Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مشكلة خلود النفس عند ابن طفيل

الكاتب

هيئة التحرير

تعد مشكلة خلود النفس من أعقد القضايا الميتافيزيقية التي شغلت الفلاسفة والمتكلمين العرب، حيث تباينت رؤاهم بين النقد والإثبات، ويبرز ابن طفيل كنموذج فلسفي ربط بين الطبيعة الفيزيائية للمادة والجوهر الروحي للنفس لإثبات بقائها وتمايز مصيرها.

المواقف الفلسفية والكلامية من خلود النفس

البحث في النفس ومصيرها بعد الموت، من المشكلات التي اهتم بها أكثر متكلمي وفلاسفة العرب، كل متكلم قد يذهب إلى رأى يخالف فيه الآخر، من بعض الجوانب، وذلك إذا كان من فرقة كلامية، غير الفرقة التي ينتمي إليها المتكلم الذي يقوم بالرد عليه.

وما يفعله المتكلم، يفعله الفيلسوف، فقد نجد بعض الخلافات، وإن كانت غير جوهرية، بين هذا الفيلسوف أو ذاك من فلاسفة العرب الذين بحثوا في هذا المجال.

ومما يدل على أهمية هذه المشكلة التي تشغل اهتمام كل مفكر، بل الرجل العادي، أننا نجد المتكلمين وفلاسفة العرب يخصصون مباحث من كتبهم الكلامية أو الفلسفية للرد على مخالفيهم في الرأي من جانب، يعد جانبًا معبرًا عن المجال النقدي، وإبراز رأيهم من جانب آخر، وهذا الجانب هو ما يعد معبرًا عن المجال الإيجابي.

وهذا الجانب النقدي بصفة خاصة، كان ضروريًّا بالنسبة للباحث في هذا الموضوع؛ نظرًا لأنه لا يوجد رأى واحد حول مشكلة الخلود، أو فلسفة الموت، بل الآراء والاتجاهات متشعبة، كما أشرنا منذ قليل.

منها اتجاه يرى أن الثابت هو المعاد الجسماني أساسًا، وأن الخلود ليس إلا لهذا البدن، واتجاه آخر يقول بالخلود الروحاني دون الخلود الجسماني، واتجاه ثالث يرى أن الخلود للروح والجسم معًا، واتجاه رابع يعبر عن الإنكار، وهذا اتجاه ماديًّا؛ لأنه لا يؤمن بأي عودة، سواء كانت روحية أو جسمية في العالم الآخر، فحياتنا هي الحياة الدنيا، ولا توجد حياة وراء هذه الحياة، واتجاه خامس يعبر عن موقف الشك، أي لا يؤيد القول بوجود خلود، أو القول بعدم وجود خلود، بل يقف موقف عدم القطع بالنسبة لأي قول من القولين [الميتافيزيقا في فلسفة ابن طفيل، عاطف العراقي، ص١٥٥-١٥٦].

المنهج النقدي والميتافيزيقي عند ابن طفيل

وابن طفيل كواحد من فلاسفة العرب، قد بحث في هذه المشكلة التي تعد أساسًا مشكلة ميتافيزيقية، وذلك في قصة حي بن يقظان، وإن كان بحثه فيها يعد بحثًا موجزًا، بمعنى أنه لا يدرس هذه المشكلة دراسة تفصيلية تحليلية على النحو الذي نجده عند أفلاطون قديمًا، وعند كثير من متكلمي وفلاسفة وصوفية العرب، بل إنه يدرس هذه المشكلة من خلال دراسته لموضوعات أخرى، كالعلاقة بين المادة والصورة، وإبراز الفروق الرئيسية بينهما، ومن خلال دراسته لموضوع الاتصال والسعادة كما سنرى، ولا يخصص لها مبحثًا مستقلًّا رئيسيًّا.

ومن هنا نجد لزامًا علينا أن نشير إلى هذا الموضوع؛ إذ إنه يعد كما سبق أن أشرنا داخلًّا في إطار الميتافيزيقا، ومعبرًا عن جانب من جوانب الميتافيزيقا في فلسفة ابن طفيل، تمامًا كالبحث في مشكلة قدم العالم، وتقديم الأدلة على وجود الله، والبحث في الصفات الإلهية، وتحليل العلاقة بين الذات والصفات.

قلنا: إن ابن طفيل في دراسته لموضوع المادة والصورة، قد قال برأي يعد مدخلًا للبحث في الخلود، صحيح أن البحث في المادة والصورة كما أشرنا أكثر من مرة يعد مجالًا فيزيقيًا أساسًا، ولكننا وجدنا كيف يخلع ابن طفيل على هذا الموضوع، الكثير من الدلالات الميتافيزيقية، التي تسمح للدارس بأن يستخرج من تفسيره للعلاقة بين المادة والصورة (جانب فيزيقي) دليلًا على وجود الله تعالى (جانب ميتافيزيقي). [الميتافيزيقا في فلسفة ابن طفيل، مرجع سابق، ص١٥٧].

إنه حين يحلل العلاقة بين المادة أو الجسم التي يدركها الإنسان بحواسه، وبين الذات أو النفس التي يدرك بها الإنسان واجب الوجود، نجده يتفكر، ويتساءل على لسان حي بن يقظان: هل ذاته يمكن أن تبيد، وتفسد، وتضمحل أم هي دائمة البقاء؟

لقد رأى أن الفساد والنقصان والاضمحلال إنما هي من صفات الأجسام، ومثال ذلك زوال صورة، والتحول إلى صورة أخرى، كالماء إذا صار هواءً، والهواء إذا صار ماءً، والنبات إذا صار ترابًا أو رمادًا، والتراب إذا صار نباتًا، فهذا هو معنى الفساد والزوال، وأما الشيء الذي ليس بجسم ، ولا يحتاج في قوامه إلى الجسم، وهو منزه بالجملة من الجسمانية، فلا  يتصور فساده البتة. [حي بن يقظان، ابن طفيل،١٠٠].

النفس إذن إذا كانت طبيعتها تختلف عن طبيعة الجسم، فلا يمكن أن يكون مصيرها هو مصير الجسم. إنها باقية بعد فناء الجسم، وكمالها ولذتها وسعادتها تتمثل في مشاهدة واجب الوجود، مشاهدة بالفعل دائمًا، أي: لا يشوب مشاهدتها شيء بالقوة؛ لأن الحواس الأخرى هي التي تكون مدركة بالقوة تارة، وبالفعل تارة أخرى.

ويحلل لنا ابن طفيل حالات النفس في حياتها الأرضية، من خلال علاقتها بواجب الوجود (الله)، ويربط بين ذلك وبين الخلود في العالم الآخر؛ نظرًا لأن السعادة والشقاء في العالم الآخر، لابد أن ترتبط كل حالة منهما بأفعال البشر في هذه الحياة الدنيا .

أحوال النفس الثلاث وتصنيف ابن طفيل الفلسفي

ويرى ابن طفيل أن النفس لها ثلاث حالات أو أحوال كالآتي:

الحالة الأولى:

حالة من يعرف الموجود، واجب الوجود (الله)، ويعلم ما هو عليه من الكمال والعظمة والسلطان والقدرة والحسن؛ بيد أنه أعرض عنه، واتبع هواه حتى لحقه الموت، وهو على تلك الحال، فحينئذ يحرم المشاهدة، ويبقى بذلك في عذاب طويل، وآلام لا نهاية لها، فإما أن يتخلص من تلك الآلام بعد جهاد طويل، ويشاهد ما كان يتشوق إليه قبل ذلك، ولكنه فقده نتيجة لإعراضه عنه، وإما أن يبقى في آلامه بقاء أبديًّا، وذلك بحسب استعداده لكل واحد من الوجهين في حياته الجسمانية.

ومعنى هذا أنه توجد مرتبتان لهذه الحالة، مرتبة أولى (التخلص من الآلام بعد فترة)، ومرتبة ثانية (البقاء في العذاب إلى الأبد)، والمرتبة الأولى تعد أقل ألمًا بطبيعة الحال من المرتبة الثانية التي تعد أقسى، وأشد منها عذابًا. [حي بن يقظان، ابن طفيل، ١٠٢].

الحالة الثانية:

تعد هذه الحالة، غير الحالة الأولى تمامًا، إنها حالة من عرف واجب الوجود، وأقبل بكل طاقته عليه، والتزم بالتفكير في جلاله وحسنه وبهائه، ولم يعرض عنه في حياته حتى موت جسده، إنه إذا فارق البدن بقي في لذة لا نهاية لها، وغبطة وسرور، وفرح دائم ؛ لاتصال مشاهدته لذلك الموجود الواجب الوجود، وسلامة تلك المشاهدة من الكدر والشوائب، إذ إن الكدر والشوائب يكونان بسبب القوة الجسمانية، وغيرها من الأمور الحسية التي تسبب له بالإضافة إلى ذلك الآلام، والشرور، والعوائق في سبيل معرفة واجب الوجود، وهو في الموت يكون قد فقد هذه القوة الجسمانية، وبالتالي لا توجد أمامه عوائق. [حي بن يقظان، ابن طفيل، ١٠٣].

الحالة الثالثة:

إذا كانت الحالة الأولى تعبر عن حال من يعرف واجب الوجود، ولكنه أعرض عنه، والحالة الثانية تعبر عن حال من عرف واجب الوجود، والتزم بالتفكير فيه، فإن الحالة الثالثة لا تعبر عن حالة معرفة، بل هي على العكس من ذلك، تعبر عن حالة عدم معرفة.

إنها حالة من لم يتعرف قط على الموجود الواجب الوجود، ولا اتصل به، ولا سمع عنه، فهذا الفرد إذا فارقت نفسه بدنه، فإنه لا يشتاق إلى ذلك الموجود، ولا يتألم بفقده؛ لأنه لم يعرفه أساسًا. [حي بن يقظان، ابن طفيل، ص١٠١].

يقول ابن طفيل: وأما جميع القوى الجسمانية، فإنها تبطل ببطلان الجسم، فلا تشتاق أيضًا إلى مقتضيات تلك القوى، ولا تحن إليها، ولا تتألم بفقدها.. وهذه حال البهائم غير الناطقة كلها، سواء كانت من صورة الإنسان أو لم تكن. [حي ابن يقظان، ابن طفيل، ١٠٢].

هذا ما نجده عند فيلسوفنا ابن طفيل متعلقًا بموضوع الخلود، ولا شك أنه حلل تحليلًا دقيقًا جوانب كثيرة من تلك الجوانب، التي لابد أن يتعرض لها كل دارس لموضوع الخلود، وأبرز تلك الجوانب التي اهتم بها فيلسوفنا، وأكثرها طرافة، ذلك الجانب الذي يتمثل في تحليله لتلك الحالات الثلاث، حالتان تترتبان على معرفة واجب الوجود، وإن كان مصير من يمثل الحالة الأولى (الإعراض عن الله بعد معرفته)، يختلف عن مصير من يمثل الحالة الثانية (الالتزام بمعرفة الله طوال الحياة)، وحالة ثالثة تعبر كما قلنا من عدم المعرفة.

والواقع أن ما يقوله ابن طفيل عن هذه الحالة الثالثة ، قد يؤدى إلى الكثير من التساؤلات حول هذه الأنفس الجاهلة، تمامًا كما نجد هذه التساؤلات والإشكالات بالنسبة لفيلسوف مشرقي كبير، وهو الفارابي.

ولكننا نستطيع القول بأن النصوص التي تجدها في قصة ابن طفيل الفلسفية، لا تؤدى بصفة حاسمة إلى القطع بفناء هذه النفوس، وخاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن المقدمات الخاصة بالخلود على النحو الذي يقول به ابن طفيل، إذا كانت تؤدى إلى إثبات الخلود فيما يرى فيلسوفنا بالنسبة للحالة الأولى والحالة الثانية، فإن هذه المقدمات لا تؤدى بصفة قطعية إلى القول بفناء النفوس بالنسبة للحالة أو المرتبة الثالثة، مرتبة عدم المعرفة.

وإذا أردنا أن نضع رأى ابن طفيل داخل اتجاه من الاتجاهات الخمسة؛ التي أشرنا إليها في بداية دراستنا لهذه المشكلة الميتافيزيقية، قلنا: إن رأى ابن طفيل - فيما نرى من جانبنا - يعد داخلًا معبرًا عن الاتجاه القائل بأن الخلود يتمثل أساسًا في الخلود النفساني لا الجسماني.

إننا لا نجد له نصًا يؤدى إلى إنكار الخلود، فإذن هو بعيد عن الاتجاه المادي، ونجد له رأيًّا محددًا فهو إذن بعيد عن موقف الشكاك، وإذا كان قد ربط الخلود بالمعرفة، بل أقامه على أساس المعرفة، فإن هذا يتناسب مع القول بالخلود النفساني لا الجسماني. [الميتافيزيقا في فلسفة ابن طفيل، عاطف العراقي، ص١٥٧-١٥٨].

الخلاصة

يرى ابن طفيل أن النفس جوهر غير جسماني، عصي على الفساد، ويربط مصيرها بعد الموت بمستوى معرفتها بالله في الحياة الدنيا، فالسعادة خلود في المشاهدة، والشقاء عذاب الحجاب، والجهل فناء بهيمي، مما يجعله من القائلين بالخلود الروحاني.

موضوعات ذات صلة

يشير الخلود إلى الحياة الأبدية التي تنتظر الإنسان بعد الموت والبعث

 البحث في النفس، والروح بواسطة العقل فقط يؤدي إلى نتائج متضادة، ومحتملة؛ لأن النفس من عالم الغيب الذي اختص الله ـ تعالى ـ بعلمه

ابن طفيل، الفيلسوف الأندلسي الذي أثرى الفكر الإنساني بقصته الخالدة "حي بن يقظان"

موضوعات مختارة