Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الشيخ محمد رفعت قيثارة السماء

الكاتب

هيئة التحرير

الشيخ محمد رفعت قيثارة السماء

هل كان الشيخ محمد رفعت مجرد صوت عبر الأثير، أم كان آية من آيات الله تجسدت في نبرات تلامس شغاف القلوب وتحيي موات الأرواح؟ إننا بصدد قراءة في سيرة ولي اتخذ من القرآن معراجًا، فأرسى بجهاده وتلاوته أركان دولة التلاوة في مصر والعالم الإسلامي، فصار صوته مدرسة تجمع بين هيبة الأداء، وعفة النفس، ورسوخ العقيدة.

الشيخ محمد رفعت وصوت رمضان الخالد

نحن أمام ظاهرة نورانية، ورجل من رجالات الله، لم يكن مجرد قارئٍ متمكن، بل كان تجليًا إلهيًا في صورة صوتٍ بَشري، هو الشيخ: محمد رفعت، الذي وُلد في التاسع من مايو عام ١٨٨٢م، واختاره الله لجواره في ذات اليوم من عام ١٩٥٠م، وكأنما أراد القدر أن يجعل من حياته دائرة مكتملة النور، بدأت وانتهت في يومٍ واحد، لتظل ذكراه حاضرة مع بزوغ فجر التاسع من مايو في كل عام، حيث يمتزج فيها ميلاد الصوت بوفاة الجسد وبقاء الروح، ليصبح صوت رمضان ورمز الإفطار الخالد.

المحنة التي أورثت المنحة في حياة الشيخ محمد رفعت

بزغ نور الشيخ: محمد رفعت في حي المغربلين بدرب الأغوات بجهة الدرب الأحمر بالقاهرة، ولم يكد يبلغ العامين حتى فَقَدَ بصر عينيه؛ ولمَّا آنس منه والده توجُّهًا لكتاب الله، دفع به وهو في الخامسة إلى كُتَّاب بشتاك الملحق بمسجد فاضل باشا بدرب الجماميز بالسيدة زينب، حيث تلقى القرآن على يد معلمه الأول الشيخ: محمد حميدة، وبعد ست سنوات، شعر شيخه بنبوغه، فبدأ يرشحه لإحياء الليالي في الأماكن المجاورة، ثم صقل موهبته بدراسة علم القراءات والتجويد لمدة عامين على يد الشيخ: عبد الفتاح هنيدي، صاحب أعلى سند في وقته، ونال إجازته، ودرس التفسير والمقامات الموسيقية، فكان من أوائل من أقاموا مدرسة للتجويد الفرقاني بمصر، تأكيدًا لمقولة نزل القرآن بالحجاز، وقُرئ بمصر.

مسئولية مبكرة للشيخ محمد رفعت

واجه الشيخ: محمد رفعت يتم الأب ومرارة فقد العائل وهو في التاسعة، حين توفي والده محمود رفعت الذي كان مأمورًا بقسم شرطة الخليفة (الجمالية)، فوجد اليتيم نفسه مسئولًا عن أسرةٍ تضم والدته وخالته وأخاه محرمًا وأخته، وهنا تجلت عزة حامل القرآن؛ فلجأ للقرآن يعتصم به ولا يرتزق منه، وبدأ في الرابعة عشرة يحيي الليالي بالقاهرة ثم الأقاليم.

تولى القراءة بمسجد فاضل باشا سنة١٩١٨م وهو في سن الخامسة عشرة، وظل وفيًا لهذا المنبر حتى اعتزاله، فنال محبة الخلق، وحرص العظماء كالنحاس باشا والملك فاروق على سماعه.

الشيخ محمد رفعت أسرار الحنجرة وسمت الحياة

أما عن سر تلك الحنجرة الرخيمة التي لُقبت بـقيثارة السماء وكروان الإذاعة، فقد كشف الشيخ:  محمد رفعت في حوار نادر لمجلة الاثنين عام١٩٤٠م عن انضباطٍ صارم؛ فكان يحافظ على صوته بـ:

  •       تجنب البرد والروائح النفاذة (عطرية كانت أم كريهة).
  •       الامتناع عن الأطعمة الحارة كالشطة والفلفل.
  •       ترك العشاء والتدخين تمامًا.

تتجلى عظمة الشيخ رفعت في نفس لم تستعبدها المادة؛ فكان يومُه تلاوةً خاشعة، وأُلفةً أسرية، وبساطةً هي شأن الكبار، لم ينسَ قط (٢٥ قرشًا) نالها في بدايته؛ ليس لقيمتها، بل لأنّ رجلًا بسيطًا زادَه ٥ قروشٍ فوق حقه، فكان هذا الجبرُ للخواطر أعظمَ عنده من الدنيا وما فيها، ليعلمنا أنَّ القليل مع التقدير.. كثيرٌ عند أهل الرضا.

الشيخ محمد رفعت صوتٌ افتتحت به الأمجاد

حين شرعت الإذاعة المصرية في افتتاح إرسالها (٣١ مايو ١٩٣٤م)، وقع الاختيار على الشيخ: محمد رفعت ليكون أول صوت يعبر الأثير، فداخله الورع وخشي أن يبتذل كلام الله في مجالس الغفلة واللهو، فلم يخطُ خطوته إلا بعد أن استفتى شيخ الأزهر الإمام: الظواهري، فأوضح له الإمام فقه الموازنات؛ بأن في صدح القرآن عبر الأثير هداية للغافلين وتذكيراً للغائبين، فلما اطمأن قلبه، استفتح الإرسال بقوله تعالى: {إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحࣰا مُّبِینࣰا} [الفتح: ١]

وتتجلى عفة الدين في موقفه من إذاعة (BBC) البريطانية؛ حيث آثر الورع بالامتناع عن التسجيل لهم ظنًا منه بحرمة ذلك، حتى بيّن له الإمام: المراغي مصلحة التبليغ وعالمية الخطاب القرآني، فصدح بسورة (مريم)؛ ليبرهن للعالم أن صوت القرآن يتجاوز الحدود، وأن ورع العالم هو الذي صان هيبة التلاوة.

الشيخ محمد رفعت تجسيد المعنى وأخلاق الولي

كانت طريقته تتسم بالتجسيد للمعاني؛ يبدأ بالاستعاذة والبسملة والترتيل بهدوء، ثم يعلو صوته ليصبح عاليًا رشيدًا يمس القلب، وكما قال الشيخ: الشعراوي: "إذا أردنا أحكام التلاوة فهو الشيخ: الحصري، وإذا أردنا حلاوة الصوت فهو الشيخ: عبد الباسط عبد الصمد، وإذا أردنا النَّفَس الطويل مع التغني فهو الشيخ: مصطفى إسماعيل، أما إذا أردنا هؤلاء جميعًا فهو الشيخ: محمد رفعت"، لأنه كان ممتلئًا تصديقًا وإيمانًا بما يقرأ.

وكان الشيخ: محمد رفعت نقشبندي النزعة، رحيمًا رقيقًا حتى بالحيوان؛ يتفقد فرسه كل يوم ويوصي بإطعامه، ويُروى من فيض كرمه وقصصه المؤثرة:

  •        قصة اليتيمة: بكى بحرارة عند قوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلۡیَتِیمَ فَلَا تَقۡهَرۡ} [الضحى: ٩] تذكرًا لابنة صديقٍ راحل سأل قبل موته من يرعى فتاتي؟، فخصص لها مبلغًا حتى زوّجها.
  •       إيثار الفقراء: آثر يومًا القراءة لجارة فقيرة في مناسبة لها، معتذرًا عن ذهابه لإحياء ذكرى الملك فؤاد (والد الملك فاروق)، فكان صوته للفقراء قبل الملوك.

ابتلاء الشيخ محمد رفعت وعزة النفس الشامخة

في عام ١٩٤٣م، أصيب الشيخ: محمد رفعت بسرطان الحنجرة أو ما عُرف بالزغطة، فتوقف عن القراءة، ورغم فقره ومرضه، ضرب أروع الأمثلة في العفة؛ إذ اعتذر عن قبول مبالغ ضخمة جُمعت لعلاجه نحو ٥٠ألف جنيه في اكتتاب شعبي، وكذا عروض ملوك ورؤساء العالم الإسلامي، وقال كلمته الخالدة: إن قارئ القرآن لا يُهان ولا يدان.

الشيخ محمد رفعت الرحيل والوداع

رحل الشيخ: محمد رفعت في يوم ميلاده عن عمر ٦٨ عامًا، ودُفن كما حلم بجوار السيدة نفيسة - رضي الله عنها - في قطعة أرض مُنحت له بنى عليها مدفنه، وكان يذهب إليه كل اثنين ليقرأ القرآن، ونعته معظم الإذاعات، وجاء في نعي الإذاعة المصرية: أيها المسلمون، فقدنا اليوم عَلمًا من أعلام الإسلام، فرحم الله قيثارة السماء، وجعل القرآن شفيعًا له، وأسكنه فسيح جناته.

الخلاصة

إن سيرة الشيخ رفعت تبرهن على أن القرآن إذا خالطت بشاشته القلوب، أورث صاحبه عزة لا تنال بمال، ورضًا لا يزعزعه بلاء؛ فبقي صوته فتحًا مبينًا في تاريخ الأمة، وشاهدًا على أن الإخلاص هو السر الذي جعل من اسمه ركيزةً شامخة في دولة التلاوة، وأبقى أثره باقيًا ما بقي الزمان.

موضوعات ذات صلة

هو أبو يعقوب، يوسف بن عمرو بن يسار، المدني ثم المصري، الشهير بـ "الأزرق".

هي جهة حكومية مصرية تابعة لوزارة الأوقاف، أنشأت سنة ١٨٦٠م.

من هو "ورش" الذي يتردد اسمه في محاريب القرآن، وكيف أصبح أيقونة مصرية في علم القراءات؟

 من أبرز أعلام القراءات في العصر الحديث. 

القارئ المصري المعروف، ذاعت شهرته ليصبح قارئًا بارزًا في الإذاعة والمناسبات الملكية، ثم انتقل إلى العالمية.

موضوعات مختارة