امتاز علي كرم الله وجهه بعقل مركب يجمع بين الفقه
العميق والنظر الأخلاقي والفلسفي، وقد ظهر ذلك في تعامله مع الخوارج حين وضع
إطارًا للتعامل معهم قائمًا على الاحتواء ما داموا لا يحاربون.
ومن ذلك قول علي كرم الله وجهه في حد شارب الخمر:
"إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، فحدوه حد المفترين".
قاس حد الشارب على القاذف.
ومن ذلك أن عمر رضي الله عنه كان يشك
في قود القتيل الذي اشترك في قتله سبعة؛ فقال له علي كرم الله وجهه: "يا أمير المؤمنين،
أرأيت لو أن نفرًا اشتركوا في سرقة أكنت تقطعهم؟" قال: "نعم"، قال:
"كذلك". وهو قياس للقتل على السرقة.
ومن ذلك تحريق علي كرم الله وجهه الزنادقة الرافضة، وهو يعلم سنة رسول الله
صلى الله عليه وسلم في قتل الكافر، لكن لما رأى أمرًا عظيمًا جعل عقوبته من أعظم
العقوبات؛ ليزجر الناس عن مثله، ولذلك قال:
لما رأيتُ الأمر أمرًا مُنْكَرًا أَجَجْتُ ناري ودعوت قنبرًا
وقنبر غلامه [تمهيد لتاريخ الفلسفة، الشيخ مصطفى عبد
الرزاق، ص ٣٣٣].
ومن ذلك قول علي كرم الله وجهه في
المرأة التي أجهضت بفزعها بإرسال عمر رضي الله عنه إليها: "أما المأثم، فأرجو
أن يكون منحطا عنك، وأرى عليك الدية". فقال له: "عزمت عليك ألا تبرح حتى
تضربها على بني عدي"، يعني قومه، وألحقه عثمان وعبد الرحمن بن عوف بالمؤدب،
وقالا: إنما أنت مؤَدِّب ولا شيء عليك .. وروى هذه الواقعة ابن عبد البر على الوجه
الآتي: "وعن عمر رضي الله عنه في المرأة التي غاب عنها زوجها، وبلغه أنه
يُتَحَدَّثُ عنها، فبعث إليها يعظها ويذكرها ويوعدها إن عادت، فمخضت فولدت غلامًا
فصوت ثم مات، فشاور أصحابه في ذلك، فقالوا: والله ما نرى عليك شيئًا، وما أردت
بهذا إلا الخير، وعلي كرم الله وجهه حاضر، فقال: ما ترى يا أبا
حسن؟ فقال: قد قال هؤلاء، فإن يك هذا جهد رأيهم فقد قضوا ما عليهم، وإن كانوا
قاربوك فقد غشوك، أما الإثم فأرجو أن يضعه الله عنك بنيتك وما يعلم منك، وأما
الغلام فقد والله غرمت، فقال له: أنت والله صدقتني؛ أقسمت عليك لا تجلس حتى تقسمها
على بني أبيك، يريد بقوله بني أبيك، أي بني عدي بن كعب رهط عمر رضي الله
عنه"[مختصر حامع بيان العلم، ص١٤٦-١٤٧].
ومن ذلك اختلافهم في قول الرجل لزوجته:
أنت علي حرام، حتى قال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: "هو يمين، وقال علي وزيد
رضي الله عنهما هو طلاق ثلاث، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: هو طلقة واحدة، وقال
ابن عباس هو ظهار" [ الإحكام،ج٤، ص٥٢-٥٦].