والشيوخ الأوائل (مثل: الطوسي في اللمع، والقشيري في الرسالة) لا يخرجون في تفسيرهم للذوق عن هذا المعنى البسيط المتبادر من إطلاقه
في كتبهم، وإن كان يرتبط - عندهم- دائما بمصطلحين آخرين يأتيان بعده على
الترتيب، هما: الشرب، والرِّي.
غير أن مرتبة الذوق أدون من مرتبتي: الشرب والري، حتى إنهم ليسمون صاحب الذوق:
"متساكرا"، وصاحب الشرب: "سكران"، وأما صاحب الري فهو:
"صاح" ومن ثم كان مقامه أعلى من مقام الشرب، ومقام الشرب أتم من مقام
الذوق.
والذوق- فيما يبين صاحب عوارف المعارف- إيمان،
وهو لأرباب "البواده"، أي: الإشارات الفجائية الخاطفة، والشرب: علم، وهو لأرباب
الطوالع واللوائح واللوامع، وهي أكثر دواما وثباتا من البواده التي هي حظ
الذائقين، وأما "الري" فهو لأرباب "الأحوال" لأن الأحوال تستقر، ومالا يستقر فليس بحال.
(اللمعَّ أبو نصر السراج: ٤٤٩ - ٤٥٠هـ
تحقيق: عبد الحليم محمود، طه عبد الباقى سرور)
ويسوى الهجويري فى
كشف المحجوب بين "الذوق" و "الشرب" ويكاد يحصر الفرق بينهما في الاستعمال فقط: فالشرب لا يستعمل إلا فيما
كان لذة أو راحة كأن يقال: شربت بكأس الوصال، وكأس الوداد، بخلاف الذوق فإنه
يستعمل في اللذة وفي المشقة على السواء، فيقال: ذقت الراحة، وذقت البلاء، وذقت الخوف. ويستأنس "الهجويري " في تفرقته
هذه، بقوله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا } (المرسلات ٤٣)، وقوله في موضع آخر: {ذُوقُوا
مَسَّ سَقَرَ} [القمر ٤٨] (الرسالة القشيرية: القشيري، ٤٢)
ونفس هذه التقسيمات نجدها فى كتابات الشيوخ
المتأخرين، وإن لوحظ أن "الذوق" قد حظي في هذه الكتابات بشىء من التحليل العقلي لا يوجد في كتابات
السابقين، من ذلك- مثلا-: رجوع الذوق وارتباطه بمقام "البرق"، فإن صاحب هذا المقام يذوق قطرة من ماء "البرق" الصادق، لا
البرق الكاذب، وهو: البرق الخُلّب، وهذه القطرة علوم إلهية خالصة، لا تُنال إلا بالذوق
فقط.
وهنا يقارن الشيوخ- أو يقربون- بين صورة اللسان
الخالي من العلل والأمراض في ذوق الطعوم على حقيقتها، وصورة "القلب" الخالى من
العقائد والعلوم فى ذوق المعارف الإلهية على حقيقتها، وأن القلب المدخول يستحيل
عليه ذوق العلوم الإلهية كما هي في أنفسها، كما يستحيل على اللسان المعلول إدراك
ذوق المطعومات على وجهها الصحيح، ويقولون: كما أن كيفية ذوق اللسان للعسل ليست أمرا آخر وراء كيفية حلاوة العسل
ذاتها، كذلك القلوب الذائقة للعلوم الإلهية ليست لها حالة أو كيفية أخرى غير هذه
العلوم المذوقة وحصولها بأنفسها في قلوب العارفين، والفرق بين إدراك علماء الرسوم
وذوق المتألهين هو فرق ما بين العلم بطعم العسل وذوق العسل نفسه، ففي الذوق يتحد
العلم بالمعلوم، وشرط الذوق على هذا النحو تطهير النفس، والفناء عن جميع حظوظهما،
وإزاحة كل الوسائط بين المُدرك وما يدركه.