Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

رسالة الكندي في الفلسفة الأولى

الكاتب

هيئة التحرير

رسالة الكندي في الفلسفة الأولى

تتجلى عبقرية الكندي في كونه جسرًا معرفيًا يربط بين الفكر اليوناني والعقيدة الإسلامية؛ مؤسسًا لنهضة فلسفية تجعل من البحث عن" الحق الأول" غايةً قصوى وشرفًا إنسانيًا نبيلًا، وتنبثق رؤيته من إيمان عميق بأن الفلسفة ليست ترفًا ذهنيًا، بل هي الوسيلة الأسمى لإدراك حقائق الوجود والبرهنة على وحدة الذات الإلهية.

رسالة الكندي الى المعتصم بالله

تعد هذه الرسالة من أطول رسائل الكندي؛ وقد كتبها للخليفة المعتصم بالله الذي ولى الخلافة بين عام ۲۱۸ هـ وعام ٢٢٧ هـ (٨٣٣ - ٨٤٢ م)، ومن المعلوم أن الكندي كان من المقربين عند المعتصم، وأنه كان مؤدب ابنه أحمد [تتمة صوان الحكمة، البيهقي، ط، لاهور، ١٣٥١هـ، ص٢٥]؛ ولا شك أنه قد كتب هذه الرسالة أيام صلته بقصر الخلافة وتمتعه بالحظوة فيه، بدليل ما نجده في أولها من رفع الشأن المعتصم وإشادة بآبائه وبما للتمسك بهداهم من الخير، ويشير الكندي في كتابه في الإبانة عن العلة الفاعلة القريبة للكون والفساد إلى موضع من "كتاب الفلسفة الأولى".

وتبدأ الرسالة بعد الدعاء للمعتصم بكلام يدل على علو تصور الكندي العربي من موقفه وسط المعتزلة ووسط الفكر العربي، بما انفتح أمامه من ميادين المعرفة متعددة، للفلسفة وأهلها؛ وهو يتحدث عن الفلسفة وغايتها وعن غاية الفيلسوف وما يجب أن يكون عليه الفيلسوف الكامل الفلسفة.

والفلسفة عنده شرف بوجه عام على جميع العلوم؛ والشرف الأعلى على فروع الفلسفة جميعًا إنما هو للفلسفة الأولى التي هي "علم الحق الأول الذي هو علة كل حق".

ولما كان شرف العلم من شرف موضوعه، بحيث يكون العلم بالعلة أشرف من العلم بالمعلول، وأوثق ما يكون طريقًا إلى العلم التام بالمعلول، وكانت الفلسفة الأولى هي علم الحق الأول والعلة الأولى، فلا جرم أن يقرر الكندي أنها أعلى العلوم مرتبة، وأن يتمثل له الفيلسوف التام رجلا يحيط بالعلم الأشرف.

العلل الأربعة في فلسفة الكندي

تكلم الكندي عن العلل الأربع المعروفة عند أرسطو والمأثورة في الفلسفة العربية، مسميًا لها بأسماء يظهر فيها دور البدء في وضع المصطلح الفلسفي العربي، كما يتجلى فيها بعض الاستقلال، حيث يتكلم عما يسميه "المطالب العلمية " الأربعة، مشيرًا إلى أنه قد تناولها في غير موضع من تآليفه الفلسفية؛ وهو يحصر هذه المطالب في: هل، ما، أي، لم؟

١- السؤال عن إنية الشيء، يعني هل هو موجود بالإطلاق؟

٢- السؤال عن ماهية الشيء، يعني ما هو؟ أو: تحت أي جنس يقع؟

٣- السؤال عن أي الأشياء هو؟ يعني أي فصل يميزه وسط الجنس؟

٤- السؤال عن غاية الشيء، يعني لم هو؟ أعني السؤال عن علته الغائية أو التمامية، كما يقول

ويقول الكندي: إنه إذا اجتمع السؤال عن: ما هو الشيء؟ وأي شيء هو؟ كان ذلك بحثا عن النوع.

ثم يتكلم المؤلف عن كيفية انبناء العلم بشيء من العلل الأربعة على العلم بالآخر: فالعلم بعنصر الشيء يتضمن العلم بجنسه؛ والعل م بصورته يتضمن العلم بنوعه؛ وهذا الأخير يتضمن العلم بالفصل الذي يميزه؛ والعلم بالعنصر والصورة والعلة الغائية هو علم يحد الشيء وحقيقته، وينتهي المؤلف من ذلك إلى أن هذا يؤيد تسمية علم العلة الأولى" بالفلسفة الأولى"؛ لأن الفلسفة كلها تنطوي في علم العلة الأولى.

تم يتكلم عن أولية هذه العلة الأولى من الجهات المتنوعة: الشرف، والجنس، والترتيب المتضمن العلم الأوثق، والزمان.

دفاع الكندي عن الفلسفة

يدافع الكندي عن الفلسفة التي هي علم الأشياء بحقيقتها مبينًا أن الفلسفة تحوي علم الربوبية والفضيلة وجملة العلوم النافعة؛ وهذا ما جاءت به الأنبياء.

ثم يحاول أن يلزم خصومه أن يعترفوا بوجوب اقتناء على الفلسفة؛ لأنهم إما أن يقولوا إن طلبها واجب، فيجب عليهم إذن أن يطلبوها؛ وإما أن يقولوا إن طلبها غير واجب، فيتحتم عليهم تقديم الدليل على ذلك؛ وهذا الدليل لا بد لهم أن يلتمسوه من الفلسفة التي هي علم الأشياء بحقائقها.

ثم يسأل الله المطلع على السرائر، التوفيق والحفظ، في دعاء مؤثر يدل على إيمان عميق، ويذكرنا بما نعرفه عند الأرواح الكبيرة، حين تقف بين العلوم العقلية والفلسفية من جهة وعلوم الدين وعقائده من جهة أخرى، مثل إبراهيم النظام وغيره.

ويريد الكندي إقامة الحجة على الربوبية ودحض أدلة المعاندين بحجج تقمع كفرهم، وتهتك سجوف فضائحهم، وتبين عن عورات مذاهبهم المردية في الهلاك؛ فهو بطل عربي جريء مخلص، يحمل الراية مدافعًا عن العقيدة الأساسية عند العرب المسلمين إزاء التيارات الإنكارية المعادية، بل إزاء الجامدين الذين وفضون العلوم العقلية ويتجرون بالدين. [رسائل الكندي الفلسفية، محمد عبد الهادي أبو ريدة، دار الفكر العربي، ١٩٥٠م، ص٨٤].

الوجود الإنساني في فلسفة الكندي

يتكلم الكندي عن" الوجود" الإنساني، وهو يعني بذلك -وبحسب اصطلاحه - ما يجده الإنسان ويعرفه، وأنه على نوعين:

أحدهما: مادي حسي: هو أقرب من الإنسان وفي الوقت نفسه أبعد عند الطبيعة، ذلك هو الإدراك الحسي؛ وهو قريب من الإنسان، لأنه يجده بالحس؛ وهو بعيد عن الطبيعة، يعني حقيقة الأشياء؛ لأنه متمثل في النفس؛ وهذا الإدراك الحسي غير ثابت، ونلاحظ هنا فكرة هرقليط في أن كل شيء هو في تغير مستمر كل شيء يجرى، يعني يتغير، أو: يسيل، كما يعبر الكندي.

والثاني: عقلي مجرد: هو أقرب من الطبيعة، يعني من حقيقة الأشياء، وأبعد عن الإنسان، وهو وجود العقل، أي إدراكه لما يدركه.

ثم يحاول الكندي أن يثبت ذلك بوجود الجزيئات المحسوسة والكليات، أعنى الأنواع المعقولة الثابتة في النفس من غير مثال كثبوت القضايا البديهية الاضطرارية؛ وهو يذكر من أمثلة هذه الأخيرة فكرة أنه لا يوجد خارج العالم خلاه ولا ملاء، ويستطرد لإثباتها.

أما إنكار الخلاء فلأنه لو كان يوجد الخلاء، أي المكان الذي لا متمكن فيه، لتحتم وجود المتمكن؛ لأن المكان والمتمكن من المتضايفات المنطقية التي لا يوجد أحدها بدون الآخر.

وأما إبطال الملاء، يعني المكان المملوء خارج العالم، فلأن القول به يؤدى إلى القول بوجود جسم لا نهاية له خارج العالم؛ وهذا مستحيل، لأنه يحتم وجود جسم لا نهاية له بالفعل، وهو مستحيل.

على أن إنكار أن يكون وراء العالم شيء سواء كان خلاء أو ملاء، فكرة أساسية في مذهب أرسطو.

ما بعد الطبيعة في فلسفة الكندي

يحدد للكندي موضوع ما بعد الطبيعة، ويحدد منهجه أيضًا، أما الموضوع فهو غير هيولاني، يعني غير مادي، ولا تعليق له بالمادة؛ وليس له مثال في النفس؛ وهو يوصل إليه بالأبحاث العقلية.

أما من حيث المنهج فإن الكندي يتكلم عن الخطأ المنهجي الذي وقع فيه بعض الناظرين فيما وراء الطبيعة، وهو أنهم تمسكوا بتمثل موضوعاتها في النفس غير متجاوزين دور الأطفال أو مرتبة من يعتمد على قوة المخيلة، كأصحاب الخطيب والشعراء والقصاصين، مع أن موضوع ما بعد الطبيعة مخالف لموضوع الطبيعة في ماهيته وأحكامه؛ والأول واضح تمامًا، ينفذ فيه العقل نفوذًا كليًا؛ فلا حاجة إلى تمثله في النفس، ومن أبى إلا تمثله فقد أخطأه، وصار كالوطواط الذي تعشى عينه عن رؤية الأشياء الواضحة في شعاع الشمس.

وعلى أساس الفكرة الأساسية للكندي في أن لكل موضوع منهجًا خاصًا به نرى أنه يبين أيضًا خطأ الباحثين في الطبيعة ممن استعمل الطريقة الرياضية، لأن المنهج الرياضي يختص بما لا هيولي له؛ وهو يصل من هذا إلى أن المنهج الرياضي يصلح للبحث فيما بعد الطبيعة.

وينتهي الكندي من ذلك إلى تعريف ما بعد الطبيعة، كأنه يبنى ذلك على منهجها وموضوعها، فيقول: إن "علم ما فوق الطبيعيات هو على ما لا يتحرك".

وبعد أن ينبه على أنه ينبغي ألا يطلب في كل مطلوب المعرفة البرهانية: لأن البرهان لا يكون إلا في بعض الأشياء، ولأنه لا يكون لكل برهان برهان، وإلا سار ذلك إلى غير نهاية واستحال العلم على الإطلاق - لأن ما لا يصل الإنسان إلى علم أوائله لا يمكنه أن يعلمه. [المرجع السابق، ص٨٦].

الخلاصة

يستعرض المقال رسالة الكندي في الفلسفة الأولى، موضحًا منهجية البحث في العلل الأربع والمطالب العلمية، مع الدفاع عن مشروعية الفلسفة كعلم للحقائق الكلية، كما يفرق الكندي بين الإدراك الحسي المتغير، والوجود العقلي الثابت، محددًا طبيعة "ما بعد الطبيعة" كعلم لما هو غير مادي ولا يتحرك، ومعتمدًا المنهج البرهاني والرياضي في سبر أغوارها.

موضوعات ذات صلة

الكندي، أبو يوسف يعقوب بن إسحاق، هو أحد أبرز علماء القرن الثالث الهجري، ورائد الفلسفة العربية الإسلامية.

يُستخدم لفظ "الحق" في مجالات المنطق والأخلاق والمعاملات والميتافيزيقا، وقد ورد لفظ "الحق" كثيرًا في القرآن الكريم ليدل على معان متعددة.

تعتبر الحركة أهم لواحق الأجسام الطبيعية، وهي محور لدراسة علل الموجودات الطبيعية، وضدها السكون وهو الوقوف والثبات في مكان واحد زمانين.

موضوعات مختارة