وصولًا إلى تنظيم "القاعدة" الذي تأسس خلال الجهاد الأفغاني على يد عبد الله عزام ثم أسامة بن لادن (١٩٨٨-١٩٩٠م)، وهدف هذا التنظيم لإنهاء النفوذ الأجنبي، وإنشاء خلافة جديدة عبر فلسفة مركزية القرار ولا مركزية التنفيذ، أما "حركة طالبان" فتعود نشأتها لمطلع الثمانينات، حين طُوع المجندون الذين دربهم ضباط الاستخبارات الباكستانية بتمويل أمريكي لمقاومة السوفييت، وظهرت الحركة علانية عام ١٩٩٤م بقيادة "الملا عمر" بعد حادثة اختطاف فتاتين في قندهار، ثم فرضت سيطرتها على العاصمة كابول عام ١٩٩٦م، وبالتوازي برز تنظيم "الدولة الإسلامية"، "داعش" الذي يهدف أعضاؤه حسب اعتقادهم إلى إعادة الخلافة، متبعين فكر السلفية الجهادية [صلاح عبود العامري: تاريخ أفغانستان وتطورها السياسي، ص ١٧٨].

والحقيقة أن المخابرات البريطانية كانت لها اليد الطولى في بناء تنظيم الإخوان عام ١٩٢٨م، والمخابرات الأمريكية وسعت أنشطة الإرهاب الأصولي في أفغانستان عام ١٩٧٩م لضرب العقيدة الشيوعية بالأصولية [مروة حامد البدري: نشأة وتطور الجماعات الجهادية، ص ٣٠]، إن واجبنا هو صيانة الدين من هذا الغلو، وتصديقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦].

استرداد الوعي وصيانة الأمانة

إن الحقيقة الكبرى التي تنكشف بعد استقراء هذا التاريخ الدامي هي أن الإرهاب سواء تدثر بعباءة الأيديولوجيا السياسية أو تسربل بقداسة النص الديني المحرّف، يظل في جوهره عدوًا للحياة، وعائقًا أمام العمران البشري، إن تلك الجماعات المارقة التي جعلت من الدماء سلمًا للسلطة، ومن تكفير المجتمعات وسيلة للتمكين، قد سقطت في هاوية الجهل بمقاصد الشريعة التي جاءت لحفظ الضرورات الخمس، وعلى رأسها "النفس" التي هي بنيان الله في الأرض؛ فملعونٌ من هدمه، إننا اليوم أمام معركة وعي وجودية، تقتضي منا تفتيت المفاهيم المشوهة كـ "الحاكمية"، "الولاء والبراء" في صورتها الصدامية، وإعادة الاعتبار لنموذج "الدولة الوطنية" بوصفه الإطار الشرعي والواقعي الذي يحمي الملة ويصون الوطن، إن الواجب يحتم علينا أن نستل من عقول شبابنا فتيل الغلو عبر منهج أزهريّ رصين، يجمع بين فقه النص وفقه الواقع، ويؤكد أن الطريق إلى الله لا يمر عبر أشلاء الأبرياء، بل عبر عمارة الأرض وبث الرحمة في العالمين، وتصديقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَٰلَمِینَ ﴾  [الأنبياء: ١٠٧].

الخلاصة

إن الإرهاب الحديث هو صنيعة انحراف فكري، استغل تعقيدات الصراع السياسي ليشوه جوهر الرسالة المحمدية، وإن الوقوف في وجه هذا الضلال يقتضي كشف زيف شعاراتهم وإبراء سماحة الدين من براثن التكفير، صيانةً للأوطان وحفظًا للدماء المعصومة التي هي أعظم عند الله من هدم الكعبة.

موضوعات ذات صلة

إنَّ تفكيك بنية الإرهاب يبدأ من استئصال جذوره الاجتماعية والثقافية قبل مواجهة ثمارها المُرّة بصحيح المنهج وقوة البيان.

 إنَّ استقرار الأوطان منوطٌ بصلاح أحوال العباد سياسةً واقتصادًا، وإنَّ غياب العدالة وتراكم الأزمات.

إنَّ صون النفوس وحياطة الأوطان بالسياجات الآمنة هو جوهر مقاصد الشريعة الغراء، وما الإرهاب إلا نبتٌ شيطانيٌّ يخرج على السَّواء الإنساني.

موضوعات مختارة