وأما ما
ورد من كلام السادة الصوفية في كتبهم مما قد يفيد ظاهره الحلول والاتحاد، فهو إما مدسوس عليهم، بدليل ما سبق من صريح كلامهم في
نفي هذه العقيدة الضالة، وإما أنهم لم
يقصدوا به القول بهذه الفكرة الخبيثة، والنحلة
الدخيلة، ولكن المغرضين حملوا المتشابه من
كلامهم على هذا الفهم الخاطئ، ورموهم
بالزندقة والكفر.
أما
الراسخون في العلم والمدققون والمنصفون
من العلماء فقد
فهموا كلامهم على معناه الصحيح الموافق لعقيدة أهل السنة والجماعة، وأدركوا تأويله
بما يناسب ما عُرف عن الصوفية من إيمان وتقوى وتنزيه
لله عز وجل.
قال
العلامة جلال الدين السيوطي -رحمه الله تعالى- (في كتابه الحاوي للفتاوي): "واعلم
أنه وقع في عبارة بعض المحققين لفظ "الاتحاد"
إشارة منهم إلى حقيقة التوحيد، فإن الاتحاد
عندهم هو المبالغة في التوحيد، والتوحيد
معرفة الواحد والأحد، فاشتبه ذلك على من
لا يفهم إشاراتهم، فحملوه على غير محمله،
فغلطوا وهلكوا بذلك... إلى أن قال: فإذن
أصل الاتحاد باطل محال، مردود شرعًا وعقلاً وعرفًا بإجماع الأنبياء ومشايخ الصوفية
وسائر العلماء والمسلمين، وليس هذا مذهب
الصوفية، وإنما قاله طائفة غُلاة لقلة علمهم وسوء حفظهم من الله تعالى.
وأما من
حفظه الله تعالى بالعناية، فإنهم لم يعتقدوا اتحادًا ولا حلولًا، وإن وقع منهم لفظ الاتحاد فإنما يريدون به محو أنفسهم وإثبات
الحق - سبحانه- قال: "وقد
يُذكر الاتحاد بمعنى فناء المخالفات وبقاء الموافقات، وفناء حظوظ النفس من الدنيا، وبقاء الرغبة في الآخرة، وفناء الأوصاف الذميمة، وبقاء
الأوصاف الحميدة، وفناء الشك، وبقاء
اليقين، وفناء الغفلة، وبقاء الذكر".
قال: وأما قول أبي
يزيد البسطامي (سبحاني ما أعظم
شأني)، فهو في معرض الحكاية عن الله،
وكذلك قول من قال: (أنا الحق) محمول
على الحكاية، ولا يُظن بهؤلاء العارفين
الحلول والاتحاد؛ لأن ذلك غير مظنون بعاقل فضلاً عن المتميزين بخصوص المكاشفات
واليقين والمشاهدات.
ولا
يُظن بالعقلاء المتميزين على أهل زمانهم بالعلم الراجح والعمل الصالح والمجاهدة وحفظ حدود
الشرع الغلط بالحلول والاتحاد... إلى أن
قال:" والحاصل أن لفظ الاتحاد مشترك فيطلق على المعنى المذموم الذى هو أخو الحلول، وهو
كفر".
ويطلق
على مقام الفناء اصطلاحًا اصطلح عليه الصوفية، ولا مشاحة في
الاصطلاح؛ إذ لا يَمنع أحد استعمال لفظ في
معنى صحيح لا محظور فيه شرعًا ولو كان ذلك ممنوعًا لم يجز لأحد أن يتفوه بلفظ الاتحاد.
وأنت
تقول بيني وبين صاحبي زيد اتحاد، وكم استعمل المحققون والفقهاء والنحاة وغيرهم لفظ الاتحاد
في معان حديثية وفقهية ونحوية، كقول المحدثين: اتّحد مخرج الحديث، وقول الفقهاء: اتحد نوع الماشية، وقول
النحاة: اتحد العامل لفظًا أو معنى.
وحيث وقع لفظ الاتحاد
من محققي الصوفية فإنما يريدون به معنى الفناء الذى هو محو النفس وإثبات الأمر كله
لله سبحانه لا ذلك المعنى المذموم الذى يقشعر له الجلد، وقد أشار إلى ذلك الشيخ
على بن وفاء، فقال في قصيدة له:
فظنوا بي حلولاً واتحادًا وقلبي من سوى
التوحيد خال
فتبرأ من الاتحاد بمعنى
الحلول.
وقال في
أبياتٍ أُخرَ:
وعلمك أن كل الأمر أمري هو المعنى
المسمى باتحاد
فذكر أن
المعنى الذي يريدونه بالاتحاد إذا أطلقوه هو تسليم الأمر كله لله، وترك الإرادة
معه والاختيار، والجري على مواقع أقداره من غير اعتراض، وترك نسبة شيء ما إلى
غيره". [الحاوي للفتاوى في الفقه
وعلوم التفسير والحديث والأصول والنحو وسائر الفنون للعلامة جلال الدين السيوطي ٢/١٣٤].
ونقل الشعراني عن علي بن وفاء رحمهما الله تعالى قوله: "المراد بالاتحاد حيث جاء في كلام القوم فناء
العبد في مراد الحق تعالى، كما يقال: بين
فلان وفلان اتحاد إذا عمل
كل منهما بمراد صاحبه، ثم أنشد:
وعلمك أن كل الأمر أمري هو المعنى المسمى باتحاد.
[اليواقيت والجواهر ١/٨٣].
وقال
العلامة ابن قيّم الجوزية - رحمه الله تعالى- (مدارج
السالكين شرح منازل السائرين): "الدرجة الثالثة من درجات الفناء: فناء خواص الأولياء والأئمة المقربين وهو
الفناء عن إرادة السوي شائمًا برق الفناء عن إرادة ما سواه، سالكًا سبيل الجمع على
ما يحبه ويرضاه، فانيًا بمراد محبوبة منه عن مراده هو من محبوبة، فضلاً عن إرادة
غيره، قد اتحد مراده بمراد محبوبة، أعني المراد الديني الأمري لا المراد الكوني
القدري، فصار المرادان واحدًا.
ثم قال:
وليس في العقل اتحاد صحيح إلا هذا، والاتحاد في العلم والخبر، فيكون المرادان
والمعلومان والمذكوران واحدًا مع تباين الإرادتين، والعلمين والخبرين، فغاية
المحبة اتحاد مراد المحب بمراد المحبوب، وفناء إرادة المحب في مراد المحبوب، فهذا الاتحاد
والفناء هو اتحاد خواص المحبين وفناؤهم، قد فنوا بعبادة محبوبهم عن عبادة ما سواه،
وبحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه والاستعانة به والطلب منه عن حب ما سواه. ومَن تحقق بهذا الفناء لا يحب إلا في
الله، ولا يبغض إلا فيه، ولا يوالي إلا فيه، ولا يعادي إلا فيه، ولا يعطي إلا لله،
ولا يمنع إلا لله، ولا يرجو إلا إياه، ولا يستعين إلا به، فيكون دينه كله ظاهرًا
وباطنًا لله، ويكون الله ورسوله أحبَّ
إليه مما سواهما، فلا يواد مَن حاد الله ورسوله ولو كان أقرب الخلق إليه:
وعَادِي الَّذِي عَادَى مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ ... جَمِيعًا وَلَوْ كَانَ الْحَبِيبَ الْمُصَافِيَا
وحقيقة
ذلك فناؤه عن هوى نفسه، وحظوظها بمراضي
ربه تعالى وحقوقه. والجامع لهذا كله تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله علمًا ومعرفة
وعملاً وحالاً وقصدًا.
وحقيقة
هذا النفي والإثبات الذى تضمنته هذه الشهادة هو الفناء والبقاء، فيفني عن تأله ما سواه علمًا
وإقرارًا وتعبدًا، ويبقي بتألهه وحده، فهذا الفناء وهذا البقاء هو حقيقة التوحيد
الذى اتفق عليه المرسلون - صلوات الله عليهم- وأُنزلت به الكتب، وخُلقت لأجله الخليقة، وشُرعت له
الشرائع، وقامت عليه سوق الجنة، وأسَس
عليه الخلق والأمر... إلى أن قال: وهذا الموضع مما غلط فيه كثير من أصحاب الإرادة،
والمعصوم من عصمه الله، وبالله المستعان والتوفيق والعصمة". [مدارج
السالكين شرح منازل السائرين ١/٩٠،٩١].
وقال في موضع آخر: "وإن
كان مشمرًا للفناء العالي، وهو الفناء عن إرادة السوى لم يبق في قلبه مراد يزاحم
مراده الديني الشرعي النبوي القرآني، بل يتحد المرادان فيصير عين مراد الرب تعالى هو عين مراد العبد،
وهذه حقيقة المحبة الخالصة، وفيها يكون الاتحاد
الصحيح، وهو الاتحاد في المراد لا في المريد ولا في الإرادة".
[مدارج
السالكين شرح منازل السائرين ١/٩٠،٩١].
ورغم أن ابن تيمية
مخاصم للصوفية وشديد العداوة لهم فإنه يبرئ ساحتهم من تهمة القول بالاتحاد، ويؤول
كلامهم تأويلاً صحيحًا سليمًا.
أما تبرئته لساحتهم فقد قال في فتاويه: "ليس أحد من أهل المعرفة بالله
يعتقد حلول الرب تعالى به أو بغيره من المخلوقات ولا اتحاده به، وإن سُمع شيء من ذلك فتقوُّلٌ على بعض أكابر الشيوخ، فكثير منه مكذوب اختلقه الأفاكون، من الاتحادية المباحية الذين أضلهم الشيطان وألحقهم
بالطائفة".
[مجموع فتاوى ابن تيمية
قسم التصوف ١١/٧٤،٧٥].
وقال
أيضًا: "كل المشايخ الذين
يٌقتدى بهم في الدين متفقون على ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها؛ من أن الخالق سبحانه مباين للمخلوقات، وليس في
مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وأنه يجب إفراد القديم عن
الحادث، وتمييز الخالق عن المخلوق، وهذا في كلامهم أكثر من أن يمكن ذكره هنا".
[مجموع الفتاوى – قسم علم
السلوك ١٠/٢٢٣]
وأما
تأويله لكلامهم فقد قال في مجموع رسائله، وأما قول الشاعر في شعره: "أنا من أهوى ومن أهوى أنا"، فهذا
إنما أراد به الشاعر الاتحاد المعنوي كاتحاد أحد المحبين بالآخر، الذى يحب أحدهما
ما يحب الآخر، ويبغض ما يبغضه، ويقول مثل ما يقول، ويفعل مثل ما يفعل، وهذا تشابه
وتماثل لا اتحاد العين بالعين، إذا كان قد استغرق في محبوبه حتى فني به عن رؤية
نفسه كقول الآخر: "غبت بك عني فظننت أنك أني" فهذه الموافقة هي الاتحاد السائغ.
[مجموع رسائل ابن تيمية ص
٥٢].
ومن هذه
النصوص المتعددة يتبين لنا أن كل ما ورد في كلام السادة الصوفية من كلمة (اتحاد)
إنما يراد به هذا الفهم السليم الذى يوافق عقيدة أهل السنة والجماعة ولا يصح أن
نحمل كلامهم على معانٍ تخالف ما صرحوا به من تبنيهم لعقيدة أهل السنة
والجماعة، وما على المنصف إلا أن يحسن الظن بالمؤمنين، ويؤول كلامهم على معنى شرعي
مستقيم.
[انظر بحث: تأويل كلام السادة الصوفية ص٤١٥].