الشُّبهة:
هل كان قومُ النبيّ صلى الله عليه وسلم زُناة؟ وهل يُعدّ هذا عيبًا في النبيّ صلى الله عليه وسلم؟
وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
الشُّبهة:
هل كان قومُ النبيّ صلى الله عليه وسلم زُناة؟ وهل يُعدّ هذا عيبًا في النبيّ صلى الله عليه وسلم؟
يتساءل البعض عن ذنب النبي ﷺ في وقوع قومه بالزنا أو كونهم من أهل الجحيم، رغم طهارته وعفته قبل النبوة وتحريم رسالته للزنا، ويوضح هذا المقال أنّ الإسلام يؤكد على المسؤولية الفردية للخطايا وعدم توريثها، عملًا بقول الحق تعالى: ﴿كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، مما يعني أن كل نفس تُحاسب على فعلها، كما أن كون بعض أقارب النبي ﷺ من أهل النار لا يُعد عيبًا، بل هو دليل على عدالة التشريع الإسلامي الذي يطبق الأحكام على الجميع دون محاباة للقرابة، مما يُعد وسامَ شرف لرسالته ﷺ.
ما ذنب النبي ﷺ أن يقع قومه ومن أرسل إليهم في خطيئة الزنا أو أن يكونوا من أصحاب
الجحيم؟ مادام هو صلوات الله وسلامه عليه قد برئ من هذه الخطيئة، ولا سيما في مرحلة
ما قبل النبوة، وكانت مرحلة الشباب التي يُمكن أن تكون إغراءً له ولأمثاله أن يقعوا
في هذه الخطيئة؛ لا سيما وأنّ المجتمع الجاهليّ كان يشجع على ذلك، وكان الزنا فيه من
الأمور العاديّة التي يمارسها أهل الجاهلية شبانًا وشيبًا أيضًا.
وكان للزنا فيه
بيوت قائمة يعترف المجتمع بها، وتُعلق على أبوابها علامات يعرفها بها الباحثون عنِ الخطيئة، وتُعرف بيوت البغايا باسم أصحاب الرّايات.
ومع هذا الاعتراف العلنيّ من المجتمع الجاهليّ بهذه الخطيئة، ومع أن ممارستها للشباب وحتى للشيب لم تكن مما يكره المجتمع أو يعيب من يمارسونه؛ فإن رسول الله ﷺ لم يقع فيها أبدًا؛ بل شهدت كل كتب السير والتواريخ له ﷺ بالطهارة والعفة وغيرهما من الفضائل الشخصية التي يزدان بها الرجال وتحسب في موازين تقويمهم وتقديرهم، وأرسله الله سبحانه ليغير هذا المنكر. هذه واحدة.
والثانية: أنّ الرسالة التي دعا بها ودعا إليها النبي ﷺ حرمت الزنا تحريمًا قاطعًا، وحملت آياتها في القرآن الكريم عقابًا شديدًا للزاني والزانية يبدأ بعقوبة بدنية هي أن يجلد كل منهما مائة جلدة قاسية، يتم تنفيذها علنًا بحيث يشهدها الناس؛ لتكون عبرة وزجرًا لهم عن التورط فيها كما تقول الآية الكريمة: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [النور: ٢]. فإذا كان الزانيان محصنين، أي: كل منهما متزوج، ارتفعت العقوبة إلى حدِّ الإعدام رميًا بالحجارة حتى الموت.
ولا تقف العقوبة عند ذلك؛ بل نرى أن رسالة النبي ﷺ تضع مَن يمارسون هذه الخطيئة في مرتبة دونيّة من البشر حتى لكأنهم صنف منحطّ وشاذّ عن بقية الأطهار الأسوياء، فتقول الآية الكريمة عنهم: ﴿ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٞۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [النور: ٣].
من الذي يحمل المسئولية عن الخطيئة؟
فإذا كان النبي ﷺ قد طهر من هذه الخطيئة في المجتمع الذي كان يراها عادية ومألوفة، ثم كانت رسالته ﷺ تُحرمها التحريم القاطع والصريح، وتضع مرتكبيها في مرتبة الانحطاط والشذوذ عن الأسوياء من البشر.
فَلِمَ يُعير النبي ﷺ بأن بعض قومه زناة؟ وهل يصح في منطق العقلاء أن يعيبوا إنسانًا بما في غيره من العيوب؟ وأن يحملوه أوزار الآخرين وخطاياهم؟
وهنا يكون للمسألة وجه آخر يجب التنويه إليه، وهو خاص بالمسئولية عن الخطيئة أهي فردية خاصة بمن يرتكبونها؟ أم أنّ آخرين يُمكن أن يحملوها نيابة عنهم ويؤدون كفارتها؟
إنّ الإسلام يمتاز بأمرين مهمين:
أولهما: أن الخطيئة فردية يتحمل من وقع فيها وحده عقوبتها، ولا يجوز أن يحملها عنه أو حتى يشاركه في حملها غيره، وصريح آيات القرآن يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ثم: ﴿وَلَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٍ إِلَّا عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وورد هذا النص في آيات كثيرة.
أما الأمر الثاني: فيما أقره الإسلام في مسألة الخطيئة فهو أنها لا تورث ولا تنقل من مخطئ ليتحمل عنه وزره آخر حتى ولو بين الآباء وأبنائهم وفي هذا يقول القرآن الكريم: ﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا﴾ [البقرة: ٤٨] ﴿هُنَالِكَ تَبۡلُواْ كُلُّ نَفۡسٖ مَّآ أَسۡلَفَتۡۚ﴾ [يونس: ٣٠]، ﴿لِيَجۡزِيَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾ [إبراهيم: ٥١] ﴿يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا﴾ [النحل: ١١١]، ﴿وَلِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٢٢]، ﴿كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]. وغير هذا كثير مما يؤكد ما أقرّه الإسلام من أن الخطايا فردية وأنها لا تورث ولا يجزى فيها والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئًا.
وما دام الأمر كذلك فلم يلام النبي ﷺ ولا يعاب شخصه أو تعاب رسالته بأن بعض أهله أو حتى كلهم زناة مارسوا الخطيئة التي كان يعترف بها مجتمعه ولا يجزي فيها شيئًا أو ينقص الشرف والمروءة أو يعاب بها عندهم من يمارسها.
وحسب النبي ﷺ أنه لم يقع أبدًا في هذه الخطيئة لا قبل زواجه ولا بعده، ثم كانت رسالته دعوة كبرى إلى التعفف والتطهر وإلى تصريف الشهوة البشرية في المصرف الحلال الذي حض الإسلام عليه وهو النكاح الشرعي الحلال، ودعا المسلمين إلى عدم المغالاة في المهور تيسيرًا على الراغبين في الحلال، حتى كان الرسول ﷺ يزوج الرجل بأقل وأيسر ما يملك من المال، وأُثر عنه ﷺ أنّ شابًّا جاءه يرغب إليه في الزواج وما كان معه ما يفي بالمراد، فقال له ﷺ: «التمِسْ ولوْ خاتمًا منْ حديدٍ» [رواه البخاري كتاب النكاح]. وأكثر من هذا أنه ﷺ كان يزوّج بعض الصحابة بما يحفظ من القرآن الكريم.
لهذا لم تقع خطايا الزنا في المجتمع في العهد النبويّ كله إلا في ندرة نادرة، ربما؛ لأنّ الحق -سبحانه- شاء أن تقع وأن يقام فيها الحدّ الشرعيّ؛ ليسترشد بها المجتمع في مستقبل الأيام؛ كتشريع تم تطبيقه في حالات محددة يكون هاديًا ودليلًا في القضاء والحكم.
هذا عن اتهام النبي ﷺ بأن أهله زناة، وهو كما أوضحنا اتهام متهافت لا ينال من مقام النبوة ولا يرتقي إلى أقدام صاحبها ﷺ، وقد أتينا عليه بما تستريح إليه ضمائر العقلاء وبصائر ذوي القلوب النقية.
أما عن الاتهام بأن النبي ﷺ كان أهله من أصحاب الجحيم، فهي شهادة لجلال التشريع الذي أنزله الحق على النبي ﷺ فأكمل به الدين وأتم به النعمة، بل إن ما يعيبون به النبي ﷺ من أن أهله من أصحاب الجحيم ليس أبدا عيبًا في منطق العقلاء ذوي النصفة والرشد؛ بل إنه وسام تكريم لرسول الله ﷺ ولرسالته الكاملة والخاتمة في أن التشريع الذي نزلت به سوى بين من هم أقرباء النبي ﷺ وبين من هم غرباء عنه في جميع الأحكام ثوابًا وعقوبة، بل إن التشريع الذي نزل على النبي ﷺ نص صراحة على التزام العدل خاصة حين يكون أحد أطرافه ذا قربى فقال القرآن: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسۡتَغۡفِرُواْ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوٓاْ أُوْلِي قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] وقوله: ﴿وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُواْ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
أما في السنة النبوية، فحديث المرأة المخزومية -من بني مخزوم ذوي الشرف والمكانة- التي ارتكبت جريمة السرقة، وهي جريمة عقوبتها حدّ السرقة، وهو قطع يد السارق كما تنص عليه آيات القرآن، وشغل بأمرها مجتمع المدينة لئلا يطبقَ عليها الحد فتقطع يدها، وهي ذات الشرف والمكانة، فسعوا لدى أسامة بن زيد -حِبّ رسول الله ﷺ- أن يشفع لها لدى رسول الله. فكلّمَ رسول الله ﷺ، فقال: «أتشفعُ في حدّ من حُدودِ اللهِ؟ ثمّ قامَ فخطبَ فقالَ: يا أيها الناسُ إنّما ضلّ منْ كانَ قبلكُمْ أنّهم كانُوا إذا سرق فيهمٌ الشريفٌ تركوه، وإذا سرقَ فيهمُ الضعيفُ أقاموا عليهِ الحدّ، وايمُ اللهِ لوْ أنّ فاطمةَ بنت محمدٍ سرقت لقطعَ محمدٌ يدَها» [رواه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء].
وعليه فكون بعض ذوي قرابة النبي ﷺ من أصحاب الجحيم كأبي لهب عمه الذي نزلت فيه سورة المسد: ﴿تَبَّتۡ يَدَآ أَبِي لَهَبٖ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] وغيره ممن كان نصيرًا لهم مع بقائه على شركه. كون هؤلاء من أصحاب الجحيم؛ لأنهم بقوا على شركهم ولم تنفعهم قرابتهم لرسول الله ﷺ هو في الواقع شهادة تقدير تعطى للنبي ﷺ ورسالته التي سوّت في العدل بين القريب وبين الغريب، ولم تجعل لعامل القرابة أدنى تأثير في الانحياز ضد الحق لصالح القريب على الغريب. وما قاله المبطلون هو في الحق وسام وليس باتهام.
كيف يُمكن الردّ علي شبهة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم حاول الانتحار؟
الردّ على شُبهة تعظيم النبيّ صلى الله عليه وسلم للحجر الأسود.
يزعمُ بعضُ الحاقدين أنّ موتَ النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم متأثرًا بالسمّ