Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

شُبهة جمع القرآن

الكاتب

هيئة التحرير

جمع القرآن

الشُّبهة:

المستشرقون يزعمون أن القرآن لم يُدوّن كاملًا في عهد النبي ، وأن ما أُضيف لاحقًا بعد وفاة النبي ﷺ هو من قبيل التحريف، لكن هذا الزعم باطل، فالقرآن حُفظ في الصدور أولًا، ثم كُتب لزيادة التوثيق، كما أن النقط والضبط علامات إيضاحية أضيفت لخدمة النص وتسهيل قراءته، وليست جزءًا من الوحي، مما يؤكد أن تاريخ القرآن واضح ومحفوظ بعكس الكتب السماوية الأخرى.؟

الرد المختصر على الشّبهة

يتناول المقال شبهة المستشرقين حول جمع القرآن الكريم، مدّعين أنه لم يدون بشكل كامل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأن المراحل اللاحقة (أبو بكر وعثمان) أدخلت عليه إضافات كالنقط والضبط. يفند المقال هذه المزاعم مؤكدًا أن القرآن حُفظ بالصدور والسماع المباشر منذ نزوله، وأن كتابته كانت لمزيد من التوثيق، لا لأنها المصدر الوحيد. يوضح أن النقط والضبط وعلامات الوقف هي وسائل إيضاح لخدمة النص وتيسير تلاوته، وليست جزءًا من الوحي، وأنها أضيفت لاحقًا لتسهيل القراءة لغير الحفاظ، دون المساس بقدسية النص الأصلي. في الختام، يؤكد المقال أن تاريخ القرآن واضح ومحفوظ بخلاف الكتب السماوية الأخرى.

العرض التفصيلي للشبهة

العرض التفصيلي على الشبهة:  اتّخذ المعترضون من وقائع جمع القرآن وليجة يتسللون من خلالها للنيل من القرآن، وإيقاع التشكيك في كونه وحيًا من عند الله -عز وجل-.
والواقع أن الذي ألجأهم إلى التسلل من هذه "الوليجة" -وهي وقائع  جمع القرآن- أمران رئيسيّان:
الأول: محاولتهم نزع الثقة عن القرآن وخلخلة الإيمان به حتى لا يظلّ هو  النص الإلهي الوحيد المصون من كل تغيير أو تبديل، أو زيادة أو نقص.  

الثاني: تبرير ما لدى أهل الكتاب (اليهود والنصارى) من نقد وُجه  إلى الكتاب المقدس بكلا عهديه: القديم (التوراة) والجديد (الأناجيل)؛ ليقطعوا الطريق على ناقدي الكتاب المقدّس من المسلمين، ومن غير  المسلمين.

ومواطن الشبهة عندهم في وقائع جمع القرآن والمراحل التي مرَّ بها، هي:  أنّ القرآن لم يُدوّن ولم يكتب في مصحف أو مصاحف كما هو الشأن  الآن، إلا بعد وفاة النبي ﷺ وأما في حياته، فلم يكن مجموعًا في مصحف، وأنّ جمعه مرَّ بعدة مراحل:
الأولى
: في خلافة أبي بكر -رضي الله عنه– وهو جمع ابتدائي غير  موثق تمام التوثيق كما يزعمون؟

الثانية: في خلافه عثمان بن عفان -رضي الله عنه- وقد كان الجمع  في هذه المرحلة قابلًا لإدخال كثير من الإضافات التي افتقر إليها تدوين  القرآن فيما بعد؛ لأن القرآن لم يكن فيهما مضبوطًا مشكولًا.
الثالثة: الإضافات التي ألحقت بالنص القرآنى وأبرزها:      

  • نَقْط حروفه لتمييز بعضها من بعض، مثل تمييز الخاء من الجيم والحاء، وتمييز الجيم من الخاء والحاء، وتمييز التاء -بوضع نقطتين فوقها- عن  كل من الياء والباء والنون والثاء. 
  • ضبط كلماته بالضم والفتح والكسر والجزم، مثل: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ وهذا أمر طارئ على جمع القرآن في مرحلتيه السابقتين.
  • علامات الوقف: مثل: ج - صلي - لا- قلي - م . 
  • وضع الدوائر المرقوم فيها أرقام الآيات في كل سورة. 

 إنّ كل هذه الإضافات لم تكن موجودة في العصر النبوي، بل ولا في عهد الخلفاء الراشدين.
يذكرون هذا كله ليصوروا أنّ الشبهة التي لوحظت في جمع المصحف الحاوي للقرآن الكريم، تزرع الشكوك والريوب -جمع ريب-  في وحدة  القرآن واستقراره وسلامته من التحريف.

فعلام -إذن- يصرّ المسلمون على اتهام التوراة التي بيد اليهود الآن أنها لا تمثل حقيقة التوراة التي أنزلها  الله على موسى عليه السلام؟ أو لماذا يطلقون هذا الوصف على  مجموعة " الأناجيل " التي بيد النصارى الآن؟

الرد التفصيلي على الشبهة

الرد التفصيلي على الشبهة: إن تأخير تدوين القرآن عن حياة النبي ﷺ وجمعه في مصحف في خلافة أبي بكر -رضي الله عنه-، لامساس له مطلقًا بوحدة القرآن وصلة كل كلمة بالوحي الإلهي؛ لأن القرآن -قبل جمعه في مصاحف- كان محفوظًا كما أنزله الله على خاتم المرسلين.

والعرب -قبل الإسلام، وفي صدر الإسلام المبكر- كانوا ذوي ملكات في الحفظ لم يماثلهم فيها شعب أو أمة، من قبلهم أو معاصرة لهم، ومن يعرف الكتابة والقراءة فيهم قليلون فكانوا يحفظون عن ظهر قلب ما يريدون حفظه من منثور الكلام ومنظومه.

وروعة نظم القرآن، ونقاء ألفاظه، وحلاوة جرسه، وشرف معانيه، هذه الخصائص والسمات فاجأت العرب بما لم يكونوا يعرفون، فوقع من أنفسهم موقع السحر في شدة تأثيره على العقول والمشاعر، فاشتد اهتمامهم به، وبخاصة الذين كانوا من السابقين إلى الإيمان به، وكانو يترقبون كل جديد ينزل به الوحي الأمين، يجمعون بين حفظه والعمل به.

وكان النبي ﷺ كلّما نزل عليه شيء من الوحي يأمر كُتاب الوحي بكتابته فورًا، سماعًا من فمه الطاهر ثم ينشر ما نزل من الوحي بين الناس، وقد ساعد على سهولة حفظه أمران:

الأول: نزوله (منجمًا) أي مفرقًا على مدى ثلاث وعشرين سنة؛ لأنه لم ينزل دفعة واحدة كما كان الشأن في الوحي إلى الرسل السابقين.

والسبب في نزول القرآن مفرقًا هو ارتباطه بتربية الأمة، والترقي بها في مجال التربية طورًا بعد طور ومعالجة ما كان يجدُّ من مشكلات الحياة. ومواكبة حركة بناء الدعوة من أول شعاع فيها إلى نهاية المطاف.

الثاني: خصائص النّظم القرآنى في صفاء مفرداته، وإحكام تراكيبه، والإيقاع الصوتي لأدائه متلوًّا باللسان، مسموعًا بالآذان، وما يصاحب ذلك من إمتاع وإقناع، كل ذلك أضفى على آيات القرآن خاصية الجذب إليه، والميل الشديد إلى الإقبال عليه، بحيث يجذب قارئه وسامعه واقعًا في أسره غير ملول من طول الصحبة معه.

وتؤدّي فواصل الآيات في القرآن دورًا مهمًّا في الإحساس بهذه الخصائص، ولنذكر لهذا مثلًا من سور القرآن الكريم:

بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ  ﴿وَٱلۡعَٰدِيَٰتِ ضَبۡحٗا * فَٱلۡمُورِيَٰتِ قَدۡحٗا * فَٱلۡمُغِيرَٰتِ صُبۡحٗا * فَأَثَرۡنَ بِهِۦ نَقۡعٗا * فَوَسَطۡنَ بِهِۦ جَمۡعًا *إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لِرَبِّهِۦ لَكَنُودٞ * وَإِنَّهُۥ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٞ *وَإِنَّهُۥ لِحُبِّ ٱلۡخَيۡرِ لَشَدِيدٌ * أَفَلَا يَعۡلَمُ إِذَا بُعۡثِرَ مَا فِي ٱلۡقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُم بِهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّخَبِيرُۢ [العاديات:١-١١].

عدد آيات هذه السورة [العاديات] إحدى عشرة آية، وقد وُزعت من حيث الفواصل، وهي الكلمات الواقعة في نهايات الآيات، على أربعة محاور، هي: الثلاث الآيات الأولى، وكل فاصلة فيها تنتهي بحرف الحاء: ضبحا قدحا صبحا.

والآيتان الرابعة والخامسة، كل فاصلة فيهما انتهت بحرف العين: نقعا - جمعا.

والآيات السادسة والسابعة والثامنة، انتهت فواصلها بحرف الدال: لكنود لشهيد لشديد.

أما الآيات التاسعة، والعاشرة، والحادية عشرة، فقد انتهت فواصلها بحرف الراء: القبور الصدور - لخبير.

مع ملاحظة أنّ حروف الفواصل في هذه السورة -ما عدا الآيات الثلاث الأولى- مسبوقة بحرف "مد" هو "الواو" في: "لكنود" و " الياء " في: " لشهيد - لشديد "، ثم "الواو" في: " القبور - الصدور - ثم" الياء" في: " لخبير" وحروف المد تساعد على "تطرية" الصوت وحلاوته في السمع؛ لذلك صاحبت حروف المد كلمات "الفواصل" في القرآن كله تقريبا، وأضفت عليها طابعًا غنائيًّا من طراز فريد (سورة "والعاديات" من قصار السور التي قد بدأ بها الوحي في مكة، قبل الهجرة، ويرى بعض الباحثين أن القرآن بدأ بهذه السور ذات الطبيعة الغنائية في مكة، لجذب أهل مكة إليه عن طريق السمع أولًا، ثم لتدبر معانيه ثانيًا) جذب الأسماع، وحرك المشاعر للإقبال على القرآن بشدة أسره إياهم عن طريق السماع؛ ليكون ذلك وسيلة للإقبال على فقه معانيه، ثم الإيمان به.

ومن سمات سهولة الحفظ في هذه السورة أمران:

أنها سورة قصيرة، حيث لم تتجاوز آياتها إحدى عشرة آية.

قصر آياتها، فمنها ما تألف من كلمتين، وهي الآيات الثلاث الأولى، ومنها ما تألف من ثلاث كلمات، وهي الآيتان الرابعة والخامسة.

ومنها ما تألف من أربع كلمات، وهي الآيات: السادسة والسابعة والثامنة. وآيتان فحسب كلماتها خمس، وهما العاشرة والحادية عشرة، وآية واحدة كلماتها سبع، هي الآية التاسعة، ونظام "عقد المعاني" في السورة رائع كروعة نظمها، فالآيات الثلاث الأولى قسم جليل بخيل المجاهدين في سبيل الله، والآيتان الرابعة والخامسة استطراد مكمل لمعاني المقسم به، شدة إغارتها التي تثير غبار الأرض، وسرعة عَدْوٍهَا، ومفاجأتها العدوّ في الإغارة عليه "عاصٍ لله كفور بإنعامه عليه" وفي الآية السابعة إلماح إلى علم الإنسان بأنه عاق لربه، شهيد على كفرانه نعمته، وفي الآية الثامنة تقبيح لمعصية الإنسان لربه، وإيثار حطام الدنيا على شكر المنعم.

أما الآيات الثلاث الأخيرة من (٩) إلى (١١) فهي إنذار للإنسان الكفور بنعم ربه إليه، وهذه السمات، ليست وقفا كلها على سورة ﴿ٱلۡعَـٰدِیَـٰتِ بل هي مع غيرها، سمات عامة للقرآن كله، وبهذا صار القرآن سهل الحفظ لمن حاوله، وصدق في طلبه وسلك الطريق الحق الموصل إليه [انظر تفسير سورة "العاديات" في أي تفسير شئت من التفاسير المتداولة: الكشاف – روح المعاني - التفسير الواضح للدكتور حجازي، أو في غيرها].

إنّ الحفظ كان العلاقة الأولى بين المسلمين وبين كتاب ربهم وكان الحفظ له وسيلة واحدة ضرورية يعتمد عليها، هي السماع. وهكذا وصل إلينا القرآن، من بداية نزوله إلى نهايته، وأول سماع في حفظ القرآن كان من جبريل عليه السلام الذي وصفه الله بالأمين، وأول سامع كان رسول اللهصلى الله عليه وسلم سمع القرآن كله مرات من جبريل، وثاني مُسَمَّع كان هو عليه الصلاة والسلام بعد سماعه القرآن من جبريل.

أما ثاني سامع للقرآن فهم كُتَّابَ الوحي، سمعوه من النبي ﷺ عليه الصلاة والسلام فور سماعه القرآن من جبريل؛ لأنه كان إذا نزل الوحي، وفرغ من تلقى ما أنزله الله إليه دعا كُتَّابَ الوحي فأملى على مسامعهم ما نزل فيقومون بكتابته على الفور.

ثم يشيع عن طريق السماع لا الكتابة ما نزل من القرآن بين المؤمنين، إما من فم الرسول، أو من أفواه كتاب الوحي. 

وقد يسّر الله تعالى لحفظ القرآن واستمرار حفظه كما أنزله لله، أوثق الطرق وأعلاها قدر فكان ﷺ يقرؤه على جبريل في كل عام مرة في شهر رمضان المعظم، ثم في العام الذي لقي فيه ربه تمَّ عرض القرآن تلاوة على جبريل مرتين، زيادة في التثبت والتوثيق.

وفي هذه الفترة (فترة حياة النبي ﷺ) لم يكن للقراء مرجع سوى المحفوظ في صدر النبي ﷺ عليه الصلاة والسلام، وهو الأصل الذي يرجع إليه عند التنازع، أما ما كان مكتوبًا في الرقاع والورق فلم يكن مما يرجع إليه الناس، مع صحته وصوابه

وكذلك في عهدي الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كان الاعتماد على الحفظ في الصدور هو المعول عليه دون الكتابة؛ لأنها كانت مفرّقة، ولم تكن مجموعة.

وكانت حظوظ الصحابة، من حفظ القرآن متفاوتة، فكان منهم من يحفظ القدر اليسير، ومنهم من يحفظ القدر الكثير، ومنهم من يحفظ القرآن كله، وهم جمع كثيرون مات منهم في موقعة اليمامة في خلافه أبي بكر سبعون حافظًا للقرآن، وكانوا يسمون حفظة القرآن ب "القراء"، ولا يقدح في ذلك أن بعض الروايات تذهب إلى أنّ الذين حفظوا القرآن كله من الصحابة كانوا أربعة أو سبعة، وقد وردت بعض هذه الروايات في صحيحي البخاري ومسلم؛ لأن ما ورد فيهما له توجيه خاص، هو أنهم حفظوا القرآن كله، وعرضوا حفظهم على رسول الله تلاوة عليه فأقرهم على حفظهم، وليس معناه أنهم هم الوحيدون الذين حفظوا القرآن من الصحابة [البرهان في علوم القرآن للإمام الزركشي (١/٢٤١) وما بعده].

أول جمع للقرآن الكريم

لم يُجمع القرآن في مصحف في حياة النبي ﷺ، ولا في صدر خلافه أبي بكر -رضي الله عنه-، وكان حفظه كما أنزل الله في الصدور هو المتبع.

وفي هذه الأثناء كان القرآن مكتوبًا في رقاع متفرقًا، هذه الرقاع وغيرها التي كتب فيها القرآن إملاء من فم النبي ﷺ، ظلت كما هي لم يطرأ عليها أي تغيير من أي نوع، ولما قُتل سبعون رجلًا من حفّاظه دعت الحاجة إلى جمع ما كتب مفرقًا في مصحف واحد في منتصف خلافه أبي بكر باقتراح من عمر -رضي الله عنهما -.

وبعد وفاة أبي بكر تسلم المصحف عمر بن الخطاب، وبعد وفاته ظلّ المصحف في حوزة ابنته أم المؤمنين حفصة -رضي الله عنها - (هو مصحف فرد لا متعدد، فلم يكن متداولًا بين أيدي المسلمين؛ لأن حفظ القرآن في الصدور كان هو المرجع)، وفي هذه الفترة كان حفظ القرآن في الصدور هو المتبع كذلك. وانضم إلى حفاظه من الصحابة بعد انتقال النبي ﷺ عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى، التابعون من الطبقة الأولى، وكانت علاقتهم بكتاب الله هي الحفظ بتفاوت حظوظهم فيه قلة وكثرة، وحفظًا للقرآن كله، وممن اشتهر منهم بحفظ القرآن كله التابعي الكبير الحسن البصري -رضي الله عنه- وآخرون.

كان هذا أول جمع للقرآن، والذي تم فيه هو جمع الوثائق التي كتبها كتبة الوحي في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى تنسيق وثائق كل سورة مرتبة آياتها على نسق نزولها، ولا معنى لهذا الجمع إلا ما ذكرناه، وإطلاق وصف المصحف عليه إطلاق مجازي صرف، والقصد منه أن يكون مرجعًا موثوقًا به عند اختلاف الحفاظ.

ومما يجب التنبيه إليه مرّات أنّ الجمع في هذه المرحلة لم يضف شيئا أو يحذفه من تلك الوثائق الخطية، التي تم تدوينها في حياة النبي ﷺ عليه الصلاة والسلام إملاءً منه على كتبة وحيه الأمناء الصادقين.

مرحلة الجمع الثانية  

كانت هذه المرحلة في خلافة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- وكان حافظًا للقرآن كله كما ورد في الروايات الصحيحة، والسبب الرئيسي في اللجوء إلى هذا الجمع في هذه المرحلة هو اختلاف الناس وتعصبهم لبعض القراءات، إلى حدّ الافتخار بقراءة على قراءة أخرى، وشيوع بعض القراءات غير الصحيحة. 

وهذا ما حمل حذيفة بن اليمان على أن يفزع إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ويهيب به أن يدرك الأمة قبل أن تتفرق حول القرآن، كما تفرق اليهود والنصارى حول أسفارهم المقدّسة، فنهض -رضي الله عنه- للقيام بجمع القرآن في مصحف "يجمع الناس حول أداء واحد متضمنًا الصلاحيه للقراءات الأخرى الصحيحة، وندب لهذه المهمة الجليلة رجلًا من الأنصار (زيد بن ثابت) وثلاثة من قريش: عبد الله بن الزبير، سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وزيد بن ثابت، هذا كان هو رئيس الفريق الذي ندبه عثمان -رضي الله عنه- لهذه المهمة الجليلة؛ لأنه -أي زيد بن ثابت- قد تحققت فيه مؤهلات أربعة للقيام بهذه المسئولية وهي:

  • كان من كتبة الوحي في الفترة المدنية.
  • كان حافظًا متقنًا للقرآن سماعًا مباشرًا من فم رسول الله.
  • كان هو الوحيد الذي حضر العرضة الأخيرة للقرآن من النبي ﷺ عليه الصلاة والسلام على جبريل عليه السلام.
  • كان هو الذي جمع القرآن في خلافه أبي بكر -رضي الله عنه-. 

منهج الجمع في هذه المرحلة:

وقد تمّ الجمع في هذه المرحلة على منهج دقيق وحكيم للغاية قوامه أمران:

الأول: المصحف الذي تمّ تنسيقه في خلافه أبي بكر -رضي الله عنه-، وقد تقدم أن مكونات هذا المصحف هي الوثائق الخطية التي سجلها كتبة الوحي في حضرة النبي ﷺ عليه سماعًا مباشرًا منه، فكان لا يُقبل شيء في مرحلة الجمع الثاني ليس له وجود في تلك الوثائق التي أقرها النبي ﷺ.

الثاني: أن تكون الآية أو الآيات محفوظة حفظًا مطابقًا لما في مصحف أبي بكر عند رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأقل، فلا يكفي حفظ الرجل الواحد، ولا يكفي وجودها في مصحف أبي بكر، بل لا بد من الأمرين معا:

  • وجودها في مصحف أبي بكر.
  •  ثم سماعها من حافظين، أي شاهدين، وقد استثنى من هذا الشرط أبو خزيمة الأنصاري، حيث قام حفظه مقام حفظ رجلين في آية واحدة لم توجد محفوظة إلا عند أبي خزيمة، وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل شهادته بشهادة رجلين عدلين.

قام هذا الفريق، وفق هذا المنهج المحكم، بنسخ القرآن، لأول مرة، في مصحف واحد، وقد أجمع عليه جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعارض عثمان منهم أحدًا، حتى عبد الله بن مسعود، وكان له مصحف خاص كتبه لنفسه، لم يعترض على المصحف "الجماعي" الذي دعا إلى كتابته عثمان -رضي الله عنه-، ثم تلقت الأمة هذا العمل الجليل بالرضا والقبول، في جميع الأقطار والعصور.

ونسخ من مصحف عثمان، الذي سُمي "المصحف الإمام" بضعة مصاحف، أرسل كل مصحف منها إلى قطر من أقطار الإسلام، مثل الكوفة والحجاز، وبقي المصحف الأم في حوزة عثمان -رضي الله عنه-، ثم عمد عثمان إلى كل ما عدا "المصحف الإمام" من مصاحف الأفراد المخالفة أدنى مخالفة للمصحف الإمام، ومنها مصحف الصحابي الجليل ابن مسعود -وأمر بحرقها أو استبعادها؛ لأنها كانت تحتوي على قراءات غير صحيحة، وبعضها كان يدخل بعض عبارات تفسيرية في صلب الآيات أو في اواخره.

الفرق بين الجمعين من نافلة القول، أن نعيد ما سبق ذكره، من أنّ أصل الجمعين اللذين حدثا في خلافتي أبي بكر وعثمان -رضي الله عنهما- كان واحدًا، هو الوثائق الخطيَّة التي حررت في حضرة النبي ﷺ إملاءً من فمه الطاهر على كتبة الوحي، ثم تلاوتها عليه وإقرارها كما تليت عليه هذه الوثائق لم تدخل عليها أية تعديلات، وهي التي نراها الآن في المصحف الشريف المتداول بين المسلمين.

وكان الهدف من الجمع الأول في خلافه أبي بكر -رضي الله عنه- هو جمع تلك الوثائق المتفرقة في مكان واحد منسقة السور والآيات، دون نقلها في مصحف حقيقي جامع لها، فهذا الجمع بلغة العصر مشروع جمع لا جمع حقيقي في الواقع.

ولهذا عبَّر عنه أحد العلماء بأنه أشبه ما يكون بأوراق وجدت متفرقة في بيت النبي ﷺ فربطت بخيط واحد، مانع لها من التفرق مرة أخرى.

أما الجمع في خلافه عثمان -رضي الله عنه- فكان نسخًا ونقلًا لما في الوثائق الخطية، التي حررت في حياة النبي ﷺ عليه الصلاة والسلام وأقرها بعد تلاوتها عليه، وجمعها في مصحف واحد في مكان واحد.

وإذا شبهنا الوثائق الأولى بقصاصات ورقية مسطر عليها كلام، كان الجمع في خلافة عثمان هو نسخ ذلك الكلام المفرق في القصاصات في دفتر واحد.

أما الهدف من الجمع في خلافه عثمان فكان من أجل الأمور الآتية:

  • توحيد المصحف الجماعي واستبعاد مصاحف الأفراد؛ لأنها لم تسلم من الخلل، وقد تم ذلك على خير وجه
  • القضاء على القراءات غير الصحيحة، وجمع الناس على القراءات الصحيحة، التي قرأ بها النبي ﷺ عليه الصلاة والسلام في العرضة الأخيرة على جبريل في العام الذي توفي فيه.
  • حماية الأمة من التفرق حول كتاب ربها، والقضاء على التعصب لقراءة بعض القراء على قراءة قراء آخرين، وفي جميع الأزمنة فإن القرآن يؤخذ سماعًا من حُفَّاظ مجودين متقنين، ولا يؤخذ عن طريق القراءة من المصحف؛ لأن الحفظ من المصحف عرضة لكثير من الأخطاء، فالسماع هو الأصل في تلقي القرآن وحفظه؛ لأن اللسان يحكي ما تسمعه الأذن، لذلك نزل القرآن ملفوظًا ليسمع ولم ينزل مطبوعا ليقرأ.

فالفرق بين الجمعين حاصل من وجهين:

الوجه الأول: جمع أبي بكر -رضي الله عنه- كان تنسيقًا للوثائق الخطية التي حررت في حياة النبي ﷺ -عليه الصلاة والسلام - على صورتها الأولى حسب ترتيب النزول سورًا وآيات، وجمع عثمان -رضي الله عنه- كان نقلًا جديدًا لما هو مسطور في الوثائق الخطية في كتاب جديد، أطلق عليه " المصحف الإمام ".

أما الوجه الثاني، فهو من حيث الهدف من الجمع وهو في جمع أبي بكر كان حفظ الوثائق النبوية المفرقة في نسق واحد مضمومًا بعضها إلى بعض، منسقة فيه السور والآيات كما هي في الوثائق، لتكون مرجعًا حافظا لآيات الذكر الحكيم.

وهو في جمع عثمان، جمع الأمة على القراءات الصحيحة التي قرأها النبي ﷺ في العرضة الأخيرة على جبريل عليه السلام.

أما المتون (النصوص) التي نزل بها الوحي الأمين فظلت على صورتها الأولى، التي حررت بها في حياة النبي ﷺ عليه الصلاة والسلام.

فالجمعان البكري والعثماني لم يدخلا على رسم الآيات ولا نطقها أي تعديل أو تغيير أو تبديل، وفي كل الأماكن والعصور واكب حفظ القرآن تدوينه في المصاحف، وبقي السماع هو الوسيلة الوحيدة لحفظ القرآن على مدى العصور حتى الآن وإلى يوم الدين.

فذلك العرض الذي قدمناه لتدوين القرآن يظهر من خلاله الحقائق الآتية:

  • إن تدوين متون القرآن (نصوصه) تم منذ فجر أول سورة نزلت بل أول آية من القرآن، وكان كلما نزل نجم من القرآن أملاه عليه الصلاة والسلام على كاتب الوحي فدونه سماعًا منه لتوه، ولم يلق عليه الصلاة والسلام ربه إلا والقرآن كله مدوّن في الرقاع وما أشبهها من وسائل التسجيل، وهذا هو الجمع الأول للقرآن وإن لم يذكر في كتب المصنفين إلا نادرًا.
  • إن هذا التدوين أو الجمع المبكر للقرآن كان وما يزال هو الأصل الثابت الذي قامت على أساسه كل المصاحف فيما بعد، حتى عصرنا الحالى.
  • إن الفترة النبوية التي سبقت جمع القرآن في خلافة أبي بكر-رضى الله عنه-، لم تكن فترة إهمال للقرآن، كما يزعم بعض خصوم القرآن من المبشرين والمستشرقين والملحدين بل العكس هو الصحيح، كانت فترة عناية شديدة بالقرآن -لأن القران لو كان جمع في مصحف من أول الأمر، لاتّكل الناس على المصحف المكتوب، وقل اهتمامهم بحفظه- اعتمدوا فيها على ركيزتين بالغتي الأهمية:
    الأولى: السماع من الحفظة المتقنين لحفظ القرآن وتلاوته.
    الثانية: الحفظ المتقن في الصدور، والسماع والحفظ هما أقدم الوسائل لحفظ وتلاوة كتاب الله العزيز، وسيظلان هكذا إلى يوم الدين.
  • إنّ القرآن منذ أول آية نزلت منه، حتى اكتمل وحيه لم تمر عليه لحظة وهو غائب عن المسلمين، أو المسلمون غائبون عنه، بل كان ملازمًا لهم ملازمة الروح للجسد.

إنّ تاريخ القرآن واضح كل الوضوح، ومعروف كل المعرفة، لم تمرّ عليه فترات غموض، أو فترات اضطراب، كما هو الشأن في عهدي الكتاب المقدّس (التوراة) والإنجيل، وما خضعا له من أوضاع لا يمكن قياسها على تاريخ القرآن، فليس لخصوم القرآن أي سبب معقول أو مقبول في اتّخاذهم مراحل جمع القرآن منافذ للطعن فيه، أو مبرر يبررون به ما اعترى كتابهم المقدّس من آفات تاريخيّة، وغموض شديد الإعتام صاحب وما يزال يصاحب، واقعيات التوراة والأناجيل نشأة، وتدوينًا، واختلافًا واسع المدى، في الجوهر والأعراض التي قامت به.

وقد بقي علينا من عناصر شبهاتهم حول جمع القرآن ومراحله ما سبقت الإشارة إليه من قبل، وهي: النقط والضبط وعلامات الوقف.

المراد بالنَّقْط هو وضع النقط فوق الحروف أو تحتها مثل: نقطة النون ونقطة الباء.

أما الضبط فهو وضع الحركات الأربع: الضمة والفتحة والكسرة والسكون فوق الحروف أو تحتها حسب النطق الصوتى للكلمة، حسبما تقتضيه قواعد النحو والصرف.

أما علامات الوقف فهي كالنقط والضبط توضع فوق نهاية الكلمة التي يجوز الوقف عليها أو وصلها بما بعدها.

وهذه الأنواع الثلاثه يلحظ فيها ملحظان عامّان:

الأول: أنها لا تمسّ جسم الكلمة من قريب أو من بعيد ولا تغير من هيكل الرسم العثماني للكلمات، بل هي زيادة إضافية خارجة عن متون " (أصول) الكلمات.

الثاني: أنها - كلها - أدوات أو علامات اجتلبت لخدمة النص القرآنى، ولتلاوته صوتيًّا تلاوة متقنة أو بعبارة أخرى: هي وسائل إيضاح اصطِلاحيَّة متفق عليها تعين قارئَ القرآن على أدائه أداءً صوتيًّا محكمًا، وليست هي من عناصر التنزيل، ولو جُرّد المصحف منها ما نقص كلام الله شيئًا، وقد كان كتاب الله قبل إدخال هذه العلامات هو هو كتاب الله، إذن فليست هي تغييرًا أو تبديلًا أو تحريفًا أدخل على كتاب الله فأضاع معالمه، كما يزعم خصوم القرآن الموتورون.

فالنُّقط أضيفت إلى رسم المصحف للتمييز بين الحروف المتماثلة كالجيم، والحاء، والخاء، والباء، والتاء، والثاء، والنون، والسين، والشين، والطاء، والظاء، والفاء، والقاف، والعين والغين، والصاد، والضاد.

وقبل إضافة النقط إلى الحروف كان السماع قائمًا مقامها؛ لأن حفاظ القرآن المتقنين المجودين ليسوا في حاجة إلى هذه العلامات؛ لأنهم يحفظون كتاب ربهم غضًّا طريًّا كما أنزله الله على خاتم رسله، أما غير الحفاظ ممن لا يستغنون عن النظر في المصحف فهذه العلامات النقطية والضبطية والوقفية ترشدهم إلى التلاوة المُثلى، وتقدم لهم خدمات جليلة في النظر في المصحف؛ لأنها -كما قلنا من قبل -وسائل إيضاح لقرّاء المصحف الشريف.

فمثلًا نقط الحروف وقاية من الوقوع في أخطاءٍ لا حصرَ لها، ولنأخذ لذلك مثالا واحدًا هو قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ   [البقرة: ٢٦٥]، لو تركت " جنة " بغير نقط ولا ضبط لوقع القارئ غير الحافظ في أخطاء كثيرة؛ لأنها تصلح أن تنطق على عدة احتمالات.

مثل: حبة - حية - حِنة - خبَّة - حُنة - حِتة - خيًّة - جيِّة - حبة – حَبَّة.

ولكن لما نقطت حروفها، وضبطت كلماتها اتّضح المراد منها وتحدد تحديدًا دقيقًا، طاردًا كل الاحتمالات غير المرادة.

وأول من نقط حروف المصحف جماعة من التابعين كان أشهرهم: أبو الأسود الدؤلي، ونصر بن عاصم الليثي، ويحيى بن يعمر، والخليل بن أحمد، وكلهم من كبار التابعين (المقنع لأبي عمرو الداني ص ١٢٩ - تحقيق محمد الصادق قمحاوى).

والخلاصة: أن نقط حروف الكلمات القرآنية، وضبط كلمات آياته ليس من التنزيل، وأنه حدث في عصر كبار التابعين، وإلحاق ذلك بالمصحف ليس تحريفًا ولا تعديلًا لكلام القرآن، وهو من البدع الحسنة وقد أجازه العلماء؛ لأن فيه تيسير على قراء كتاب الله العزيز، وإعانة لهم على تلاوته تلاوةً متقنةً محكمة، وهو من المصالح المرسلة، التي سكت الشرع عنها فلم يأمر بها ولم ينه عنها.

وتحقيق المصلحة يقوم مقام الأمر بها، ووقوع المضرّة يقوم مقام النهي عنها، وهذه سمة من سمات مرونة الشريعة الإسلامية العادلة الرحيمة.

أما علامات الوقف فلها أدوار إيجابية في إرشاد قراء القرآن وتوجيههم إلى كيفية التعامل مع الجمل والتراكيب القرآنية حين تتلى في صلاة أو في غير صلاة. 

والواقع أن كل هذه المضافات إلى رسم كلمات المصحف فوق أنها - والله سبحانه وتعالى أعلم - وسائل إيضاح كما تقدم، اجتلبت من أجل خدمة النص القرآني، تؤدي في الوقت نفسه خدمة جليلة لمعانى المفردات والتراكيب القرآنية.

وقد أشرنا من قبل إلى مهمات النقط فوق أو تحت الحروف، وعلامات الضبط الأربع: الفتحة والضمة والكسرة والسكون، فوق أو تحت رسم الكلمات.

ونسوق -الآن- تمثيلًا سريعًا للمهام الجليلة التي تؤديها علامات الوقف، التي توضع فوق نهايات الكلمات التي يوقف عليها أو لا يوقف: قوله تعالى ﴿وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يَمۡسَسۡكَ بِخَيۡرٖ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ [الأنعام: ١٧].

نرى العلامة (صلي) فوق حرف الواو في كلمة "هو" وهي ترمز إلى أن الوقف على هذه الكلمة "هو" جائز ووصلها بما بعدها وهو "وإن يمسسك" جائز كذلك إلا أن الوصل، وهو هنا تلاوة الآية كلها دفعةً واحدةً بلا توقف، أولى من الوقف. والسبب في جواز الوقف والوصل هنا أن كلًّا من الكلامين معناه تام يحسن السكوت عليه، وكذلك يحسن وصله بما بعده لأنهما كلامان بينهما تناسب وثيق، ومن حيث البناء التركيبي، هما شرط "إن"، وفعلا الشرط فيهما فعل مضارع، وهما فعل واحد تكرر في شرطي الكلامين "يمسسك" والفاعل هو "الله" فيهما.

الأول اسم ظاهر، والثاني ضمير عائد عليه، أما كون الوصل أولى من الوقف، فلأن التناسب بين الكلامين أقوى من التباين لفظًا ومعنى، مع ملاحظة أن جواز الوقف يتيح لقارئ القرآن نفحة من راحة الصمت، ثم يبدأ رحلة التلاوة بعدها وقوله تعالى: ﴿قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا [الكهف: ٢٢].

علامة الوقف (قلي) موضوعة فوق اللام الثانية من كلمة "قليل" وترمز إلى جواز الوصل والوقف على كلمة "قليل» وأن الوقف عليها أولى من وصلها بما بعدها، وفي الوقف راحة لنفس القارئ كما تقدم.

وجواز الوقف لتمام المعنى في الجزء الأول من الآية. وجواز الوصل، فلأن الجزء الثاني من الكلام مفرع ومرتب على الجزء الأول (التفريع هو تولد كلام من كلام آخر، وتأتي الفاء دليلا على هذا التفريع كما في الآية الكريمة).

أما كون الوقف على كلمة "قليل" أولى في هذه الآية، فلأن ما قبلها جملتان خبريتان، وهما واقعتان مقول القول لقوله تعالى: (قل ربى).

أما جملة ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ فهي جملة إنشائية (الكلام كله قسمان: خبر، وإنشاء، فكل كلام أخبرت فيه غيرك بأمر قد حدث قبل زمن التكلم، أو بعده مثل: حضر فلان أمس، أو سيحضر غدًا هو كلام خبري، أما إذا طلبت شيئًا لم يكن حاصلا في زمن التكلم مثل: أطع والديك، فهو كلام إنشائى) فيها نهي عن الجدال في شأن أهل الكهف كم كان عددهم، والكلام الإنشائي مباين للكلام الخبري. إذن فالكلامان غير متجانسين. هذه واحدة.

أما الثانية فإن ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا، غير داخل في مقول القول الذي أشرنا إليه قبلًا. وهذان الملحظان أحدثا تباعدًا ما بين الكلامين لذلك كان الوقف أولى، إلماحًا إلى ذلك التباين بين الكلامين.

والوقف هو القطع بين كلامين بالسكوت لحظة بين نهاية الكلام الأول، وبداية الكلام الثاني، وله شأن عظيم في تلاوة القرآن الكريم، من حيث الألفاظ (الأداء الصوتي) ومن حيث تذوق المعاني وخدمتها، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِي فَجۡوَةٖ مِّنۡهُۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ [الكهف: ١٧].

علامة الوقف (ج) موضوعة فوق " الهاء " نهاية كلمة " منه " وترمز إلى جواز الوقف على " منه " وعلى جواز وصله بما بعده ﴿ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ وهذا الجواز مستوي الطرفين، لا يترجح فيه الوقف على الوصل، ولا الوصل على الوقف. وهذا راجع إلى المعنى المدلول عليه بجزئى الكلام، جزء ما بعد " منه " وجزء ما قبله. وذلك لأن ما قبل " منه " كلام خبري لا إنشائي وكذلك ما بعدها ﴿ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ فهما إذن متجانسان.

والوقف مناسب جدًا لطول الكلام قبل كلمة "منه" وفي الوقف راحة للنفس، والراحة تساعد على إتقان التلاوة. والوصل مناسب جدًّا من حيث المعنى؛ لأن قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ تركيب واقع موقع "الخبر" عما ذكره الله عز وجل من أوضاع أهل الكهف في طلوع الشمس وغروبها عنهم. وقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ [النحل: ٣٢].

علامة الوقف (لا) موضوعة على "النون" نهاية كلمة "طيبين" ترمز إلى أن الوقف على "طيبين" ممنوع.

والسبب في هذا المنع أن جملة "يقولون" وهي التالية لكلمة "طيبين" حال من "الملائكة" وهم فاعل " تتوفاهم ".

أما "طيبين" فهي حال من الضمير المنصوب على المفعولية للفعل "تتوفاهم" وهو ضمير الجماعة الغائبين "هم" ولو جاز الوقف على "طيبين" لحدث فاصل زمني بين جملة الحال "يقولون" وبين صاحب الحال " الملائكة " ولم تدع إلى هذا الفعل ضرورة بيانية.

لذلك كان الوقف على " طيبين " ممنوعًا لئلا يؤدي إلى قطع "الحال" وهو وصف، عن صاحبه "الملائكة" وهو الموصوف. وهذا لا يجوز بلاغة؛ فمنع الوقف -هنا- كان سببه الوفاء بحق المعنى، ومجئ الحال -هنا- جملة فعلية فعلها مضارع يفيد وقوع الحدث بالحال والاستقبال مراعاة لمقتضى الحال؛ لأن الملائكة تقول هذا الكلام لمن تتوفاهم من الصالحين في كل وقت؛ لأن الموت لم ولن يتوقف. وقوله تعالى ﴿إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا﴾ [النساء: ١٧١].

علامة الوقف (م) موضوعة على حرف الدال من كلمة "ولد" للدلالة على لزوم الوقف على هذه الكلمة "ولد" وامتناع وصلها بما بعدها وهو: ﴿لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ إنما كان الوقف هنا لازمًا؛ لأن هذا الوقف سيترتب عليه صحة المعنى، وليمتنع إيهام غير صحته، أما وصله بما بعده، فيترتب عليه إيهام فساد المعنى.

بيان ذلك أن الوصل لو حدث لأوهم أن قوله تعالى: ﴿لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وصف ل "الولد" المنفي، أي ليس لله ولد، له ما في السماوات والأرض، وهذا لا يمنع أن يكون لله -سبحانه- ولد ولكن ليس له ما في السماوات والأرض؟! وهذا باطل قطعا.

أما عندما يقف القارئ على كلمة " ولد " ثم يستأنف التلاوة من: ﴿لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ فيمتنع أن يكون هذا الوصف للولد المنفي، ويتعين أن يكون لله عز وجل، وهذا ناتج عن قطع التلاوة عند. "ولد" أي بالفاصل الزمني بين تلاوة ما قبل علامة الوقف "لا" وما بعدها حتى آخر الآية.

فأنت ترى أن الوقف - هنا - يؤدي خدمة جليلة للمعنى المراد من الآية الكريمة.

ومثله قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمُۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ [الأنعام: ٢٠].

علامة الوقف (م) موضوعة فوق الميم من كلمة "هم" للدلالة على لزوم الوقف عليها، وامتناع وصلها بما بعدها، وهو "الذين خسروا أنفسهم"، وسر ذلك اللزوم؛ أن الوصل يوهم معنى فاسد غير مراد؛ لأنه سيترتب عليه أن يكون قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وصفا لـ "أبناءهم" وهذا غير مراد، بل المراد ما هو أعم من "أبناءهم" وهم الذين خسروا أنفسهم في كل زمان ومكان، فهو حكم عام في الذين خسروا أنفسهم، وليس خاصًّا بأبناء الذين آتاهم الله الكتاب.

هذه هي علامات الوقف، وتلك هي نماذج من المعاني الحكيمة التي تؤديها، أو جاءت رامزة إليها، وبقيت حقيقة مهمة، لا بد من الإشارة إليها.

إن خصوم القرآن يعتبرون علامات الوقف تعديلًا أدخل على القرآن. بعد عصر النزول وعصر الخلفاء الراشدين، وهذا وهم كبير وقعوا فيه؛ لأن هذه العلامات وغيرها ليست هي التي أوجدت المعاني التي أشرنا إلى نماذج منها، فهذه المعاني التي يدل عليها الوقف سواء كان جائز الطرفين، أو الوقف أولى من الوصل أو الوصل أولى من الوقف، أو الوقف اللازم أو الوقف الممنوع. هذه المعاني من حقائق التنزيل وكانت ملحوظة منذ كان القرآن ينزل، وكان حفاظ القرآن وتالوه من أصحاب رسول الله يطبقونها في تلاوتهم للقرآن، قبل أن يدون القرآن في "المصحف" هذا هو الحق الذي ينبغي أن يكون معروفًا للجميع، أما وضع هذه العلامات في عصر التابعين، فجاءت عونًا لغير العارفين بآداب تلاوة القرآن، دون أن تكون -بشكلها- جزء من التنزيل (هي مثل علامات الإعراب كالفتحة والضمة والكسرة والسكون. لم توجد هي أحكام الإعراب، وإنما هي مجرد رموز دالة عليها).

 تنسيق المصحف: نعني ب: تنسيق المصحف "الفواصل بين سوَرِه بـ: ﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ وترقيم آيات كل سورة داخل دوائر فاصلة بين الآيات، ووضع خطوط رأسية تحت مواضع السجود في آيات القرآن، ثم الألقاب التي أطلقت على مقادير محددة من الآيات مثل: الربع -الحزب- الجزء؛ لأن هذه الأعمال إجراءات بشرية خالصة أُلحِق بعضها بسطور المصحف، وهو ترقيم الآيات ووضع بعضها تحتها، كعلامات السجود في أثناء التلاوة. أما ما عدا هذين فهي إجراءات اعتبارية عقلية، تدل عليها عبارات موضوعة خارج إطار أو سور الآيات، وليس في هذا مطعن لطاعن؛ لأنَّا نقول -كما قلنا في نظائره من قبل- إنها وسائل إيضاح وتوجيه لقرّاء القرآن الكريم توضع خارج كلمات الوحي لا في متونها، وتؤدّي خدمة جليلة للنص المقدس مقروءًا أو متلوًّا. ولا يدّعي مسلم أنّ لها قداسة النص الإلهي، أو أنها نازلة من السماء بطريق الوحي الأمين.

والمستشرقون الذين يشاركون المبشرين (المبشرون هم الذين يريدون فتنة عامة الناس بما يكتبونه عن الإسلام، وهم أساتذة المستشرقين.

أما المستشرقون، فيقصدون فتنة المثقفين والطبقات العليا، ويصورون الإسلام في غير صورته إلا قليلا منهم تجدهم منصفين للإسلام في تصيد التهم للقرآن، ينهجون هذا النهج "التنسيقي" في أعمالهم العلمية والفكرية، وبخاصة في تحقيق النصوص فيضعون الهوامش والملاحق والفهارس الفنية لكل ما يقومون بتحقيقه من نصوص التراث.

ولهم مهارة فائقة في هذا المجال، ولم نر واحدًا منهم ينسب هذه الأعمال الإضافية إلى مؤلف النصّ نفسه، كما لم نرَ أحدًا منهم عدَّ هذه الإضافات تعديلًا أو تحريفًا أو تغييرًا للنص الذي قام هو بتحقيقه وخدمته.

بل إنه يعد هذه الأعمال الإضافية وسائل إيضاح للنص المحقق. وتيسيرات مهمة للقراء، وهذا هو الشأن في عمل السلف -رضي الله عنهم- في تنسيق المصحف الشريف، وهو تنسيق لا مساس له بـ "قدسية الآيات" لأنها وضعت في المصحف على الصورة التي رسمت بها بين يدي رسول الله.

تاريخ القرآن (نقصد بتاريخ القرآن رحلته عبر تاريخه المبكر، إلى أن تم جمعه في المصاحف، وما لحق بهذا الجمع من رموز واصطلاحات لتيسير تلاوته مجودًا، ولسهولة الإحاطة بما فيه من الألفاظ والمعاني).

هذا هو تاريخ القرآن، منذ نزلت أول سورة منه، إلى آخر آية نزلت منه، كان كتابًا محفوظًا في الصدور، متلوًّا بالألسنة، مسطورًا على الرقاع، ثم مجموعًا في مصاحف، لم يخضع لعوامل محو وقرض، ولا آفات ضياع، وضعته الأمة في "أعينها" منذ نزل، فلم يضل عنها أو يغب، ولم تضل هي عنه أو تغب، تعرف مصادره وموارده، على مدى عمره الطويل، تعرفه كما تعرف أبناءها، بلا زيغ ولا اشتباه.

هذا هو تاريخ القرآن، وضعناه وضعًا موجزًا، لكنه ملم بمعالم الرحلة، كاشفًا عن أسرارها. وضعناه لنقول لخصوم القرآن والإسلام: هل في تاريخ القرآن ما يدعو إلى الارتياب فيه، أو نزع الثقة عنه؟

وهل أصاب آياته المحكمة خلل أو اضطراب؟

وهل رأيتموه غاب لحظة عن الأمة، أو الأمة غابت عنه لحظة؟

وهل رأيتم فيه جهلًا بمصدره ونشأته وتطور مراحل جمعه وتدوينه؟

أو رأيتم في آياته تغييرًا أو تبديلًا؟

تلك هي بضاعتنا عرضناها في سوق العرض والطلب غير خائفين أن يظهر فيها غشّ أو رداءة، أو تصاب ببوار أو كساد من منافس يناصبها العداء. هذا هو ما عندنا، فما هو الذي عندكم من تاريخ الكتاب المقدس بعهديه؟! 

موضوعات ذات صلة

كيف يكونُ القرآنُ وحيًا، وهو متقطّع مفرّق يأتي بعضُهُ في وقت، ويتأخّر بعضه إلى وقت آخر؟

كيف تردّ على من يزعمُ أنّ تعددَ القراءات وتعدد الأوجه القرآنية دليل على الاختلاف وتطرُّق التحريف إلى القرآن؟

القرآن الكريم، كلام الله المعجز المنزل على سيدنا محمد ﷺ، هو هداية شاملة للبشرية ومعجزة خالدة.