Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الإدراك

الكاتب

أ.د عصمت نصار

الإدراك

الإدراك هو الإحاطة بالشيء بكماله، والوقوف على صورة الشيء عند النفس الناطقة، وتناول الفقهاء، والمتلكمون، والصوفية، وفلاسفة الإسلام مصطلح الإدراك بالشرح والتوضيح.

الإدراك لغة واصطلاحًا

الإدراك في اللغة Perception: البلوغ واللقاء والوصول والإحاطة الذهنية واللحاق.

والإدراك اصطلاحًا: يعني تحصيل المعارف المختلفة والعلم بحقيقة الشيء في صورته ومادته وهو الدراية الذهنية بوجود الأشياء مجردة أو مادية جزئية أو كلية حاضرة أو غائبة حاصلة في ذات المدرك أو في آلته. وذلك عن طريق الإحساس والتخيل والتوهم والتعقل.

 والإدراك في تعريفات الجرجاني هو الإحاطة بالشيء بكماله، والوقوف على صورة الشيء عند النفس الناطقة، وتمثل حقيقته من غير حكم عليه بنفي أو إثبات ويسمي تصورًا ومع الحكم بأحدهما يسمي تصديقًا (التعريفات: ص٩).

مفهوم الإدراك عند علماء الإسلام وفلاسفته

والإدراك عند الفقهاء هو الاستدلال على مواضع طلب الأحكام الشرعية ومن صوره الاجتهاد. وإدراك الفريضة هو أداؤها كاملة وقد اختلف الفقهاء فيما بينهم على تحديد دلالة الإدراك ولا سيما في حكمهم على المدرك لصلاة الجماعة وسن بلوغ الغلام وزمن نضج الثمار.

والإدراك عند المتكلمين: يعني العلم وقد بحثت دلالته في قضية الصفات الإلهية، وهي من المسائل الخلافية بين الفرق من حيث مساواة الإدراك للعلم، واعتبار الإدراك من صفات الكمال وصلة الإدراك بالحواس والحوادث.

 وقد ورد كذلك في سياق جدالهم حول رؤية الله وكيفية إدراكه يوم القيامة.

وللإدراك عند الصوفية ضربان: الإدراك البسيط وهو إدراك الوجود الحق سبحانه وتعالى مع الذهول عن هذا الإدراك وعن أن المُدْرَك هو الوجود الحق سبحانه، وإدراك مركب وهو إدراك الوجود الحق سبحانه مع الشعور بهذا الإدراك وبأن المُدْرَك هو الوجود الحق سبحانه، وقد ورد هذا المصطلح في سياق حديث الصوفية عن الفناء والذوق والشهود والرؤية والحقيقة والإنسان الكامل (الموسوعة الصوفية: ص٧٧٩).

أما الإدراك عند فلاسفة الإسلام فقد تعددت دلالاته وتباينت ما صدقاته تبعا للسياق المطروح من جهة والنسق الفلسفي للفيلسوف من جهة أخري وقد ورد مصطلح الإدراك خلال مناقشة الفلاسفة لمبحث المعرفة، والنفس الناطقة والنبوة وعلم الله واليقين والبرهان ونظرية الاتصال ونظرية السعادة.

والإدراك كمصطلح عند جل فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب يعني وقوف المدرك على حقيقة المدرك وللإدراك عندهم ضروب ودروب ودرجات (إدراك حقيقي في الواقع، إدراك تخيلي، إدراك تصوري، إدراك استنباطي، إدراك استدلالي، وإدراك توهمي مخالف للحقيقة، وإدراك كلي ذهني، وإدراك جزئي حسي) ومن دروبه (الإدراك الحسي والإدراك العقلي والإدراك الحدسي الإشراقي الإلهامي والإدراك الحدسي العقلي البرهاني) (المعجم الفلسفي: ١/٥٣).

وقد تأثر فلاسفة الإسلام في استخدامهم مصطلح الإدراك بالنظريات الفلسفية السابقة عليهم ولا سيما نظرية المثل الأفلاطونية، ونظرية النفس الأرسطية ونظرية الفيض الأفلوطينية ذلك فضلاً عن تأثرهم بالبنية الثقافية الإسلامية التي عاشوا في كنفها وحصلوا فيها علومهم.

دلالات مصطلح الإدراك، وضروبه ودرجاته عند فلاسفة الإسلام

وسوف نقف في الصفحات التالية على دلالات مصطلح الإدراك، وضروبه ودرجاته عند فلاسفة الإسلام الذين تعرضوا في كتاباتهم لهذا المصطلح تعرضًا مباشرًا، فقد استخدم الكندي (ت: نحو ٨٧٣م-٢٦٠هـ) مصطلح الإدراك للتدليل على العلم والمعرفة، وقد سايره الفارابي في ذلك إذ عرف الإدراك بأنه: جودة التمييز التي بها نحوز وتحصل لنا معارف جميع الأشياء التي للإنسان أن يعرفها.

ويضيف ابن سينا (٩٨٠-١٠٣٧م/٣٧٠-٤٢٨هـ): إن الإدراك هو معرفة وتمثل المدرك لحقيقة ما يراه أو يفحصه أو يتأمله والوقوف على دلالاته حسية كانت أو شعورية أو صورًا عقلية مجردة أو أمورًا تخيلية (إدراك الشيء هو أن تكون حقيقته متمثلة عند المدرك يشاهدها ما به يدرك، فإما أن تكون تلك الحقيقة نفس حقيقة الشيء الخارج عن المدرك إذا أدرك فتكون حقيقة ما لا وجود له بالفعل في الأعيان الخارجة مثل كثير من الأشكال الهندسية بل كثير من المفروضات التي لا تمكن إذا فرضت في الهندسة مما لا يتحقق أصلاً أو تكون مثل حقيقة مرتسمًا في ذات المدرك غير مُباين له، وهو الباقي) ( الإشارات والتنبيهات: ص١٢٢).

ويقسم فلاسفة الإسلام دروب الإدراك إلى: (حسي وعقلي وحدسي) فالإدراك الحسي عند الكندي يمثل المعرفة الجزئية المباشرة التي تحصل بالحواس الخمس (البصر والسمع واللمس والشم والتذوق) وهو بطبيعة الحال معرفة مكتسبة تختلف تبعًا لقدرة المدرك على التحقق من وجود الأشياء التي يبصرها أو يسمعها وذلك بعقله المستفاد الذي يحصل المحسوسات ويحولها إلى صور عقلية جزئية (رسائل الكندي الفلسفية، ص١٠٩-١٣٠).

ويفرق الفارابي (٨٧٤-٩٥٠ م-٢٦٠-٣٣٩هـ) (رسائل الفارابي، ص ٥٥-٧٠) بين عملية الإدراك الحسي التي تتلقي فيها الحواس المدركات الحسية، وبين الصور الجزئية التي يتركها أثر المحسوسات على الحواس كأثر ضوء الشمس على العين بعد زوالها أو صدا الصوت بعد سكوته ويطلق الفارابي على هذه الصور وهمًا، وتحفظ المدركات الحسية في خزانة القوة المصورة تلك التي تحفظ دلالات ومعاني المحسوسات.

 ويري ابن سينا أن أدني مراتب الإدراك هي الإدراك الحسي لأن معارفها ناقصة ومشوشة وتفتقر دوما إلى قوة تضبطها وتقوم مدركاتها وتختبر معارفها (عيون الحكمة، ص ٢٧). في حين ينزع إخوان الصفا إلى أن الإدراك الحسي هو بوابة المعرفة الإنسانية وهو الذي يزود العقل بجل المعارف المتصلة بالمادة، والواقع وعليه لا يمكن للعقل أن يتخيل أو يتصور أو يتأمل بمنأى عن المعارف الحسية، فكل ما لا تدركه الحواس بوجه من الوجوه لا تتخيله الأوهام وما لا تتخيله الأوهام لا تتصوره العقول ومن ثم لا يمكن البرهنة عليه.

 والإدراك الحسي عند إخوان الصفا لا يتم عن طريق الحواس فحسب بل هناك خمس قوي باطنية روحية تتلقي الصور المحسوسة وتحولها إلى مدركات ذهنية وهي: (المتخيلة، المفكرة، الحافظة، الصانعة، الناطقة) وتتفاوت قدرة هذه القوي من شخص إلى آخر ومن مرحلة عمرية إلى أخرى. وعلى خلاف ذلك يمضي أبو حامد الغزالي (١٠٨٥- ١١١١م/٤٥٠-٥٠٥ هـ) ويشكك في الحواس وعليه ينظر للإدراك الحسي على أنه معارف مشوشة عاجزة عن الوصول إلى الحقيقة. وإذا ما انتقلنا إلى فلاسفة المغرب فسوف نجد أن ابن باجة (ت:١١٣٩م-٥٣٣ هـ) (١٤). وابن طفيل (١١٠٠-١١٨٥ م- ٤٩٤- ٥٨١ هـ) وابن رشد (٢٦ ١ ١-١١٩٨م-٥٢٠-٥٩٥ هـ) قد تأثروا جميعًا بكتابات فلاسفة المشرق عن الإدراك الحسي، ولا نكاد نلمح خلافًا بينهم حول طبيعة هذا الإدراك وآلته وقواه، إذ ذهبوا جميعًا مع إخوان الصفا إلى أن الإدراك الحسي هو بوابة المعارف فلا إدراك عقلي ولا استدلال ولا استنباط ولا برهان ولا فهم للواقع المحسوس بمعزل عن الإدراك الحسي.

والحس المشترك عند الكندي والفارابي هو القوى المسؤولة عن التمييز بين المدركات الحسية وقوى التصور والتخيل لتقديم دلالات معرفية للعقل عن الأشياء المدركة.

ويضيف ابن سينا: إنه قوى باطنة في تجويف الدماغ تستقبل المدركات الحسية لتغذي به المخيلة والمصورة والمتوهمة لحفظ الصور المحسوسة ودلالاتها في الذاكرة والتمييز بينها ووضع الحدود الذهنية بين الإدراك الحسي والتوهم والتخيل والهلوسة. وعلى مقربة من ذلك يذهب إخوان الصفا والغزالي إلى أن هناك قوى خمسًا مباطنة، تقوم بعملية الإدراك الحسي وهي:

الخيالية: تبقي فيها صور الأشياء المحسوسة بعد غيبتها (الحس المشترك). والحافظة: تمسك صور الأشياء.

والقوة الوهمية: تدرك معاني غير محسوسة من المحسوسات الجزئية، والذاكرة: وهي الحافظة للمعاني التي ليست محسوسة،

والمفكرة: شأنها أن تركب بعض ما في الخيال مع بعض وتفصل بعضها عن بعض بحسب الاختيار.

وإلى مثل ذلك ذهب ابن باجة، وابن رشد. وإن اختلفا في تحديد عدد القوى وطبيعة وظائفها.

أما الإدراك العقلي فيعده كل فلاسفة الإسلام في مرتبة أعلى من الإدراك الحسي ويخصون به النفس الإنسانية دون غيرها من الأجناس، وعلى الرغم من اتفاقهم على أن الإدراك العقلي يختص بالمعارف الكلية والصور المجردة إلا أنهم لا ينكرون أن بعض هذه المعارف مستنبط من المدركات الحسية والبعض الآخر فيض وإلهام. غير أنهم اختلفوا فيما بينهم حول ماهية العقل وقواه ودروب تحصيله للمعارف وسبيله للاتصال بالعقل الفعال، فقد ذهب بعضهم إلى أن المعارف العقلية فطرية في حين نزع البعض الآخر إلى أن كل المعارف مكتسبة وأن العقل يولد صفحة بيضاء.

فالإدراك العقلي عند الكندي ينقسم إلى دربين أولهما: فطري ويختص بالصور الخالصة والمبادئ الكلية المجردة.

أما الثاني: فهو يدرك جوهر الأشياء في حقيقتها بمنأى عن الحواس ولا يعني ذلك أنه لم يستفد من المعارف الحسية الجزئية بل استطاع تحويل المعارف الجزئية إلى معارف كلية لها دلالات مجردة تعينه على التصور والاستنباط والاستدلال.

ويضيف الفارابي وابن سينا أن للإدراك العقلي وظيفتين: الأولى: تحصيل المعارف العقلية والتأمل والاستنباط والاستدلال والتدبر لبلوغ الحكمة ويختص بها العقل النظري، أما اكتساب الخبرات وتطبيقها في السلوك الفاضل فيختص بها العقل العملي.

وتتم عملية الإدراك العقلي بفاعلية أربع قوي وهي: (العقل بالقوة أي الاستعداد الفطري للتعقل وإدراك المحسوسات، والعقل بالفعل أو "العقل بالملكة" ويختص بالصور والمعاني التي حصلها من المحسوسات، والعقل المستفاد وخاص بإدراك المجردات، والعقل الفعّال وهي القوة الإلهية التي تمنح الإنسان القدرة على إدراك الكليات والاتصال المباشر بالبارئ) (الجمع بين رأيي الحكيمين، ص٢٤٣،٢٣٩).

وتتميز المعارف العقلية عند الفارابي بالثبات والوضوح والصدق، والإدراك النظري التام عنده وهو الذي يتطابق مع الواقع، وهو يختلف عن الكمال العقلي الذي يحدث بالاتصال العقلي الإنساني بقوة العقل الفعال. ويري إخوان الصفا أن الإدراك العقلي هو الخطوة اللاحقة على الإدراك الحسي ومن ثم لا تكتمل ملكاته وآلاته في النفس البشرية إلا بعد عمر الصبا الذي كانت فيه النفس متعلقة بالبدن والمادة، حيث الأقيسة الناقصة والاستدلالات الخاطئة ويحذر إخوان الصفا بوجه عام من الاعتماد على المعارف الحسية وحدها في الاستنتاج والاستنباط والاستقراء، كما يرفضون القول بفطرية المعارف في النفس الإنسانية؛ فهي عندهم مكتسبة، وهذا لا يتعارض مع تسليمهم بأن العقل مستعد بفطرته لاستقبال العلم وللوقوف على هوية الأشياء وماهيتها، (الإدراك بالقوة، العقل الغريزي) ، وللإدراك العقلي درجات متفاوتة تبعًا لتمكن المدرك من استخدام القياس العقلي (إخوان الصفاء: الرسائل، ٤/٦ وما بعدها).

وإذا انتقلنا إلى الغزالي فسوف نجده يُعلى من قدر الإدراك العقلي، غير أنه لا يسلم له كل التسليم في الاستنتاج والاستنباط، وذلك لوقوعه في أوهام التقليد التي تبعده عن سبيل البرهان، فيؤكد عجزه عن الوصول إلى اليقين وذلك على الرغم من تسليمه بأن الإدراك العقلي هو آلة النفس لإثبات وجود الله والتدليل على صدق الأنبياء وفهم الشرع، ذلك فضلاً عن تحصيل العلم الإنساني (المنقذ من الضلال، ص١٣١).

ويقابل الغزالي بين مراتب الإدراك التي تحدث عنها الفلاسفة وبين ما ورد في القرآن الكريم في هذا الشأن في: (سورة النور آية:٣٥). فالإدراك الحسي يقابله المشكاة، والمخيلة يقابلها الزجاجة، الإدراك العقلي يقابله المصباح، والاستدلال المنطقي يقابله الشجرة، والعقل الفعال يقابله الروح القدس.

 أما ابن باجة، وابن طفيل، فيؤكدان مع إخوان الصفا على أن الإدراك العقلي هو الذي يختص بالصور المجردة والمعاني الكلية والاستدلال والاستنباط. أما ابن رشد، فكان أقرب لأرسطو في إعلائه من شأن المعرفة العقلية واعتبارها المسئول الأول عن إدراك المعاني والماهيات والصور وإجراء كل العمليات الذهنية التي تتيح للعقل الحكم والفصل في القضايا، وذلك بالانتقال من الجزئي إلى الكلي ومن المحسوس إلى المجرد ويؤكد ابن رشد على أن الاستعداد العقلي للإدراك مفطور في النفس غير أن مستوي الإدراك لحقيقة الأشياء والدلالات والمعاني متفاوت من شخص إلى آخر ومن ثم فالإدراك العقلي البرهاني من نصيب الحكماء وحدهم وهو أكمل درجات الإدراك العقلي.

أما الإدراك الحدسي فهو عند كل فلاسفة الإسلام أكمل دروب الإدراك لأنه يقف على الحقائق الكلية المجردة ويحصلها تحصيلاً مباشرًا، الأمر الذي يمكنه من الاتصال المباشر بالعقل الفعّال والحقيقة الأولي أي البارئ تعالى.

وقد اختلف فلاسفة الإسلام حول طبيعة الإدراك الحدسي فذهب البعض إلى أنه حدس عقلي برهاني في حين ذهب البعض الآخر إلى أنه حدس إشراقي ذوقي  -كما أشرنا-فقد ذهب الكندي إلى أن هذه الدرجة المعرفية (أى: الإدراك الحدسي العقلى)  لا يمكن للنفس الوصول إليها إلا بعد مفارقتها للبدن؛ وانقطاعها تمامًا عن عالم المحسوس؛ واتصالها اتصالاً مباشرًا بالعقل الفعال الذي يمدها بقوة تمكنها من إدراك الحقائق في ذاتها والموجودات المجردة عن المادة، وهي قوة الكشف الإلهي التي لا يمنحها الله إلا لأصفياء النفوس وأنقياء السرائر ومن تخلصت مرآة عقولهم من الصدأ والشوائب المادية.

ويري الفارابي وابن سينا أن الاستعداد الحدسي الفطري يختلف في قوته من شخص إلى آخر وأن المخيلة هي آلة التخيل والتنبؤ والتوقع وهي همزة الوصل بين العقل المستفاد والعقل الفعَّال وذلك في الرؤي والأحلام، ولا يمكن لقوة المخيلة الاتصال بالعقل الفعال إلا بفيض منه ولطف وهبة، وهي لا تمنح إلا للأنبياء والحكماء وذلك بعد تحصيل الحكمة النظرية والتفرغ للتأمل والمجاهدة العقلية والروحية، ويميز الفارابي بين الإدراك الحدسي للأنبياء وعند الفلاسفة، فمعرفة الأنبياء الروحية هي منحة ومنة روحية إلهية تهبط من أعلى بالوحى، في حين أن حدس الحكماء يحصل من أسفل إلى أعلى حصولاً مباشرًا. ولعل ما يميز ابن سينا عن الفارابي في هذا السياق هو أن الشيخ الرئيس قد خلط في كتاباته المتأخرة بين الحدس العقلي والحدس الصوفي وكان أقرب لمنحي أصحاب المعرفة الإشراقية في حديثه عن الإلهامات والرؤي والكرامات والتنبؤ والفيوضات، أما الإدراك الحدسي عند إخوان الصفا فيمثله الإدراك العقلي البرهاني الذي يتصف به علم الحكماء من أصحاب الدربة والدراية، الذين تخلصوا من علائق المادة في استدلالاتهم ومن الشهوات في رغباتهم وانطلقت أنفسهم صوب الكمال. وللحدس عند الإخوان دربان، أولهما: طريق المعرفة البرهانية، وهو سبيل الحكماء الذين يوصلهم إلى العقل الفعال حيث الفيض الإلهي.

والثاني: هو النور الإلهي والوحي الرباني الذي يهبط على الأنفس الشريفة بطبعها وهي أنفس الأنبياء وهم أعلى رتبة من الحكماء.

أما الإدراك الحدسي عند الغزالي فطريقه الأوحد: هو المجاهدة الروحية وتنقية النفس وتغذية القلوب بالحب الإلهي حتى تنكشف الحجب ويتم الوصال ويتحقق الاتصال وتنجلي المعاني فتبصر النفس اليقين وتقف على الحقائق النورانية. ويغمرها الفيض الإلهي ويؤكد حجة الإسلام أن هذا الدرب هو درب الأنبياء والأولياء. أما ابن باجة فينزع منزع الفلاسفة ويرغب عن الوصال بالمعني الصوفي ويقرر أن الاتصال بالعقل الفعَّال له دربان، أولهما: سبيل الحكماء الذي يبدأ بالإدراك الحسي وينتهي بالإدراك العقلي البرهاني؛ حيث الصور الكلية المجردة، أما الدرب الثانى: فيتمثل في المواهب الإلهية حيث الاستعداد بالفطرة للاتصال بالعقل الفعَّال والمنة الربانية التي تتيح للنفس الاطلاع على الغيب وإدراك الذوات الروحية وهذا الدرب من حظ الأنبياء والرسل.

والإنسان الكامل وحده هو الذي يجمع بين الدربين وتؤهله لذلك الفضائل الخلقية ونقاء النفس وسلامة آلات الإدراك وعشقه للعلم والمعرفة (الرسائل الإلهية، ص١٤٢، ١٤١،١٤٠). وإذا كان ابن باجة أقرب في تعريفه للإدراك الحدسي إلى المنحى العقلي عند إخوان الصفاء، فإن ابن طفيل كان متأثرًا بالإدراك العقلي الإشراقي عند ابن سينا، ويبدو ذلك في ربطه بين الزهد والتأمل في طريقة الاتصال بالعقل الفعَّال، وحديثه عن الفيض المعرفي وهو مع ذلك بعيد في حدِيثه عن الإدراك الذوقي الصوفي ذلك على الرغم من ورود بعض اصطلاحات الصوفية خلال حديثة عن الاتصال. وعلى مقربة من ابن باجة نجد ابن رشد يتحدث عن الحدس العقلي البرهاني والاتصال بالعقل الفعَّال مؤكدًا أن الاستعداد الفطري بقبول المجردات مع العمل على تنمية الملكات العقلية هو السبيل إلى الاتصال بالعقل الفعال وعالم المعقولات والحقائق في ذاتها والصور الروحية (تلخيص كتاب النفس، ص١٢٩).

ولمصطلح الإدراك عند جل فلاسفة الإسلام بُعْدٌ قيمي يتمثل في ارتباط البعد المعرفي بمعيار الحكم على الحق والخير والجمال، فكلما ابتعدت النفس عن اللذائذ الحسية والشهوات المادية كان طلبها للذات العقلية وتمسكها بالخير الأسمى، وعشقها للجمال الروحي أصدق وأقوى، ومن ثم ارتبط إعلاء الفلاسفة للإدراك العقلي والإدراك الحدسي بإعلائهم للقيم الروحية.

وقد ارتبط هذا المنحى القيمي برؤية الفلاسفة للسعادة من جهة والسبيل للتوفيق بين الحكمة النظرية والحكمة الشرعية من جهة أخرى، فذهب الكندي إلى أن غاية الغايات للنفس الناطقة هو الوصول إلى الحقيقة وإدراك وجود البارئ تعالى فعلم الأشياء بحقائقها هو علم الربوبية والسبيل إليه هو إمعان النظر والعمل بمكارم الأخلاق التي يهدي إليها الشرع والعقل معا وهما بطبيعة الحال السبيل لبلوغ السعادة حيث عالم الأنوار العلوية واللذائذ الروحية بمعزل عن الآلام والأحزان التي عانت منها النفس في العالم المادي. ويضيف الفارابي أن السعادة الحقيقية في طلب الحق والخير والجمال والعلم كغايات عليا وعليه تتفاوت درجات السعادة بقدر تعلق الأنفس وإخلاصها في طلب هذه الغايات.

ويربط ابن سينا بين كمال النفس ودرجات السعادة فيجعل العارفين من الحكماء في أعلى درجات الكمال والسعادة في الدنيا والآخرة ثم الأصفياء والأتقياء من أصحاب النفوس المستعدة لبلوغ الكمال بالفطرة وأخيرًا البلهاء الذين لا مطامع لهم في لذائذ الدنيا ولا مطمح لهم في بلوغ الحقائق العلوية والكمال المعرفى.

أما السعادة عند الغزالي فهي السعادة الروحية التي تبلغ فيها النفس أعلى مراتب الكمال العرفاني حيث كشف الحجب والأنس بالبارئ في الآخرة وهو أقرب في ذلك من مفهوم السعادة عند الصوفية منه إلى مفهومها عند الفلاسفة،

أما إخوان الصفا وابن باجه وابن طفيل وابن رشد فقد جعلوا جميعًا التأمل العقلي والتخلي عن الشهوات والتحلي بالفضائل هو السبيل لبلوغ الكمال المعرفي والسعادة (نظرية السعادة عند فلاسفة الإسلام، ص١٧،١٢٥).

ولا ريب في أن استخدام فلاسفة الإسلام لمصطلح الإدراك بالدلالات المعرفية والقيمية السابقة قد أثر تأثيرًا مباشرًا في فلاسفة العصر الوسيط المسيحي وفلاسفة الغرب المحدثين والمعاصرين بداية من روجر بيكون، ومرورا بفرانسيس بيكون، وديكارت، ولوك، وهيوم، وكانط، وبرجسون.

الخلاصة

الإدراك هو الإحاطة بالشيء ومعرفته بتمام صورته في النفس الناطقة، وقد تناوله الفقهاء والمتكلمون والصوفية وفلاسفة الإسلام بتفصيل، كل من زاويته، وقد تأثر الفلاسفة المسلمون بالنظريات اليونانية مثل نظرية المثل والنفس والفيض، إلى جانب البيئة الإسلامية.

موضوعات ذات صلة

"الذوق وهو من الإلهامات الربانية التي يفيض بها على عبده كغيرها من الكشف والإدراك

الإلـهـام عند الصوفية يعنى ما يقع في القلب من علوم بطريق الفيض الإلهي

التجريب منهج علمي وفلسفي يقوم على الملاحظة المنظمة

موضوعات مختارة