Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

شبهة الإتيان بتوضيح الواضح

الكاتب

هيئة التحرير

شبهة الإتيان بتوضيح الواضح

تتناول السطور التالية الحكمة البلاغية والتشريعية في قوله تعالى: ﴿تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ﴾، والرد على من توهم فيها تكراراً لا فائدة منه، مبيّنة دقة النظم القرآني في إحكام المعنى.

عرض الشبهة

منشأ هذه الشبهة: هو قوله جل ثناؤه: ﴿فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ﴾ [البقرة: ١٩٦]    

موطن الشاهد على هذه الشبهة عندهم هو قوله تعالى: ﴿تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ﴾ بعد قوله عز شأنه: ﴿فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ﴾ وفي تصوير هذه الشبهة قالوا: فلماذا لم يقل: تلك عشرة؟ مع حذف كلمة "كاملة" تلافيًا لإيضاح الواضح؟؛ لأنه مَنْ الذي يظن أن العشرة تسعة؟!

الرد المختصر على الشبهة

ذكر المجموع (عشرة) بعد التفصيل (ثلاثة وسبعة) أسلوب عربي فصيح يُسمى "الفذلكة" لتوكيد العدد، والهدف الأساسي منه شرعي وهو قطع توهم أن "الواو" للإباحة (بمعنى "أو")؛ لئلا يظن أحد جواز الاكتفاء بأحد الرقمين، ووصفها بـ "كاملة" يفيد إلزامية إتمام الصيام وعدم التهاون فيه، وتعظيم أجر هذه الأيام.

الرد التفصيلي على الشبهة

من الآيات الكونية لله حركة القمر في رحلته الشهرية حيث يظهر ضعيفًا نحيفًا في أولى لياليه، حتى لا يكاد يراه أحد إلا بأجهزة الرصـد الحساسة، ثم ينمو ويكبر ليلة وراء ليلة، وفي كل ليلة تالية تصحبها ظاهرتان في تطور القمر:

الظاهرة الأولى: إطالة مكثه بعد غروب الشمس، فهو في أولى لياليه لا يمكث إلا لحيظات في شكله الضعيف النحيف.

أما الظاهرة الثانية: فهي تطور حجمه من الضعف والنحافة إلى القوة والضخامة.

أما في الليالي التالية فتزيد مدة مكثه بعد غروب الشمس، ويكبر حجمه، ليلة تلو ليلة.

وفي ليلة الخامس عشر من بدء ولادته تصل الظاهرتان إلى أقصى درجة لهما، فيمتد مكثه طول الليل، منيرًا في الوجود، ويكتمل قرصه فيملأ الدائرة المخصصة له ويكتمل نوره١٠٠% ويحيل الليل المظلم إلى نور قوي هادئ فيه منافع للناس، ويُعجبُ الناظرين، ويتغنى بجماله الشعراء، ويشبهون به كل ما يرونه: (حسنًا جميلًا - بهيًا ساحرًا - رفيع الشأن شامخًا).

حتى العامة من الناس -غير الشعراء المرهفي الحس- يفتنون به، ويعبرون عن بهائه وسحره، ويمجدون بوصفه كل جميل، فيقولون: "قمر أربع عشرة" أي قمر الليلة التي يرون فيها القمر يوم الرابع عشر، التي سيعقبها اليوم الخامس عشر من الشهر، والقمر في هذه الليلة يبلغ كمال شبابه ونضجه.

ومنذ فجر الحياة كان القمر، وبخاصة في ليلة كماله مبعث الإعجاب والبهارة والابتهاج في نفس كل من يراه، ولم يشذ عن هذا الإحساس أحد، فإن رأيت من يذم القمر في ليلة كماله فاعلم أنه رجل مريض الحس، فاسد الذوق، غريب الأطوار، والأساليب البيانية شأنها شأن القمر، في تدرج أنماطها وتفاوت درجاتها:

فمنها الحديث اليومي العادي، الذي يخلو من الخصائص الفنية ومنها المتوسط الدرجة، الذي لا يمدح ولا يذم.

ومنها البيان العالي المؤثر في النفوس، الممتع للعواطف المثري للفكر.

ومنها البيان الأعلى، المعصوم من النقد، الذي يحس الناس برونقه وإحكامه وجماله وكماله وجلاله، وهو القرآن المعجز العظيم.

ومن أساليب هذا البيان الأعلى الذي لا يضارعه بيان، أسلوب التوكيد كما في قوله تعالى: ﴿تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ﴾ [البقرة: ١٩٦].

ونبدأ بأقوال الأئمة في بيان قيمة: ﴿تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ﴾ في تقوية الأسلوب وتوفير العناية بالمعنى، نبدأ بما قاله الإمام الزمخشري: "فإن قلت: ما فائدة الفذلكة

قلت: الواو قد تجئ للإباحة في نحو قولك: جالسني الحسن، وابن سيرين، ألا ترى أنه لو جالسهما جميعا، أو واحدًا منهما كان ممتثلًا، فَفُذْلِكَتْ نفيًا لتوهم الإباحة [الفذلكة: مصطلح فني معناه إجمال المعنى في عبارة موجزة بعد بسطه في عبارة طويلة].

وأيضًا ففائدة الفذلكة في كل حساب أن يُعْلَم العدد جملة كما عُلِمَ تفصيلًا ليحاط به من جهتين فيتأكد العلم به.

وفي أمثال العرب: "علمان خير من علم".

وكذلك " كاملة" تأكيد آخر، وفيه زيادة توصية بصيامها، وألا يتهاون بها، ولا ينقص من عددها، وقيل " كاملة في وقوعها بدلا من الهدي" [الكشاف ١/٣٤٥].

يعنى أن في هذه العبارة توكيدين: الأول في: ﴿تِلۡكَ عَشَرَةٞ﴾، والثاني في ﴿كَامِلَةٞۗ﴾.

وقد بيَّن الإمام - رحمه الله - المعاني التي أفادها هذا التركيب ولنا إضافة على ما قاله سنوضــحها في الخلاصة التي تعودنا على جعلها خاتمة كل مبحث.

ويتابع الإمام البيضاوي ما قاله الإمام الزمخشري ويضيف إليه جديدًا، فيقول: ﴿تِلۡكَ عَشَرَةٞ﴾ فذلكة الحساب، وفائدتها ألا يتوهم متوهم أن " الواو " -أي في ﴿وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ﴾ - كقولك جالسني الحسن وابن سيرين، وأن علم العدد جملة كما علم تفصيلًا، و﴿كَامِلَةٞۗ﴾ صفة مُؤكِّدَة تفيد المبالغة في المحافظة على العدد، أو مُبيِّنَة كمال العشرة، فإنه أول عدد كامل إذ به تنتهي الآحاد وتتم مراتبها ". [أنوار التنزيل ١ /١١١].

ويسوق غيرهم شواهد من الشعر العربي على تأصيل هذا الأسلوب في لغة العرب، مثل:

فسرتُ إليهمُ عشرين شهرًا وأربعة فذلك حِجَّتان، أي: سنتان.

وقول الآخر:

ثلاث بالغداة فهُنَّ حسبي ** وست حين يدركني العشاء

فذلك تسعة في اليوم ربى ** وشُرب المرء بعد الرِي داء [الدر المصون ٢ /٣٢٠].

والخلاصة:

لقد أصاب الأئمة في الإشارة إلى معنى جملة ﴿تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ﴾ وبخاصة في قولهم إنها أفادت دفع توهم من يحسب أن "الواو" بمعنى " أو" تفيد الإباحة، فليس ببعيد أن يفهم بعض الناس أن المتمتع بالعمرة إلى الحج كفارته الصيام:

فإن صام في الحج فيكفيه ثلاثة أيام، ومن لم يصم حتى رجع إلى بلده فعليه صيام سبعة أيام، وأن يفهم الاكتفاء بالثلاثة في الحج للتخفيف على المحرمين بالحج ويؤدون مناسكه، أما بعد الرجوع إلى الوطن فلا داعي للتخفيف؛ لأنه غير مشغول بالمناسك، وليس غريبًا عن بلده ليس ببعيد أن يقع هذا الفهم في أذهان بعض الناس حتى الفقهاء المجتهدين؛ لذلك كان قوله تعالى: ﴿تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ﴾ واصفًا لها بأنها "كاملة" دافعًا لذلك الفهم.

وبذكر ﴿كَامِلَةٞۗ﴾ تحوَّل قوله تعالى: ﴿تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ﴾ إلى نص محكم غير قابل للاحتمال أو التأويل، أما من حيث البلاغة والبيان، فإن كلمة ﴿كَامِلَةٞۗ﴾ وصفا لــــ ﴿تِلۡكَ عَشَرَةٞ﴾ والعدول عن اسم الإشارة للقريب (هذه) إلى اسم الإشارة للبعيد في قوله تعالى: ﴿تِلۡكَ﴾ يحمل دلالة تعظيمية بالغة؛ فهو يشير إلى علوّ منزلة هذه الأيام وكمال فضلها عند الله تعالى، وكأنها لرفعتها بعيدة المنال في الشرف والمكانة، وهذا السر البلاغي الدقيق يجهله مثيرو الشبهات الذين توهموا أن الزيادة عيب، بينما هي في الحقيقة مكمن الإعجاز والبيان.

موضوعات ذات صلة

رفع كلمة "الصابئون" في آية المائدة صحيح ولا شيء فيه من حيث الإعراب والبلاغة، ويمكنك التعرف على أهم آراء النحاة والمفسرين لتوضيح المعنى وتصحيح فهم شبهات الطاعنين في القرآن الكريم.

يُبيّن هذا المقال الوجه النحوي والبلاغي لتأنيث العدد في قوله تعالى: ﴿ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا﴾، موضحًا اعتماد القرآن على أساليب العرب في مراعاة المعنى واللفظ، وكاشفًا زيف الشبهات التي أُثيرت حول الآية بأسلوب علمي موجز.

تُثار شبهة حول استخدام اسم الموصول "مَن" في قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ﴾ بدلًا من المصدر "أن تؤمنوا"، بزعم أن البر هو الفعل لا فاعله، وهذا جهل ببلاغة القرآن الكريم وعمق التعبير اللغوي.