Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

رد شُبهة تعدّد قراءات القرآن

الكاتب

هيئة التحرير

تعدّد قراءات القرآن

الشُّبهة:

هل تعددَ القراءات يدليل على الاختلاف في القرآن ويعد نوعا من التحريف؟

الردّ المختصر على الشبهة

إنّ قراءات القرآن (القراءات) هي أوجهٌ مختلفة وثابتة لنطق ألفاظ الوحي، وليست مجردَ قراءات لغوية عامة، وكل قراءة تزيد المعنى إثراءً. وقد زعم المستشرق جولدزيهر أنّها تحريفات نشأت عن نقص الخط العربي القديم. ولكن الرد القاطع هو أن القرآن الكريم تم تلقيه سماعًا متواترًا من جبريل للنبي ﷺ، ومنه للصحابة، وليس من خلال القراءة الخطيّة وحدها. ولقد وضع علماء المسلمين ضوابطَ صارمة لتمحيص القراءات الصحيحة، وهي: صحة السند، وموافقة العربية، وموافقة الرسم العثماني، وأن يكون معنى القراءة غير خارج عن قيم الإسلام ومقاصده الأصول والفروع، وهذه القراءات دليل على إعجاز القرآن وعناية الله بحفظه من أي تحريف أو زيغ أو تبديل.

الرد التفصيليّ على الشُّبهة

الرد على الشبهة:

القراءات جمع قراءة، وقراءات القرآن مصطلح خاص لا يُراد به المعنى اللغوي المطلق، الذي يفهم من اطلاع أي قارئ على أي مكتوب، بل لها في علوم القرآن معنى خاص من إضافة كلمة قراءة أو قراءات للقرآن الكريم، فإضافة "قراءة" أو "قراءات" إلى القرآن تخصص معنى القراءة، أو القراءات من ذلك المعنى اللغوي العام، فالمعنى اللغوي العام يطلق ويراد منه قراءة أي مكتوب، سواء كان صحيفةً أو كتابًا، أو حتى القرآن نفسه إذا قرأه قارئ من المصحف، أو تلاه بلسانه من ذاكرته الحافظة لما يقرؤه من القرآن ومنه قول الفقهاء: "القراءة في الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء تكون جهرًا، فإن أسرَّ فيهما المصلي فقد ترك سنة من سنن الصلاة، ويسجد لهما سجود السهو إن أسرَّ ساهيًا.
فقراءة القرآن هنا معنى لغوي عام، لا ينطبق عليه ما نحن فيه الآن من مصطلح: قراءات القرآن.

وقد وضع العلماء تعريفًا للقراءات القرآنية يحدد المراد منها تحديدًا دقيقًا، فقالوا في تعريفها: "اختلاف ألفاظ الوحي في الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرهما (البرهان في علوم القرآن (٣١٨/١)، مرجع سبق ذكره).
وقد عرفها بعض العلماء فقال: "القراءات: هي النطق بألفاظ القرآن كما نطقها النبي ﷺ [القراءات القرآنية تاريخ وتعريف (ص ٦٤) للأستاذ / عبد الوهاب الفضلى]، ومما تجب ملاحظته أن القراءات القرآنية وحي من عند الله -عز وجل-، فهي - إذن - قرآن، ولنضرب لذلك بعض الأمثلة:

قوله تعالى: ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ﴾ [التوبة: ١٢٨]  هذه قراءة حفص عن عاصم، أو القراءة العامة التي كتب المصحف في خلافه عثمان بن عفان رضي الله عنه عليها، والشاهد في الآية كلمة "أنفسكم" بضم الفاء وكسر السين، وهي جمع: "نفس" بسكون الفاء، ومعناها: لقد جاءكم رسول ليس غريبًا عليكم تعرفونه كما تعرفون أنفسكم؛ لأنه منكم نسبًا ومولدًا ونشأة، وبيئة، ولغة.
وقرأ غير عاصم: ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفَسِكُمۡ بفتح الفاء وكسر السين، ومعناها: لقد جاءكم رسول من أزكاكم وأطهركم، و"أنفس" هنا أفعل تفضيل من النفاسة، فكلمة أنفسكم كما ترى قرئت على وجهين من حيث النطق، وهذا هو معنى القراءة والقراءات القرآنية، مع ملاحظة مهمة ينبغي أن نستحضرها في أذهاننا ونحن نتصدى -فيما يأتى- للرد على الشبهة التي سيوردها خصوم القرآن من مدخل: تعدد قراءات القرآن أنّ هذه القراءات لا تشمل كل كلمات القرآن، بل لها كلمات في الآية دون كلمات الآية الأخرى، وقد رأينا في الآية السابقة أن كلمات الآية لم تشملها القراءات، بل كانت في كلمة واحدة هي ﴿أَنفُسِكُمۡ.
وهذا هو شأن القراءات في جميع القرآن، كما ينبغي أن نستحضر دائمًا أن كثيرًا من الآيات خلت من تعدد القراءات خلوًّ تامًّا.

ومثال آخر، قوله تعالى: ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ، والشاهد في الآية كلمة "مالك"، وفيها قراءتان: مالك: اسم فاعل من "ملك " وهي قراءة حفص وآخرين، ملك: صفة لا اسم فاعل، وهي قراءة: نافع وآخرين، ومعنى الأولى "مالك" القاضى المتصرف في شئون يوم الدين، وهو يوم القيامة، أما معنى "ملك"، فهو أعم من معنى "مالك" أي من بيده الأمر والنهي ومقاليد كل شيء، ما ظهر منها وما خفي.

وكلا المعنيين لائق بالله تعالى، وهما مدح لله عز وجل، ولما كانت هذه الكلمة تحتمل القراءتين كتبت في الرسم هكذا "ملك" بحذف الألف بعد حرف الميم، مع وضع شرطة صغيرة رأسية بين الميم واللام، ليصلح رسمها للنطق بالقراءتين، ومثال ذلك هو قوله تعالى: ﴿يَوۡمَ يُكۡشَفُ عَن سَاقٖ [القلم: ٤٢].
والشاهد في الآية كلمة "يُكشف" وفيها قراءتان:

الأولى: قراءة جمهور القراء، وهي "يُكشف" بضم الياء وسكون الكاف، وفتح الشين بالبناء للمفعول.

والثانية: قراءة ابن عباس: ﴿تَكْشِفُ بفتح التاء وسكون الكاف وكسر الشين، بالبناء للفاعل، وهو الساعة، أي يوم تكشف الساعة عن ساق. قرأها ابن عباس بالتاء، والبناء للمعلوم، وقرأها الجمهور بالياء والبناء للمجهول. والعبارة كناية عن الشدة، كما قال الشاعر:

 كشفت لهم ساقها ٠٠ وبدا من الشر البراح

[معاني القرآن للقراء (١٧٧/٣)].

هذه نماذج سقناها من القراءات القرآنية تمهيدًا لذكر الحقائق الآتية:

  •  إن القراءات القرآنية وحي من عند الله عز وجل.
  • إنها لا تدخل كل كلمات القرآن، بل لها كلمات محصورة وردت فيها، وقد أحصاها العلماء وبينوا وجوه القراءات فيها.
  • إن الكلمة التي تقرأ على وجهين أو أكثر يكون لكل قراءة معنى مقبول يزيد المعنى ويثريه.
  • إن القراءات القرآنية لا تؤدي إلى خلل في آيات الكتاب العزيز، وكلام الله الذي أنزله على خاتم رسله عليهم الصلاة والسلام.

ومع هذا فإن خصوم الإسلام يتخذون من تعدد قراءات بعض كلمات القرآن وسيلة للطعن فيه، ويرون أن هذه القراءات ما هي إلا تحريفات لحقت بالقرآن بعد العصر النبوي.

أوهام جولد زيهر حول القراءات القرآنية:

المحاولة التي قام بها جولد زيهر هي إخراج القراءات القرآنية من كونها وحيًا من عند الله، نزل به الروح الأمين إلى كونها تخيلات توهمها علماء المسلمين، وساعدهم على تجسيد هذا التوهم طبيعة الخط العربى؛ لأنه كان في الفترة التي ظهرت فيها القراءات غير منقوط ولا مشكول، وهذا ساعد على نطق الياء تاء في مثل "تقولون أو تفعلون" فمنهم من قرأ بالتاء " تقولون" ومنهم من قرأ بالياء " يقولون".
هذا من حيث النقط وجودًا وعدمًا، أما من حيث الشكل أي ضبط الحروف بالفتح أو الضم مثلًا، وأرجع إلى هذا السبب قوله تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۚ [الفرقان: ٤٨]، فقد قرأ عاصم: بشرا بضم الباء، وقرأها الكسائي وحمزة: "نشرًا" بالنون المفتوحة بدلًا من الباء المضمومة عند عاصم، وقرأ الباقون: "نُشرًا" بالنون المضمومة والشين المضمومة، بينما كانت الشين في القراءات الأخرى ساكنة (انظر: رسم المصحف (٢٩) للدكتور / عبد الفتاح شلبى، مكتبة وهبة).
وفي هذا يقول جولد زيهر نقلًا عن الترجمة العربية لكتابه الذي ذكر فيه هذا الكلام (المذاهب الإسلامية (ص٤)، ترجمة د. محمد يوسف موسى): "والقسم الأكبر من هذه القراءات يرجع السبب في ظهوره إلى خاصية الخط العربى، فإن من خصائصه أن الرسم الواحد للكلمة قد يقرأ بأشكال مختلفة تبعًا للنقط فوق الحروف أو تحتها، كما أن عدم وجود الحركات النحوية، وفقدان الشكل (أي الحركات) في الخط العربى يمكن أن يجعل للكلمة حالات مختلفة من ناحية موقعها من الإعراب، فهذه التكميلات للرسم الكتابى ثم هذه الاختلافات في الحركات والشكل، كل ذلك كان السبب الأول لظهور حركة القراءات، فيما أهمل نقطه أو شكله من القرآن".

إن المتأمل في هذا الكلام، الذي نقلناه عن جولد زيهر، يدرك أن الرجل يريد أن يقول في دهاء وخبث: إن هذه القراءات تحريفات معترف بها لدى المسلمين خاصتهم وعامتهم، وأن النصوص الإلهية المنزلة على رسولهم أصابها بعض الضياع إنه لم يقل صراحة بالتحريف وإنما وضع المبررات لوجود التحريف في القرآن الحكيم.
ثم أخذ - بعد ذلك - يورد أمثلة من القراءات وينسبها إلى السببين اللذين تقدم ذكرهما، وهما:

  • تجرّد المصحف من النقط في أول عهده.
  • تجرّد كلماته من ضبط الحروف.

فإلى السبب الأول نسب قوله تعالى: ﴿وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٗا يَعۡرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمۡ قَالُواْ مَآ أَغۡنَىٰ عَنكُمۡ جَمۡعُكُمۡ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ [الأعراف: ٤٨]، والشاهد في كلمة "تستكبرون" وهي قراءة الجمهور، وقد قارنها جولد زيهر بقراءة شاذة " تستكثرون " بإبدال الباء ثاء، يريد أن يقول: إن الكلمة كانت في الأصل "يستكبرون" غير منقوطة الحروف الأول والثالث والخامس فاختلف في قراءتها: فمنهم من قرأ الخامس "باء" والأول تاء فنطق: تستكبرون، ومنهم من قرأ الخامس "ثاء" فنطق " تستكثرون. هذا هو سبب هاتين القراءتين عنده.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱسۡتِغۡفَارُ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةٖ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ [التوبة: ١١٤] والشاهد في كلمة "إياه" ضمير نصب منفصل للمفرد الغائب الذكر، ثم قارنها بقراءة شاذة لحماد الراوية هكذا "أباه" بإبدال الياء من "إياه" باء "أباه" أي وعدها إبراهيم عليه السلام أباه؟ [رسم المصحف (٣٠)، مرجع سبق ذكره].

أما اختلاف القراءات للسبب الثاني، وهو تجرد كلمات المصحف عن الضبط بالحركات، فمن أمثلته عنده قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ [الرعد: ٤٣] وقارن بين قراءاتها الثلاث: "مَنْ عِنْدَهُ " - " مِنْ عِنْدِهِ " - "مَنْ عِنْدِهِ"؟!

هذا هو منهجه في إخراج القراءات القرآنية من كونها وحيًا من عند الله، إلى كونها أوهامًا كان سببها نقص الخط العربي الذي كتب به المصحف أولًا عن تحقيق الألفاظ من حيث حروفها ومن حيث كيفية النطق بها، واقتفي أثره كثير من المبشرين والمستشرقين.

الرد على هذه الشبهة:

لقد حظي كتاب الله العزيز بعناية منقطعة النظير، في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته، ومن الحقائق الراسخة رسوخ الجبال أن طريق تلقي القرآن كان هو السماع الصوتي.

  • سماع صوتي من جبريل لمحمد عليهما السلام.
  • وسماع صوتي من الرسول إلى كتبة الوحي أولًا وإلى المسلمين عامة.
  • وسماع صوتي من كتبة الوحي إلى الذين سمعوه منهم من عامة المسلمين.
  • وسماع صوتي حتى الآن من حفظة القرآن المتقنين إلى من يتعلمونه منهم من أفراد المسلمين.

هذا هو الأصل منذ بدأ القرآن ينزل إلى هذه اللحظة وإلى يوم الدين، في تلقى القرآن من مرسل إلى مستقبل، وليست كتابة القرآن في مصاحف هي الأصل، ولن تكون.
القرآن يجب أن يُسمع بوعي قبل أن يقرأ من المصحف، ولا يزال متعلم القرآن في أشد الحاجة إلى سماع القرآن من شيوخ حافظين متقنين، وفي القرآن عبارات أو كلمات مستحيل أن يتوصل أحد إلى نطقها الصحيح عن مجرد القراءة في المصحف، ولو ظل يتعلمها وحده أيامًا وأشهرًا.
وبهذا تهوى الأفكار التي أرجع إليها جولد زيهر نشأة القراءات إلى الحضيض، ولا يكون لها أي وزن في البحث العلمي المقبول؛ لأن المسلمين من جيل الصحابة ومن تبعهم بإحسان لم يتعلموا القرآن عن طريق الخط العربي من القراءة في المصاحف، وإنما تعلموه سماعًا واعيًا ملفوظًا كما خرج من فم محمد ﷺ، ثم قيض الله لكتابه شيوخًا أجلاء حفظوه وتلوه غضًّا طريًّا كما كان صاحب الرسالة يحفظه ويتلوه كما سمعه من جبريل أمين الوحي.
أجل.. كان سيكون لأفكار جولد زيهر وجه من الاحتمال لو كان المسلمون يأخذون القراءة قراءة من مصاحف، أما وقد علمنا أن طريق تلقى القرآن هو السماع الموثق، فإن أفكار جولد زيهر تذهب هباء في يوم ريح عاصف.

ثانيًا: إن القراءات الصحيحة مسموعة من جبريل لرسول الله ﷺ، ومسموعة من محمد لكتبة الوحي، ومسموعة من محمد ومن كتبة الوحي لعموم المسلمين في صدر الإسلام الأول، ثم شيوخ القرآن في تعاقب الأجيال حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
لقد سمع المسلمون من محمد المعصوم عن الخطأ في التبليغ "فتبينوا"، و"فتثبتوا" في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ﴾ [الحجرات: ٦] بالباء والياء والنون، وسمعوها منه "فتثبتوا" بالتاء والثاء والباء والتاء وكلا القراءتين قرآن موحى به من عند الله. وليس كما توهم جولد زيهر، إنهما قراءتان ناشئتان عن الاضطراب الحاصل من خلو كلمات المصحف من النقط والشكل في أول أمره؟ والقراءتان، وإن اختلف لفظاهما، فإن بين معنييهما علاقة وثيقة، كعلاقة ضوء الشمس بقرصها: لأن التبين، وهو المصدر المتصيد من "فتبينوا" هي التفحص والتعقب في الخبر الذي يذيعه الفاسق بين الناس، وهذا البين هو الطريق الموصل للتثبت، فالتثبت هو ثمرة التبين، ومن تبين فقد تثبت، ومن تثبت فقد تبين، فما أروع هذه القراءات، ورب السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، إن قراءات القرآن لهي وجه شديد الإشراق من وجوه إعجاز القرآن، وإن كره الحاقدون.

وكما سمع المسلمون من فم محمد، الذي لا ينطق عن الهوى في الآية السابقة: "فتبينوا" و "فتثبتوا" سمعوا منه كذلك، "يفصل"  و "نفصل" في قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ [يونس: ٥]،  و ﴿نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وفاعل الفصل في القراءتين واحد هو الله -عز وجل-، وقد اختلف التعبير عن الفاعل في القراءتين، فهو في القراءة الأولى: ﴿يُفَصِّلُ ضمير مستتر عائد على الله عز وجل في قوله: ﴿مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ أي يفصل هو الآيات، فالفاعل هنا مفرد لعوده على مفرد "الله".
وفي القراءة الثانية عبَّر عن الفاعل بضمير الجمع للمتكلم ﴿نُفَصِّلُ أي نفصل نحن، والله واحد أحد، ولكن النون في ﴿نُفَصِّلُ لها معنى في اللغة العربية هو التعظيم إذا كان المراد منها فردًا لا جماعة، ووجه التعظيم بلاغة تنزيل الفرد منزلة "الجماعة" تعظيما لشأنه، وإجلالا لقدره، وفي هاتين القراءتين تكثير للمعنى، وهو وصف ملازم لكل القراءات.

وللبلاغيين إضافة حسنة في قراءة " نفصل " بعد قوله: ﴿مَا خَلَقَ ٱللَّهُ... هي الانتقال من الغيبة في ﴿مَا خَلَقَ ٱللَّهُ... إلى المتكلم في ﴿نُفَصِّلُ للإشعار بعظمة التفصيل وروعته.


وبعد: إن إرجاع القراءات القرآنية لطبيعة الخط العربي الذي كان في أول أمره خاليا من النقط والشكل، كما توهم "جولد زيهر" ومن بعده "آثر جيفرى" في المقدمة التي كتبها لكتاب المصاحف، لأبي داود السجستاني، وتابعهما المستشرق "جان بيرك"، إن هذه النظرية مجرد وهم سانده جهل هؤلاء الأدعياء على الفكر الإسلامي، مبدؤه ومنتهاه الحقد على الإسلام والتطاول على القرآن، لحاجات في نفوس "اليعاقيب".
وقد قدمنا في إيجاز ما أبطل هذه الأوهام، وبقي علينا في الرد على هذه الشبهة أن نذكر في إيجاز كذلك جهود علمائنا في تمحيص القراءات، وكيف وضعوا الضوابط الدقيقة لمعرفة القراءات الصحيحة، من غيرها مما كان شائعًا وقت جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان "رضي الله عنه".

تمحيص القراءات:

وضع العلماء الأقدمون ضوابط محكمة للقراءات الصحيحة التي هي وحي من عند الله. وتلك الضوابط هي:
١ - صحة السند، الذي يؤكد سماع القراءة عن رسول الله ﷺ.
٢- موافقة القراءة لرسم المصحف الشريف، الذي أجمعت عليه الأمة في خلافه عثمان -رضي الله عنه- مع ملاحظة أن الصحابة الذين نسخوا القرآن في المصحف من الوثائق النبوية في خلافه عثمان، نقلوه كما هو مكتوب في الوثائق النبوية بلا تغيير أو تبديل. ورسم المصحف الذي بين أيدينا الآن سنة نبوية؛ لأن النبي ﷺ أقر تلك الوثيقة، واحتفظ بها في بيته حتى آخر يوم في حياته الطيبة.
ولذلك أجمع أئمة المذاهب الفقهية على تحريم كتابة المصحف في أي زمن من الأزمان، على غير الرسم المعروف بالرسم العثماني للمصحف الشريف، ونقل هذا الإجماع عنهم كثير من علماء تاريخ القرآن [ينظر: البرهان في علوم القرآن، مرجع سبق ذكره].
٣ - أن تكون القراءة موافقة لوجه من وجوه تراكيب اللغة العربية؛ لأن الله أنزل كتابه باللسان العربى المبين.
٤ - أن يكون معنى القراءة غير خارج عن قيم الإسلام ومقاصده الأصول والفروع.

فإذا تخلّف شرط من هذه الشروط فلا تكون القراءة مقبولة ولا يعتد بها، وعملًا بهذه الضوابط تميزت القراءات الصحيحة من القراءات غير الصحيحة، أو ما يسمى بالقراءات الشاذة، أو الباطلة، ولم يكتف علماؤنا بهذا، بل وضعوا مصنفات عديدة حصروا فيها القراءات الصحيحة، ووجهوها كلها من حيث اللغة، ومن حيث المعنى، كما جمع العلامه ابن جني القراءات الشاذة، حاصرًا لها، واجتهد أن يقومها تقويمًا أفرغ ما ملك من طاقاته فيه، وأخرجها في جزءين كبيرين. 
أما ذو النورين عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، حين أمر بنسخ الوثائق النبوية في المصاحف، فقد أراد منه هدفين، ننقل للقارئ الكريم كلامًا طيبًا للمرحوم الدكتور/ محمد عبد الله دراز في بيانهما: "في رأينا أن نشر المصحف بعناية عثمان كان يستهدف أمرين:

أولهما: إضفاء صفة الشرعية على القراءات المختلفة، التي كانت تدخل في إطار النص المدون - يعنى المصحف - ولها أصل نبوي مجمع عليه، وحمايتها فيه منعًا لوقوع أي شجار بين المسلمين بشأنها، لأن عثمان كان يعتبر التماري (أي الجدال) في القرآن نوعًا من الكفر. 

ثانيهما: استبعاد ما لا يتطابق تطابقًا مطلقًا مع النص الأصلي (الوثائق النبوية) وقاية للمسلمين من الوقوع في انشقاق خطير فيما بينهم، وحماية للنص ذاته من أي تحريف، نتيجة إدخال بعض العبارات المختلف عليها نوعًا ما، أو أي شروح يكون الأفراد قد أضافوها إلى مصاحفهم " [مدخل إلى القرآن الكريم " (ص٤٣) مرجع سبق ذكره].

هذه هي عناية المسلمين من الرعيل الأول بالقرآن الكريم وتعدد قراءاته، وحماية كتاب الله من كل دخيل على نصوص الوحي الإلهي.
هذا، وإذا كان جولد زيهر، وآثر جيفري المبشر الإنجليزى، وجان بيرك قد أجهدوا أنفسهم في أن يتخذوا من قراءات القرآن منفذًا للانقضاض عليه، والتشكيك فيه، فإن غيرهم من المستشرقين شهدوا للقرآن بالحق، ونختم ردنا على هذه الشبهة بمستشرق نزيه، أثنى على القرآن وقال: "إنه النص الإلهي الوحيد، الذي سلم من كل تحريف وتبديل، لا في جمعه، وفي تعدد مصاحفه، ولا في تعدد قراءاته".
قال المستشرق لوبلوا:  "إن القرآن هو اليوم الكتاب الرباني الوحيد، الذي ليس فيه أي تغيير يذكر".
ومن قبله قال مستشرق آخر (د. موير) كلامًا طيبًا في الثناء على القرآن، وهو: "إن المصحف الذي جمعه عثمان، قد تواتر انتقاله من يد ليد، حتى وصل إلينا بدون أي تحريف، ولقد حفظ بعناية شديدة، بحيث لم يطرأ عليه أي تغيير يذكر، بل نستطيع أن نقول إنه لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق في النسخ التي لا حصر لها، المتداولة في البلاد الإسلامية الواسعة، فلم يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية المتنازعة وهذا الاستعمال الإجماعي لنفس النص المقبول من الجميع حتى اليوم، حجة ودليل على صحة النص المنزل، الموجود معنا والذي يرجع إلى (عهد) الخليفة المنكوب، عثمان الذي مات مقتولًا" [حياة محمد تأليف ألما. ٧٧ ص ٣٣ نقلا عن: مدخل إلى القرآن الكرم. مرجع سبق ذكره، ص ٤٠].

موضوعات ذات صلة

ما الدافع وراء تشكيك المشككين في عملية جمع القرآن؟

كيف يكونُ القرآنُ وحيًا، وهو متقطّع مفرّق يأتي بعضُهُ في وقت، ويتأخّر بعضه إلى وقت آخر؟

هناك مَنْ يكتفون بالقرآن الكريم، ويشكّكون في صحة الأحاديث، ويُظهرون التناقضات بينها.