Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

تفكيك آليات القهر وأدوات الترويع في ميزان الشريعة والقانون

الكاتب

هيئة التحرير

تفكيك آليات القهر وأدوات الترويع في ميزان الشريعة والقانون

إنّ مواجهة التطرف الديني تبدأ من كشف زيف أدواته، وبيان بشاعة وسائله، التي يتدثر فيها بعباءة الدين وهو منه براء، فالدين رحمة والترويع نقمة، وهيهات أن يلتقيا في قلب مؤمن.

القوة الغاشمة وسلوك الإرغام في الفكر الضال

إنّ المتأمل في سلوك الجماعات المتطرفة يجد أنّ أول مرتكزاتها هو الركون إلى "القوة" كبديل عن الحجة، وإلى "الإرغام" كبديل عن الإقناع، والقوة في عرف هؤلاء الضالين هي كافة أعمال القهر أو الإرغام، أو الإكراه المادي الذي يراد به إيذاء الأنفس البشرية التي حرم الله قتلها إلا بالحق، أو إلقاء الرعب في قلوب الآمنين، أو تعريض حرياتهم وأمنهم للخطر، إنّ هذه القوة الغاشمة تمتد لتطال البيئة، وتفسد في الأرض بعد إصلاحها، فتعطل المواصلات، وتنال من الأموال والمباني، وتعتدي على دور العبادة ومعاهد العلم التي هي منارات الهدى، وصولًا إلى محاولاتهم اليائسة لتعطيل الدستور والقوانين التي نظمت حياة الناس [انظر: المادة رقم ٨٦ عقوبات المضافة بالقانون المصري رقم ٩٧ لسنة ١٩٩٢م].

والحقّ أنّ العبرة في هذا الجرم هي بما تحدثه تلك القوة من تأثير مادي ملموس ومخيف في العالم الخارجي [د/ محمود صالح العادلي، الارهاب والعقاب، ص ٤٢]، ولا يشترط في شرع هؤلاء المفسدين أن يكون استخدام القوة مقترنًا بسلاح ناريًّا كان أو أبيض، بل إنّ استخدام السلاح - سواء بطبيعته أو بالاستعمال - كالفؤوس والسكاكين والخناجر هو عندهم وسيلة للتمكين لباطلهم [نص المادة ٣٥ مكرر من القانون رقم ٣٩٤ لسنة ١٩٥٤م بشأن الأسلحة والذخائر، المضافة بالقانون المصري رقم ٩٧ لسنة ١٩٩٢م].

إنّ هؤلاء المتطرفين يجعلون من القوة مرادفًا لأعمال القهر، وقد يتوسلون بالضغط الشعبي وتدبير القلاقل والمظاهرات الصدامية كوسيلة للضغط على ثوابت الدولة [د/ أحمد فتحي سرور: الوسيط في قانون العقوبات القسم الخاص، دار الطباعة الحديثة الطبعة الرابعة ۱۹۹۱ م ص ٨٥، د/ إبراهيم عيد نايل: السياسة الجنائية في مواجهة الإرهاب، ص ١٦]، ويهدفون من ذلك كله إلى زعزعة النظام العام وتعريض سلامة المجتمع للخطر، دون اعتبار لجسامة الفعل، فكل ما يمس أمن الناس هو عندهم وسيلة مشروعة في منهجهم المنحرف [د/ إبراهيم عيد نايل: السياسة الجنائية في مواجهة الإرهاب، ص ١٦].

العنف الفكري والمادي.. جذور التشدد ومآلاته

العنف هو الوجه القبيح للتطرف الديني، وهو في جوهره ضغط مُمَارَس ضد إرادة الأمة وسلطتها الشرعية؛ لفرض فهم سقيم للدين، وهذا العنف قد يرتدي ثيابًا عسكرية، أو سياسية، أو فكريًّا، وهو الأخطر؛ إذ يزعم هؤلاء أنّ عنفهم نابع من غيرة دينية، والدين منهم براء [د/ رمسيس بهنام: قانون العقوبات القسم الخاص العدوان على أمن الدولة الداخلي، ص ١٨٤]، إنّ أيّ قدر من هذا العنف، مهما قلّ، يكفي لزعزعة السكينة وضرب الاستقرار [د/ إبراهيم عيد نايل: السياسة الجنائية في مواجهة الإرهاب، ص۱۸].

وتتعدد قراءات العنف؛ فمن الباحثين من يرده إلى أسباب "تاريخية" تخرج الفرد من قبضة التقاليد الراقية ليعود إلى "بدائية" متوحشة تفجر في داخله طاقات الشر [د/ أشرف سيد أبو زيد: السياسة الجنائية الحديثة لمجابهة الإرهاب في القانون المصري والمقارن، ص ۷۲]، وهناك من يردّه إلى "كبت اجتماعي" يدفع الفرد لتفجير غضبه في صورة سلوك منحرف، بيد أنّ التحقيق العلمي الرصين يذهب إلى "التفسير المختلط"؛ حيث يجتمع الاستعداد الفطري للعنف مع ظروف بيئية ملوثة بالفكر الضال، فتنفجر الطاقات البدائية في صورة بشعة، فالعنف سلوك مادي ومعنوي يؤثر في المحيط، ويتخذ صورًا من الضغط الاقتصادي والفكري، وهو أقصى معاني العنف وأشدها فتكًا؛ لأنه نابع من "إيديولوجيا" تقدس الدماء وتكفّر المجتمع [عالي شكرى: أقنعة الارهاب، ص ٤٨٠].

والبعض يرى أنّ العنف المتستر بالدين هو نتاج خلل نفسي أو فكري في الشخصية، تأثر ببيئة حاضنة للغلو، فالظروف الاقتصادية كالبطالة والفقر قد تؤدي بالبعض إلى الانحراف، لكنّ الإيمان الصحيح يحجز صاحبه عن الدناءة، بينما يندفع المتطرف بغرائزه الملبسة بلباس التقوى ليفرز سلوكًا عدوانيًّا يدمر البلاد والعباد.

التهديد وسحق الإرادة تحت مقصلة التكفير

التهديد هو الوعيد الصريح أو الضمني بنشر الخوف في النفوس، وهو سلاح المتطرفين المفضل لكسر إرادة من يخالفهم، إنهم يمارسون ضغطًا نفسيًّا رهيبًا بتخويف الناس من ضرر يلحقهم أو يلحق ذويهم، كالاختطاف أو القتل، ولا فرق في الإجرام بين "الاستخدام الفعلي" للقوة وبين "التهديد" بها، فرفع السكين في وجه البريء، أو التلويح بالسلاح لمجرد الإرهاب، هو عمل عدواني يخل بالنظام العام [د/ إبراهيم عيد نايل: السياسة الجنائية في مواجهة الإرهاب، ص۱۸]، والتهديد عند هؤلاء المتطرفين يتخذ صورًا عديدة؛ منها: القول الغليظ، أو الكتابات التكفيرية، أو الرسوم والرموز الموحية بالقتل، وكلها أدوات لإرهاب المجتمع [د/ محمد أبو الفتح الغنام مواجهة الإرهاب في التشريع المصري ، ص ٣٨].

يقول الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل حماية لأمن الناس: ﴿وَمَن یَقۡتُلۡ مُؤۡمِنࣰا مُّتَعَمِّدࣰا فَجَزَاۤؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدࣰا فِیهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِیمࣰا﴾ [سورة النساء: ٩٣]، فإذا كان هذا وعيد القاتل، فكيف بمن يهدد ويروع ويبث الفتنة بين المسلمين؟ إنّ التهديد هو البوابة الأولى لإراقة الدماء المحرمة.

الترويع واختطاف سكينة المجتمع

الترويع هو "أعلى درجات الخوف"، وهو الغاية التي يسعى إليها المتطرفون لخلق مُناخ عام من الرعب، بحيث يشعر المواطن بالخطر الدائم في بيته وسوقه ومسجده، ومن أمثلة ذلك تلك الجرائم النكراء بتسميم موارد المياه أو وضع المتفجرات في الساحات العامة [د/ إبراهيم عيد نايل السياسة الجنائية في مواجهة الإرهاب، مرجع سابق، ص ۱۹].

والترويع في أصل اللغة هو بث الفزع، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم في قصة إبراهيم - عليه السلام - حين قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنۡ إِبۡرَٰهِیمَ ٱلرَّوۡعُ ﴾ [سورة هود: ٧٤]، وفي القانون الجنائي، يتحقق الترويع بكل فعل يزعج المجني عليه، ويفقده توازنه النفسي وسيطرته على سلوكه، إنّ مجرد رؤية الجاني بهيئته المخيفة أو حركته المباغتة قد تشكل ترويعًا مجرمًا إذا كان الهدف منها بث الرعب [د/ محمود صالح العادلي، الإرهاب والعقاب، ص ٤٩].

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم رحمة مهداة، وكان يحذر بشدة من ترويع الآمنين، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا» [رواه البخاري ومسلم]، وهذا الحديث الشريف هو أقوى رادع ديني لأولئك الذين يجعلون من السلاح لغة للتعامل مع مجتمعاتهم، فمن روع مسلمًا أو معاهدًا فقد خرج عن هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم.

الخلاصة

إنّ وسائل الإرهاب والتطرف من قوة وعنف وتهديد وترويع هي نبتة غريبة عن روح شريعتنا السمحاء، وتفكيكها يتطلب تكاتف الجهود الفكرية والقانونية، إنّ مواجهة التطرف الديني لا تكون إلا باستعادة المفاهيم الحقيقية للدين، ونشر ثقافة الأمان والرفق، ليبقى الوطن واحة للسكينة، والإسلام منارة للسلام التي تحمي النفوس وتصون الحرمات وتدحر قوى الظلام.

موضوعات ذات صلة

 إنَّ المتأمل في عواصف التاريخ يدرك أنَّ الإرهاب ليس نبتةً طارئة؛ بل هو كدورةٍ خبيثة من عُقد الاستعلاء ونزعات البطش .

 إنَّ المتأمل في مجريات العصر الحديث يدرك أنَّ الإرهاب قد استحال من نزوةٍ عابرة إلى "منظومةٍ كالحَة".

إن مأساة العصر تكمن في اجتراء أقوامٍ على سفك الدماء باسم رب الأرض والسماء.

موضوعات مختارة