Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

نقد الصوفية للتصوف

الكاتب

أ. د. حسن الشافعي

نقد الصوفية للتصوف

يعد التصوف الإسلامي أحد أرقى أشكال التعبّد والتزكية في الإسلام، لكنه لم يخلُ من بعض الأدعياء من المنحرفين عن المنهج الصوفي الصحيح في الفكر والممارسة، الأمر الذي احتاج إلى النقد والتصويب، وأبرز من قام بذلك أبناء التصوف الصحيح كالطوسي والسراج والقشيري، وغيرهم.

البيان عن علم التصوف

تعرض التصوف - كسائر الظواهر الثقافية والاجتماعية - لأطوار مختلفة وأحوال متفاوتة من القوة والضعف، والاستقامة على الأصل الأول والانحراف عنه، لذا دعا ذلك الغيورين عليه والمعارضين له إلى البناء على هذه الانحرافات والأخطاء، وأن يسجلوا الظواهر الغريبة والأفكار المنحرفة التي تسربت إلى التصوف وانتشرت بين المنتسبين إليه، أحيانًا بدافع الإصلاح والتقويم، وأحيانًا بقصد التشويه والهجوم، وربما ورد في هذا الصدد اتهامات واشتباكات، تروجها الدعايات المغرضة، وتغذيها الميول الشخصية، وتمدها تيارات غير علمية، دون بحث منصف، أو نظرة موضوعية، تبين وجه الحق فيها، بلا تعصب للصوفية أو تحامل عليهم، مما يدعو طالب علم التصوف إلى الإلمام بهذه الناحية متسلحًا بالروح النقدية الموضوعية، باحثًا عن الحقيقة، معرضًا عن العصبية.

ويبدو أن الاتجاه إلى نقد التصوف، وتأثره بالدوافع الموالية والنزعات المعارضة، قد بدأ من قديم، واقترن بعصر التدوين لعلم التصوف والتأليف فيه، بل لعلهما كانا من بين الأسباب الباعثة على التدوين والتأليف.

 يقول أبو نصر السراج - ت٣٧٨هـ - في أوائل كتابه "اللمع" الذي يعد من أقدم المؤلفات الصوفية، إن لم يكن أقدمها على الإطلاق، [انظر: مقدمة كتاب اللمع السراج، ١٩٦٠م بمصر من ١] بعد مقدمة الكتاب مباشرة:

"سألني سائل عن البيان عن علم التصوف، ومذهب الصوفية، وزعم أن الناس اختلفوا في ذلك: فمنهم من يغلو في تفضيله، ورفعه فوق مرتبته، ومنهم من يخرجه عن حد المعقول والتحصيل، ومنهم من يرى أن ذلك ضرب من اللهو واللعب وقلة المبالاة بالجهل، ومنهم من ينسب ذلك إلى التقوى والتقشف... ومنهم من يسرف في الطعن وقبح المقال فيهم حتى ينسبهم إلى الزندقة والضلالة، فسألني أن أشرح له مسألة ذلك ما صح عندي... فأقول... إلخ"، ويمضي السراج في عرض مباحث كتابه وأبوابه، مجيبًا سائله، موضحًا مسائله، وأغلب الظن أن هذا السائل يمثل طائفة من أهل عصره، وأن له نظراء في كل عصر، حيث يختلط عليهم الأمر، وتتداخل الصور، ويحارون بين المؤيدين والمعارضين، فكان من الخير أن تثار مثل هذه المسائل، وأن يُحتفى دومًا بأمثال هذا السائل، وأن نتواصى بالحق والعدل، ومنهج السماحة والإنصاف، وروح البحث الموضوعي والنقد النزيه.

 وقد صح العزم أن نعرض ألوانًا من النقد الموجه إلى التصوف من الصوفية أنفسهم، فهذا ضرب من النقد الذاتي أو الداخلي، له قيمته ومغزاه، ثم نعرض لنماذج من النقد الخارجي، أي نقد خصوم التصوف ومعارضيه، لقضايا التصوف ومسالك الصوفية، مع محاولة لإبداء وجهة نظر محايدة فيما يبديه كلٌّ من الصوفية وخصومهم، بما في ذلك موقف المنتسبين إلى السلف من هذه الأمور؛ لأن أكثر النقد الموجه إلى التصوف إنما يأتي في عصرنا هذا من طوائف المنتمين إلى السلف، الموسومين بالسلفية، فلعل من الخير أن تعرف أقوال الأئمة المقبولين لدى جمهور الأمة، ولدى هؤلاء الطوائف من المسلمين بوجه خاص، في التصوف، جمعًا للكلمة، وإنصافًا للحقيقة، وتقويمًا للنهضة المعاصرة.

النقد الذاتي

ربما كان من الخير أن نمثل لهذا النوع بنماذج من نقد الطوسي في كتابه "اللمع" المذكور سابقًا، لمكانته التاريخية المشار إليها آنفًا، ولتقدير الصوفية له، ومتابعة شيوخهم إياه في منهج التأليف، كالهجويري والسلمي والكلاباذي والقشيري وأمثالهم، ولما يتميز به الرجل من الاعتدال وروح الإنصاف، برغم كونه صوفيًّا من أبرز شيوخ المدرسة النيسابورية، كما كان من فقهائهم العارفين بأحكام الشرع في الوقت نفسه، [السابق ٧-١٤] ولعل هذا التكوين هو سر ما تهيأ له من اعتدال وإنصاف في الدراسة والنقد، وقد خصص الرجل "الكتاب الأخير" [يقصد بالكتاب القسم من أقسام اللمع، وهو يقسم كل كتاب إلى أبواب]، من اللمع لهذا الجانب النقدي في دراسة التصوف، وهو يربو على مائة صحيفة، مشيرًا أنه قسمه إلى قسمين كبيرين:

 أولهما: عن الشطح الذي روي عن بعض الشيوخ، والتهم التي ألصقت بهم دون وجه حق، مع بيان حقيقة ذلك، كما يدل عنوانه: "تفسير الشطحات والكلمات التي ظاهرها مستشنع وباطنها صحيح مستقيم" [انظر: اللمع ٤٥٣، وما بعدها على ٥١٥]، فهو فيه محامٍ مدافع يرد عن القوم ويشرح مقاصدهم، وينقد خصومهم ويكشف عن دوافعهم.

أما القسم الثاني الذي يختم به الكتاب: فيخصصه لذكر "من غلط من المنتسبين إلى التصوف، ومن أين يقع الغلط، وسُبُل ذلك"، وهو هنا ناقد مدقق نافذ البصر، يكشف ما وقع فيه بعض المنسوبين إلى التصوف، أو المترسمين به، كما يُعبر، من أخطاء وأغلاط، مع بيان سبب وقوعهم فيها، ووجه الحق فيها كما يراه.

 ولعمري إنه لنقد موضوعي منصف مهذب العبارة، مراعٍ لآداب الخلاف، حريص على هدي السنة والكتاب، دون ميل مع الهوى أو العصبية، يحسن بالدارس المعاصر أن يعود إليه، وإن مضى على كتابته أكثر من ألف عام.

قسّم الطوسي نقده إلى قسمين: ما يتعلق بالفروع، وما يتعلق بالأصول.

 والظاهر أنه يقصد بالأولى: بعض الأمور العلمية التي ترجع إلى السلوك، وبعض آداب الطريق التي أخطأ فيها قوم دون خروج على أصول الدين وفقه العقيدة، ولذا يقول عنهم: (ذكر من غلط في الفروع التي لم تؤدهم إلى الضلال...) [السابق ص ٥٢٠].

أما الثانية: فيعني بها الخطأ في المبادئ والمفاهيم، والمعتقدات والأفكار التي قد تفضي إلى الخروج عن أصول العقيدة الصحيحة أو مقتضيات تلك الأصول، ولذا يقول عنهم: (ذكر من غلط في الأصول، وأدى ذلك إلى الضلالة..). [السابق ص ٥٣١].

 وقد زاد الشيخ الأمر وضوحًا بقوله عن طبقات هؤلاء الغالطين: "فطبقة منهم غلطوا في الأصول من قلة إحكامهم لأصول الشريعة، وضعف دعائمهم في الصدق والإخلاص، وقلة معرفتهم بذلك... وطبقة ثانية منهم: غلطت في الفروع، وهي الآداب والأخلاق والمقامات والأحوال، والأفعال والأقوال، فكان ذلك من قلة معرفتهم بالأصول، ومتابعتهم لحظوظ النفس ومزاج الطبع، لأنهم لم يدنوا ممن يروضهم... ويوقفهم على المنهج الذي يؤديهم إلى مطلوبهم..."، وهو يلحق بعد ذلك بهم طبقة ثالثة كان غلطهم - فيما غلطوا فيه - زلة وهفوة، لا علة وجفوة، فإذا تبيّن ذلك عادوا إلى مكارم الأخلاق، ومعالي الأمور، فسدوا الخلل ولموا الشعث، وأذعنوا للحق... وكل طبقة من هذه الطبقات الثلاث على أحوال شتى من التفاوت، والإرادات، والمقاصد، والنيات. [السابق من ٥١٨].

لكن الطبقة الثالثة: إما أن تدخل في المخالفات الفرعية التي لا تؤدي إلى ضلالة، أو أن تهمَل تمامًا في باب الغلط والانحراف، لما أنهم لا يلبثون أن يعودوا إلى الاستقامة ويذعنوا للحق كما قال، ولذا عاد في آخر كلامه عن الطبقات إلى القول: "فمن غلط في الأصول فلا يسلم من الضلالة ولا يرجى لدائه دواء، إلا أن يشاء الله ذلك، والغلط في الفروع أقل آفة، وإن كانت بعيدة عن الإصابة" [السابق من ٥١٩].

 إذن فالغالطون طبقتان، وأغلاطهم ترجع إلى نوعين: نوع في الفروع، وآخر في الأصول، على النحو الذي سلف بيانه.

وقبل أن نورد نماذج لأخطاء كلتا الطائفتين، يحسن أن نورد أسبابها في نظره، وهي ترجع كلها إلى مخالفة الشريعة، والخروج على آداب الطريقة، يقول: "كل من ترسم برسوم هذه العصابة، أو أشار إلى نفسه بأن له قدمًا في هذه الطريقة، وتوهم أنه متمسك ببعض آداب هذه الطائفة (أي الصوفية)، ولم يحكم أساسه على ثلاثة أشياء فهو مخدوع، ولو مشى في الهواء، ونطق بالحكمة، أو وقع له كلام عند الخاصة أو العامة، وهذه الثلاثة الأشياء:

أولها: اجتناب جميع المحارم، كبيرها وصغيرها.

والثاني: أداء جميع الفرائض، يسيرها وعسيرها.

والثالث: ترك الدنيا على أهل الدنيا، قليلها وكثيرها، إلا ما لا بد للمؤمن منها..

 فكل من ادعى حالًا من أحوال أهل الخصوص، أو توهم أنه سلك منزلًا من منازل أهل الصفوة ولم يبنِ أساسه على هذه الثلاثة فإنه إلى الغلط أقرب منه إلى الإصابة في جميع ما يشير إليه، أو يدعيه، أو يترسم برسمه" [السابق من ٥١٦-٥١٧].

ولكن إذا كان الفقر أشرف من الغنى فما حقيقة هذا الفقر؟

يجيب الشيخ: "وغلطت طائفة أخرى في الفقر فتوهمت أن المراد من حال الفقر العدم والفقر فقط، فانشغلت بذلك ولم تسمُ بهمتها إلى آداب الفقر، وخفي عليها أن رؤية الفقر - في الفقر - حجاب... ورؤية الفقر والمساكنة إلى الفقر والإعجاب به علة في الحال وحجاب في المكان" [السابق: ٥٢٢].

 ومع هذا التحليل الدقيق، فإن ما قاله ابن تيمية في هذا الباب أقرب إلى الاقناع: "تَنَازَعَ الناسُ أيهما أفضل: الفقير الصابر أو الغني الشاكر؟

والصحيح أن أفضلهما أتقاهما، فإن استويا في التقوى استويا في الدرجة، كما قد بيناه في غير هذا الموضع، فإن الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنة لا حساب عليهم، ثم الأغنياء يحاسبون: فمن كانت حسناته أرجح من حسنات فقير كانت درجته في الجنة أعلى منه، وإن تأخر عنه في الدخول، ومن كانت حسناته دون حسناته كانت درجته دونه". [ابن تيمية الصوفية والفقراء ٣٨].

وعلى كل، فإن السراج الطوسي يمضي في بيان أغلاط هذه الفئة إزاء موقفهم من الدنيا بالتقلل منها أو التوسع فيها، دون معيار شرعي روحي، ولعل انتقاده للفئتين المتوسعة والمتقللة يدنو إلى التوازن والاعتدال اللذين ينزع إليهما كلام ابن تيمية الآنف الذكر، قال الشيخ: "لا يصح الدخول في السعات إلا لنبي أو صديق...".

 وبعد أن يذكر شروط التكسب وأهمها ألا يركن إلى الكسب، وأن ينوي معاونة المسلمين، وألا يشغله التكسب عن أول أوقات الصلاة المفروضة، وأن يتعلم الأحكام المتعلقة بكسبه - لكيلا يأكل الحرام - يعود فينبّه على غلط قوم طعَنوا على المتكسبين وجلسوا معتمدين على حالهم، مستشرفين إلى من يتفقدهم... وقد غلطوا في ذلك لأن الجلوس عن المكاسب ينبغي أن يكون من قوة اليقين والصبر، فمن ضعف يقينه، وغلب عليه طبعه وطمعه يؤمر بالدخول في الطلب، والطلب مباح، وترك الطلب بقوة الإيمان أتم وأفضل. [السابق: ص ٥٢٤]، والذي يؤخذ على كلامه الأخير - مع دقته من الناحية النفسية - هو مقابلته بين التواكل واليقين من ناحية، والتكسب والطلب من ناحية أخرى، كأنهما متنافيان، مع أن مباشرة أسباب الكسب لطلب الرزق لا تنافي التوكل على الله واليقين بما عنده.

 أما مسألة الغلو في المجاهدة والعبادة، أول الأمر، والرجوع عنها إلى ما يشبه الكسل والتوقف على نحو يحول دون الوصول، فمرجعه إلى عدم التزام أصل التربية والرياضة الروحية، واستشارة الشيوخ العارفين كما سبق أن بينه، قال: ثم إن طبقة من الصوفية غلطت في العبادات والمجاهدات، ورياضات النفس، فلم تحكم في ذلك أساسها، ولم تضع الأمور في موضعها، فانهزمت ونكصت عن الكمال والنهايات...". [السابق: ص ٥٢٣].

ويعود في نفس الوقت لينبه على خطأ من تمسك دائمًا بالتقشف والتقلل دون فهم ويقظة: "وطائفة أخرى تعلقوا بالتقشف والتقلل، واعتادوا الدون من اللباس، والقليل من القوت، وظنوا أن كل من رفق بنفسه أو تناول شيئًا من المباحات، أو أكل شيئًا من الطيبات، أن ذلك علة وسقوط من المنزلة، وكل حال غير الحال الذي هم عليه عندهم علة.

وقد غلطوا في ذلك، لأن العلة كائنة في التقشف والتقلل، كما أن العلة كائنة في الترقق والترفه، والتقلل والتقشف بالعادة والتكلف، معلول، إلا أن يكون العبد مرادًا بذلك وقتًا من الأوقات، أو يكون تأديبًا له، أو رياضة لنفسه، فإذا شهد آفاتها، واستحسن ملاحظته للخلق بذلك، ولم يعمل في الانقلاع عنها جهده، يكون هالكًا، ولا يرجى خيره أبدًا" [السابق].

ثم ينتقل الشيخ بعد ذلك إلى مسألة التكسب والتوكل، فيقول: "وطائفة أخرى من المتنسكين تعلقوا بأخذ القوت من الكسب، وركنوا إلى أكسابهم... وقد غلطوا في ذلك، لأن الكسب رخصة وإباحة لمن لم يطق حال التوكل، لأن التوكل حال الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك الخلق كلهم مأمورون بالتوكل على الله، فمن ضعف عن ذلك، ولم يطق فقد سن له رسول الله صلى الله عليه وسلم الكسب المباح... [السابق: ٥٢٤].

فلما خالفوا السنة وتركوا التكسب وتكلفوا التوكل وليسوا من أهله، لم تصبر نفوسهم على تبعاته، وعادت على أعقابها القهقرى، وذلك أنهم سمعوا باجتهادات المتقدمين، وما نشر الله بذلك أعلامهم... فطمعت نفوسهم وتمنوا، فتكلّفوا شيئًا من ذلك، فلما طالت المدة ولم يصلوا إلى مرادهم كسلوا، فلما لم يكونوا مرادين بذلك، لضعف دعائمهم وفساد قصدهم، توهموا أن ذلك فتور. [السابق: ٥٢٥]، ولعلّه يشير بذلك إلى معنى ما روي: «ألَا إِنَّ لِكُلِّ عَامِلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِهَا فَقَدْ هَلَكَ»، فهو يفسر الفتور أو الفترة بقوله: "وقد غلطوا في ذلك، لأن الفتور ما تتروح به قلوب المجتهدين وقتًا دون وقت، ثم تعود الحال، فأما ما وقع فيه هؤلاء فهو الكسل والتواني والأماني الكاذبة"، ثم ينكر على من تعلقوا بالسياحات ولقاء المشايخ والاستكثار من ذلك على غير وجهه، لأن القوم: "إنما يسافرون حتى يشاهدوا من أنفسهم خلقًا مذمومًا، فيعملوا في تبديله.. ولقاء المشايخ يحتاج إلى الأدب والحرمة والإرادة.. فمن ساح أو سافر، أو لقي شيخًا من المشايخ على غير ما ذكرت، فهو في غلط عظيم". [السابق: ص٥].

وهذه الملاحظة كسابقتها تدل على معرفة دقيقة وبصيرة نافذة بأحوال المريدين، ولعل شيوع أمثال هذه الظاهرة مما يثقل مسار الحركة الصوفية في كل حين وخاصة في وقتنا هذا، ويختم هذا الصنف من الغلط والانحراف بذكر قوم آخرين انبسطوا في المباحات، ولم يتكلفوا المراعاة للأوقات، فقالوا: ما وجدنا أكلنا، ونمنا، فذلك وقتنا، وقد غلطوا في ذلك لأن الوقت إذا فات لا يُدرَك، وليس الوقت ما يكون معمورًا بالأرفاق، إنما الوقت ما يكون معمورًا بدوام الذكر ومربوطًا بالإخلاص والشكر... والنفس والهوى والشيطان أعداء يطلبون فرصة الظفر بالعبد، فمن توهم أنه وصل إلى حال قد أمن من ذلك فهو في غلط. [السابق: ٥٢٦]، وما أحوج سالكي طريق الحق أن يعرفوا أن الغلو في المجاهدة دون منهج سليم ورعاية من شيخ عارف هو كالتبسط والتراخي والاغترار والأمن، فكل أولئك يقطع عليهم الطريق، ويحول دون الوصول إلى المأمول.

أما الغلط الناشئ من عدم إحكام الأصول الأربعة في مجال الرياضة، قلة الطعام والمنام والكلام ومخالطة الأنام، فإن السراج الطوسي بدافع من خبرته التربوية ينعي على جماعة من المريدين والمبتدئين، سمعوا علم مخالفة النفوس، فتركوا عاداتهم من الطعام والشراب، ولم يستعملوا الأدب (أي أصول التربية) في ترك الطعام، ولم يستبحثوا عن الأستاذين (أي يطلبوا من الشيوخ) آدابها... وقد غلطوا في ذلك لأن المريد ينبغي أن يكون له مؤدب يوقفه على ما يحتاج من فسادها. [السابق: ٥٢٧]، ثم ينقل عن الشيوخ الخبراء برِياضات النفوس سُنة التدرج والاعتدال في تقليل الطعام: سمعت ابن سالم يقول: "كانوا إذا أرادوا أن يتقللوا ينقصون من طعامهم في كل جمعة مثل أذن السنور، وسمعته يقول: كان سهل بن عبد الله - رحمه الله - يسأل أصحابه أن يأكلوا اللحم في كل جمعة مرة حتى لا يضعفوا عن العبادة. [السابق].

وعن العزلة وترك المخالطة يقول: "وطائفة اعتزلت ودخلت الكهوف، وظنوا أنهم بذلك يهربون من الخلق، وينامون في الجبال والفلوات (ليخلصهم ذلك) من شر أنفسهم، أو يوصلهم الله تعالى بالانفراد، والخلوة إلى ما أوصل إليه أولياءه من الأحوال الشريفة... وقد غلطوا في ذلك لأن الأئمة من المشايخ الذين قل مطعمهم ودامت خلوتهم وانفرادهم، اختاروا العزلة، إنما حداهم على ذلك ودعاهم إليه داعي العلم وقوة الحال، فورد على قلوبهم ما أذهلهم وشغلهم عن المعارف والأوطان.. وجذبهم جذبة أغناهم بها عمن سواه، فمن لم يكن مَصْحُوبُهُ الحالُ وغلبة الوارد، ثم يتكلف ويحمل على نفسه ما لا تطيقه، يظلم نفسه فيدخل على نفسه الضرر، ولا يدرك ما فاته ويفوته ما معه". [السابق: ٥٢٨].

وهكذا تكون العزلة أمرًا مفروضًا على الصوفي المتمكن لا على المريد المبتدئ كما نجده في سيرة الإمام الغزالي مثلًا، إذ انطلق سائحًا مفارقًا للوطن كأنه مجبر مضطر، ثم عاد إليه حين يسر الله ذلك في حال أقرب إلى الاختيار: "فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريبًا من ستة أشهر، أول شهر رجب سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار، إذ أقفل الله عليَّ لساني حتى اعتقل عن التدريس... ثم لما أحسست بعجزي وسقط بالكلية اختياري، التجأت إلى الله - تعالى - التجاء المضطر الذي لا حيلة له، فأجابني الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأولاد والأصحاب وأظهرت عزم الخروج إلى مكة، وأنا أدبر في نفسي سفر الشام.... ففارقت بغداد، وفرقت ما كان معي من المال، ولم أدخر إلا قدر الكفاف وقوت الأطفال... ثم دخلت الشام وأقمت به قريبًا من سنتين، لا شغل لي إلا العزلة والخلوة والرياضة والمجاهدة... ثم تحركت في داعية فريضة الحج والاستمداد من بركات مكة والمدينة... ثم جذبتني الهمم ودعوات الأطفال إلى الوطن فعاودته بعد أن كنت أبعد الخلق عن الرجوع إليه". [الغزالي المنقذ: ١٢٨-١٣٠]، ولذا يؤكد الطوسي خطر الدخول في هذا المأزق لرغبة أو شهوة تتطلع إليها النفس، دون عدة كافية من أدب وفقه، فيقول: "وقوم هاموا على وجوههم، ودخلوا البراري والبوادي بلا زاد ولا ماء، ولا آلة الطريق، وتوهموا أنهم إذا فعلوا ذلك نالوا ما نال الصادقون من حقيقة التوكل، وقد غلطوا في ذلك لأن القوم الذين كان هذا دأبهم كانت لهم بدايات وتأدبوا بآداب وراضوا أنفسهم قبل ذلك بالمجاهدات... فمن فعل ذلك وتوهم أنه قد نطق بشيء من أحوال المتوكلين فهو في (غلط)" [السراج اللمع: ٥٢٨-٥٢٩].

ثم يذكر السراج خطر الغلو في العبادة، وسلوك سبيل الرياضة من جانب بعض الشباب، دون فقه بها، أو رعاية شيخ ناصح، وخاصة في ترك الطعام والمنام والشهوة، قال: ورأيت جماعة من الأحداث كانوا يقللون الطعام، ويسهرون الليل، ويذكرون الله تعالى على الدوام، حتى كان أحدهم ربما يغشى عليه، وكان يحتاج بعد ذلك إلى أن يداوى ويرفق به أيامًا حتى يقدر على الصلاة الفريضة، وجماعتهم جهدوا بأنفسهم، وظنوا أنهم إذا قطعوا ذلك سلموا من آفات الشهوة النفسية، وقد غلطوا في ذلك لأن الآفات تبدو من الباطن، فإذا قطعت الآلة، والعلة موجودة في الباطن، لم ينفع ذلك، بل يضر وتزداد الآفة.

وهذا التفسير النفسي الدقيق يذكرنا بخطر مخالفة السنة من أمثال هؤلاء الشباب في الصدر الأول، ولعمري إن لهم لنظائر في كل جيل: عن أنس رضي الله عنه قال: "جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». [أخرجه البخاري ومسلم، وأورده النووي في رياض الصالحين: ٣٤].

أما الجانب الأخير من نقده لمسالك الصوفية في عصره، فيتعلق بالدخلاء الواغلين، الذين يتظاهرون بمظاهر الصوفية وشعائر التصوف، دون حظ من حقيقة الأمر، في الصدق والخشية والإنابة إلى الله، وهو ينكر ذلك ويشدد النكير عليه، ويتتبع أحوال هؤلاء المرائين والمفتونين من انخداع بالمظاهر، أو جمع للعلم الظاهر، أو اتكال في الفقه على الغير، أو ادعاء للوجد والسكر دون حظ من حقيقة الأمر، فينصحهم ويدينهم، ويبرئ ساحة التصوف الحقيقي من أمثالهم فهم العلة الظاهرة، والتهمة المتكررة، والصارفون لبعض الراغبين عن طريق الحق المبين، يقول:

أ- جماعة تكلفوا لبس الصوف، واتخذوا المرقعات المعمولة، وحملوا الركاء، ولبسوا المصبوغات وتعلموا الإشارات، وظنوا أنهم إذا فعلوا ذلك، أنهم من الصوفية، وقد غلطوا في ذلك، لأن التحلي والتلبس والتشبه لا يورث صاحبه غير الحسرة والندامة، والعتب والملامة، والشنار والنار في يوم القيامة.

ب- وجماعة أخرى جمعوا علوم القوم، وعرفوا إشاراتهم، وحفظوا حكايتهم وتكلفوا ألفاظًا صحيحة، وعبارات فصيحة، وظنوا أنهم إذا فعلوا ذلك فقد صاروا منهم... وقد غلطوا في ذلك.

ج- وجماعة أخرى أحرزوا قوتهم وسكنت نفوسهم بنفقة معلومة، ودراهم موضوعة، ثم عمدوا بعد ذلك إلى أورادهم... ولباس الخشن والبكاء، وظنوا أن هذا هو الحال المقصود الذي لا يكون بعده حال وقد غلطوا في ذلك، وما أظن أن أحدًا ممن أشاروا إلى علم التصوف يذكر عنه أنه لم يخرج في بدايته من المعلوم (أي الرزق المحدد المضمون) ولم يأمر أصحابه في أول الأمر بقطع العلائق، وأن يجعلوا قوتهم في الغيب... ". [السراج اللمع: ٥٢٩-٥٣٠]، ومن هذا نعرف حكم هؤلاء الذين ينقطعون طول حياتهم - مع قدرة بعضهم على الكسب - في الزوايا والخوانق، وبرزق معلوم يأتيهم من الأوقاف أو الصدقات.. فهؤلاء هم صوفية الأرزاق الذين عناهم ابن تيمية حين قال عن صوفية عصره وصارت الصوفية ثلاثة أصناف: صوفية الحقائق، وصوفية الأرزاق، وصوفية الرسم... وأما صوفية الأرزاق فهم الذين وقفت عليهم الوقوف والخوانق فلا يشترط في هؤلاء أن يكونوا من أهل الحقائق، فإن هذا عزيز، وأكثر أهل الحقائق لا يتصدون بلزوم الخوانق، ولكن يشترط فيهم ثلاثة شروط:

أحدها: العدالة الشرعية بحيث يؤدون الفرائض، ويجتنبون المحارم.

والثاني: التأدب بآداب أهل الطريق وهي الآداب الشرعية - في غالب الأوقات...

والثالث: ألا يكون أحدهم متمسكًا بفضول الدنيا، فأما من كان جماعًا للمال، أو كان غير متخلق بالأخلاق المحمودة، ولا يتأدب بالآداب الشرعية، أو كان فاسقًا فلا يستحق ذلك. [ابن تيمية الصوفية والفقراء ٣٤ -٣٥].

وأما صوفية الرسم الذين ينتسبون إلى الصوفية ويتخذون شعاراتهم دون وجه حق، فهم كما يصفهم ابن تيمية (المقتصرون على النسبة) فهمهم اللباس والآداب الوضعية ونحو ذلك، فهؤلاء في الصوفية بمنزلة الذي يقتصر على زي أهل العلم وأهل الجهاد، ونوع من أقوالهم، بحيث يظن الجاهل بحقيقة أمره أنه منهم وليس منهم. [السابق: ٣٥].

وبقريب من هذا وصفهم السراج قبل ابن تيمية بثلاثة قرون ونصف القرن: "وجماعة ظنوا أن التصوف هو السماع والرقص، واتخاذ الدعوات وطلب الإرفاق، والتكلف للاجتماعات على الطعام وعند سماع القصائد والتواجد والرقص، ومعرفة صيغة الألحان بالأصوات الطيبة والنغمات الشجية، والاختراع من الأشعار الغزلية، بما يشبه أحوال القوم، على نحو ما رأوا من بعض الصادقين، أو بلغهم ذلك عن المتحققين، وقد غلطوا في ذلك، لأن كل قلب ملوث بحب الدنيا، وكل نفس معتادة بالبطالة والغفلة، فسماعه ووجوده معلول، وحركته وقيامه تكلف، فمن ظن أنه بتكلفه وحيله وتمنيه من المتحققين في وقت السماع والحركة والوجود وغير ذلك فقد غلط في ذلك. [السراج اللمع: ٥٣٠].

وأظن أن قارئ هذا الوصف الذي مضى عليه ألف عام، يشعر أنه يصدق على طوائف كثيرة من المنسوبين إلى التصوف المترسمين به في عصرنا، وهم في الحقيقة عبء عليه، وعنوان سيئ له، وضرر بالغ بقضية التدين عمومًا، لا يقتصر أذاه عليهم، بل يتعداهم إلى من حولهم من عوام المسلمين، وقد واجه أبو القاسم القشيري (ت ٤٦٥ هـ) حالًا شبيهة بهذه الحال، دفعته إلى أن يرفع عقيرته بتلك الشكاية في مفتتح كتابه (الرسالة): "اعلموا - رحمكم الله - أن المحققين من هذه الطائفة انقرض أكثرهم، ولم يبقَ في زماننا من هذه الطائفة إلا أثرهم كما قيل:

أما الخيام فإنها كخيامهم    وأرى نساء الحي غير نسائها

حصلت القترة في هذه الطريقة، لا بل اندرسَت الطريقة بالحقيقة، مضى الشيوخ الذين كان بهم الاقتداء، وقل الشباب الذين كان بسيرتهم وسنتهم افتداء... وارتحل عن القلوب حرمة الشريعة، فعدوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة، ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام، ودانوا بترك الاحترام، وطرح الاحتشام، فاستخفوا بأداء العبادات، واستهانوا بالصوم والصلاة... وركنوا إلى اتباع الشهوات، وقلة المبالاة بتعاطي المحظورات، والارتفاق بما يأخذونه من السوقة والنسوان وأصحاب السلطان، ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال، حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق والأحوال، وادعوا أنهم تحرروا عن رق الأغلال، وتحققوا بحقائق الوصال، وأنهم قائمون بالحق تجري عليهم أحكامه، وهم محو وليس لله عليهم فيما يؤثرونه أو يذرونه عتاب ولا لوم ...  ولما طال الابتلاء فيما نحن فيه من الزمان بما لوحت ببعضه من هذه القصة – وكنت لا أبسط إلى هذه الغاية لسان الإنكار غيرة على الطريقة أن يذكر أهلها بسوء- ولما أبى الوقت إلا استصعابًا، وأكثر أهل العصر بهذه الديار إلا تماديًا فيما اعتادوه، واغترارًا بما ارتادوه - أشفقت على القلوب أن تحسب أن هذا الأمر على هذه الجملة بنى قواعده، وعلى هذا النحو سار سلفه، فعلقت هذه الرسالة إليكم... لتكون لمريدي هذه الطريقة قوة، ومنكم لي بتصحيحها شهادة، ولي في نشر هذه الشكوى سلوة. ومن الله الكريم فضلًا ومثوبة". [القشيري، الرسالة: ١٩-٢١].

غير أن ما شكا منه القشيري يتضمن بدوره انحرافات عملية فرعية وأخرى اعتقادية أصلية، فلنعد إلى صاحب اللمع لنرى أول نقد لانحرافات بعض المنسوبين إلى التصوف في الأصول.

الغلط في الأصول

وهذا النوع أخطر من سابقه، لأنه غلط في المفاهيم والأفكار والمعتقدات، بما يخالف أصول الشرع أو مقتضيات تلك الأصول؛ فهو يدخل في البدع الاعتقادية، بينما يقتصر الغلط في الفروع على الخطأ في بعض الأعمال أو الآداب أو العادات، ومن ثم كان الانحراف هنا أشد، والفساد أكبر، والمصيبة أعظم، ولذا بالغ الشيخ في الإنكار على أهل الغلط في الأصول، واعتبرهم جميعًا ضلالًا، وتبرأ من بعضهم واعتبرهم كفارًا، وهذه نصيحة منه للدين، وغيرة على الإسلام والمسلمين، وإنصاف للتصوف الحقيقي والصوفية الصادقين، ويمكن رد الانحرافات التي تعرض لها السراج في خواتيم كتابه "اللمع" إلى أمور خمسة هي:

١- التحلل من الأحكام الشرعية.

٢- القول بالحلول.

٣- تفضيل الولاية على النبوة.

٤- ادعاء رؤية الله في الدنيا بالأبصار.

٥- الغفلة عن الفرق بين القديم والمحدث.

وسنعرض رده على هذه الدعاوى الباطلة والمفتونين بها، لكنا نوجه النظر إلى لفتات بارعة من الشيخ في كيفية تسرب هذه الأفكار إلى عقول القائلين بها، وتدسسها إلى نفوسهم، ووجوه الضعف في معرفتهم التي أعانت على ذلك، وتحذيراته للصوفية في عصره، وفي كل زمان، أن يقعوا فيما وقع فيه هؤلاء الغالطون، فانتهى بهم إلى الضلال والانحراف عن العقيدة الإسلامية الصحيحة انحرافًا وضلالًا يصل في بعض الأحوال إلى الخروج عن الملة والعياذ بالله رب العالمين.

ومن الواجب على كل عارف بالحق مخلص لدين الله، سواء كان من الصوفية أو غيرهم، بل يتأكد ذلك في حقه إن كان من الصوفية، أن يقاوم هذه البدع جميعًا خاصة الاعتقادية: فإن خطرها عظيم على الإسلام والمسلمين، روى النووي: عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» [أورده النووي في الأربعين تحت رقم ٣٤، وقال: رواه مسلم].

وروى النووي أيضًا: عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» [السابق الحديث رقم ٥، و(رد) أي مردود باطل]. وفي رواية لمسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».

وقال العلامة ابن دقيق العيد: (ت ٧٠٧ هـ) وهو من كبار فقهاء المالكية بمصر المائلين إلى التصوف - في شرح الحديث الأخير: هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الدين، وهو من جوامع الكلم التي أوتيها المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإنه صريح في رد كل بدعة وكل مخترع... والرواية الأخرى وهي قوله: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». صريحة في رد كل محدثة سواء أحدثها فاعلها أو سبق إليها؛ فإنه قد يحتج بعض المعاندين إذا فعل البدعة، فيقول: ما أحدثت شيئًا فيحتج عليه بهذه الرواية، وهذا الحديث مما ينبغي حفظه وإشاعته، واستعماله في إبطال المنكرات، أما تفريع الأصول التي لا تخرج عن السنة فلا يتناول هذا الرد. [ابن دقيق العيد، شرح الأربعين: ٢٢-٢٣].

ومن الإنصاف أن نقول: إن الانحراف - سواء كان في الاعتقاد أو في العمل - غير قاصر على الصوفية أو المنتسبين إليهم، بل هو حاصل لدى أكثر الطوائف والفرق من محدثين ومتكلمين وفقهاء وغيرهم، ولكن الصوفية لتعلقهم بالنبي صلى الله عليه وسلم على نحو خاص، هم أحرى أن يلتزموا هديه، ويحيوا سننه، ويتبرؤوا من مخالفيه؛ فإن الله تعالى قد سد الطرق إليه إلا طريقًا مهده المصطفى صلى الله عليه وسلم. صدق الله العظيم: {فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:٦٣] وقد قام علماء الصوفية وشيوخها في كل عصر - بقدر ما وفقهم الله - بهذا الواجب ونهضوا به، إلا طوائف من المخذولين، ونود أن يستمر ذلك في كل حين، وخاصة في عصرنا الذي وضع فيه العلم بالدين، واختفى الشيوخ العارفون، وظهر في ساحة الدعوة كثيرون من خصوم التصوف وأوليائه، لا يرجعون بالناس إلى أصل أصيل، ولا يشفعون أقوالهم بالدليل المقبول، والعامة حيارى تائهون بين هؤلاء وهؤلاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

غاية مقاصد الشريعة أن تخرج الناس من العبودية لأهوائهم، وأن تُعَبِدَهُم لله رب العالمين، [انظر الشاطبي الموافقات] وهي غاية التصوف الحقيقي أيضًا، لكن الناس تنازعهم أنفسهم إلى (التحلل من أحكام الشرع) والرجوع إلى عبودية الهوى، وهذه النزعات تتخذ أشكالًا مختلفة، وتتعلل بتعللات وحيل متنوعة، كان منها في بعض الأحيان التصوف المدخول، والصوفية الأدعياء، ممن عرفوا بأهل الإباحة أو البطالة والتعطيل، وقد يتصل ذلك بالقائلين بالحلول، وهم الذين لا يعتقدون الثواب والعقاب، ولا يؤمنون بالحساب، [الشيبي: الصلة ١/ ١٤٤]، ويستبيحون المحرمات، ويهملون التكاليف والواجبات، [الشهرستاني الملل والنحل: ١/ ٢٤٥]. قد يقولون: إن المعرفة إذا حصلت لم يبق شيء من الطاعات واجبًا [الشيبي: الصلة ١/ ١٤٥]، وهي نزعة تسربت إلى الصوفية من غلاة الشيعة فيما يرى بعض العلماء. [السابق ١/ ١٤٦ حيث ينسبهما إلى ابن حزم، ١٤٩ وإلى الشيخ المفيد وغيره]، ولكن أدعياء الصوفية المنحرفين، الذين ابتلي بهم أهل الحق والدين، قد أيدوا تلك الفكرة العدمية الباطلة، بالعديد من التأويلات والشروح الفاسدة، لبعض القيم الصوفية والدينية، فتصدى لهم السراج -رحمه الله- كدأب العلماء الربانيين في كل جيل وقبيل، دافعين الشبهات التي أقاموها، أو عرضت لمسمعهم، فانتهى بهم إلى التحلل من الأحكام الشرعية.

فمن ذلك قوله في: (باب من غلط في الأصول، وأداه ذلك إلى الضلالة ونبتدئ بذكر القوم الذين غلطوا في الحرية والعبودية): "تكلم قوم من المتقدمين في معنى الحرية والعبودية، على معنى أن العبد لا ينبغي له أن يكون في الأحوال والمقامات التي بينه وبين الله تعالى كالأحرار، لأن من عادة الأحرار طلب الأجرة، وانتظار العوض على ما يعملون من الأعمال، وليس عادة العبيد كذلك، لأن العبد لا ينتظر من مولاه أجره، وقد صنف شيخ من المشايخ كتابًا في مقامات الأحرار والعبيد، في هذا المعنى". [السراج: اللمع ٥٣١].

 هذا هو أصل فكرة الحرية والعبودية، التي تتعمق - خاصة عند الحكيم الترمذي و"التستري" "إلى العبودية"، التي هي قمة الإخبات والتسليم، والتي هي في الوقت نفسه قمة التحرر من علائق الدنيا وتزيين الهوى والشيطان، حيث قال: {إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٌ} [الحجر: ٤٢]، "فظنت الفرقة الضالة أن اسم الحرية أتم من اسم العبودية، للمتعارف بين الخلق أن الأحرار أعلى مرتبة، وأسنى درجة، في أحوال الدنيا من العبيد، فقاست على ذلك فضلت، وتوهمت أن العبد ما دام بينه وبين الله تعالى تعبد، فهو مسمى باسم العبودية، فإذا وصل إلى الله فقد صار حرًّا، وإذا صار حرًّا سقطت عنه العبودية". [السابق].

ومعنى ذلك أنه غير مطالب بالطاعة أو العبادة، وضروب التكليف على وجه العموم، ومن ثم يردّ عليهم السراج: "إنما ضلت هذه الفرقة: لقلة فهمها وعلمها، وتضييعها أصول الدين، خفيت على هذه الفرقة الضالة أن العبد لا يكون في الحقيقة عبدًا حتى يكون قلبه حرًّا من جميع ما سوى الله عز وجل، فعند ذلك يكون في الحقيقة عبد الله، وما سمى الله تعالى المؤمنين باسم أحسن من اسم العبد، إذ يقول: {وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ} [الفرقان: ٦٣].. لأنه اسم سمى به ملائكته، فقال: {عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ} [الأنبياء: ٢٦] ثم سمى به أنبياءه ورسله: {وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ} [ص: ١٧] فقال لحبيبه وصفيه: {وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِين} [الحجر: ٩٩]، فكان صلى الله عليه وسلم يصلي حتى تورمت قداماه فقيل له يا رسول: أليس الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا...» فلو كان بين خلق الله تعالى درجة أعلى من درجة العبودية لم يفت ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله جل وعلا، كان يعطيه ذلك، وبالله التوفيق". [السابق: ٥٣١ - ٥٣٢].

وقد أساءت جماعة أخرى فهم فكرة (الإخلاص) كما أساء السابقون فهم الحرية والعبودية، فاتخذوها مثلهم ذريعة للتحلل من التكليف والواجبات الدينية؛ عن طريق المخالفة لكل ما يجري عليه الجمهور، ولو كان حقًّا هربًا من الرياء كما توهموا، طلبًا للإخلاص كما زعموا، وهي الفكرة التي انحرف إليها بعض الملامتية وغيرهم، ويبدو أن السراج في رحلته إلى العراق كابد بعضًا منهم؛ ولذلك يقول: وزعمت الفرقة الضالة من أهل العراق وغيره: أن الإخلاص لا يصح للعبد، حتى يخرج عن رؤية الخلق، ولا يوافقهم في جميع ما يريد أن يعمله، كان ذلك حقًّا أو باطلًا. [السابق: ٥٣٣].

ثم بين سبب ضلالهم: "إنما ضلت هذه الفرقة لأن جماعة من أهل الفهم والمعرفة تكلموا في حقيقة الإخلاص، ألا يصفو لهم ذلك حتى لا يبقى على العبد بقية من رؤية الخلق والكون وكل شيء غير الله تعالى فظنت هذه الفرقة وطمعت أن ذلك يصح لهم بالدعوى والتقليد والتكلف، قبل سلوك مناهجه، والتأدب بآدابها، فآداهم الدعوى والطمع الكاذب إلى قلة المبالاة، وترك الأدب، ومجاوزة الحدود". [السابق: ٥٣٣]، وهكذا ينتهي بهم الوهم والضلال إلى ترك الواجبات ومجاوزة حدود الشرع كالسابقين من أصحاب الحرية المغلوطة، فيرد عليهم الشيخ قائلًا: وقد خفيت عليهم - لشقاوتهم - أن العبد المطلوب بدرجة الإخلاص هو العبد المهذب، الذي هجَر السيئات، وجرد الطاعات، وعمل في الإرادات، ونازل الأحوال والمقامات، حتى آداه ذلك إلى صفاء الإخلاص.

فأما من هو أسير هواه، ورهين نفسه وشيطانه، وهو في: {ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ إِذَآ أَخۡرَجَ يَدَهُۥ} [النور:٤٠] فهو محجوب عن حال أهل البدايات، فكيف يصل إلى ما بعد ذلك؟ فهؤلاء كلهم في ضلال وخسران، وفي طغيانهم يعمهون، أعاذنا الله وإياكم. [السابق: ٥٣٣ - ٥٣٤].

ويبدو أن نزعة التحلل من الأحكام الشرعية، بين متصوفة عصر السراج، قد تعللت فيما تعللت به ببعض الأفكار المستمدة من علم أصول الفقه، أعني فكرة الحظر والإباحة، وأيهما الأصل في الأشياء؟ فلذا يتصدى لهم الشيخ قائلًا: "فزعم المشيخة الضالة في الحظر والإباحة، أن الأشياء في الأصل مباحة، وإنما وقع الحظر للتعدي، فإذا لم يقع التعدي تكون الأشياء على أصلها من الإباحة... فأدى بهم ذلك بجهلهم، إلى أن طمعت نفوسهم بأن المحظور، الممنوع من المسلمين، مباح لهم، إذا لم يتعدوا في تناوله، وقد غلطوا في ذلك بدقيقة خفيت عليهم، من جهلهم بالأصول وقلة حظهم من علم الشريعة، ومتابعتهم لشهوات النفوس في ذلك، لأنهم سمعوا بمكارم الأخلاق، وحسن عشرة ومؤاخاة كانت بين جماعة من المشايخ المتقدمين، فجرى بينهم حالات من الرفع للحشمة والبسط بعضهم مع بعض، حتى كان أحدهم يمر إلى دار أخيه، ويمد يده فيأكل من طعامه ويأخذ من كسبه حاجته.. فظنت هذه الطائفة الضالة بالإباحة أن ذلك كان منهم على حال جاز لهم ترك الحدود، أو أن يجاوز واحد ليتابع الأمر والنهي، فوقعوا - من جهلهم - في التيه، وتاهوا، وطلبوا ما مالت إليه نفوسهم؛ من اتباع الشهوات، وتناول المحظورات تأويلًا وحيلًا، وكَذِبًا وتمويهًا". [اللمع: ٥٣٨ - ٥٣٩]، ثم يرد عليهم - بعد أن بيّن السببين الفكري والنفسي في ضلالتهم - بحجة جدلية أولًا: "والذي زعم أن الأشياء في الأصل مباحة، فهو قال: إن الأشياء في الأصل محظورة، وإنما وقعت إباحتها بالأمر والنهي، في التوسعة والرخص، حتى لا يقع في الغلط". [السابق: ٥٣٩].

وبالحجة الحاسمة ثانيًا: "مع أن الحلال ما حلله الله تعالى والحرام ما حرمه الله تعالى وليس أحد من المؤمنين مستعبدًا باستعمال الشرائع المتقدمة، ولا باستعمال ما كان عليه الأوائل، بل المؤمنون مستعبدون بالائتمار بما أمرهم الله تعالى به والانتهاء عما نهاهم الله عنه، واجتناب ما اشتبه عليهم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحَلَالُ بَينٌ، والحَرَامُ بَين، وَبَيْنَهُمَا أُمورٌ مُشتَبهَات، وَحَرَامُ اللهِ حِمَى، فَمَنْ وَقَعَ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ». [السابق: والحديث مختصر عما رواه الشيخان وأصحاب السنن عن النعمان بن بشير رضى الله عنه].

ثم يضيف ثالثًا: "وليس قول من زعم أن الأشياء في الأصل على الإباحة بأولى من قول من يقول: إن الأشياء في الأصل محظورة، وإن استملك لا يباح ذلك لأحد إلا بحجة، وليس هذا من قياس النجاسة والطهارة، لأن الأشياء عند الفقهاء وجماعة من أهل العلم في الأصل طاهرة حتى يقوم الدليل على نجاستها، والفرق بين هذا وبين ذاك أن النجاسات والطهارات تدخل في العبادات، والحظر والإباحة تقع على الأملاك، وما وقع عليه الملك لا يُبيح ذلك لأحد إلا بدليل وحجة". [اللمع: ٥٤٠]، وهذه الحجة الأخيرة ليست تكرارًا للأولى التي وصفناها بأنها جدلية، أي أن المقصود منها إضعاف موقف الخصم لا إبطال دعواه؛ لأن الأخيرة تبين أنه يقبل التمسك بقاعدة الحظر والإباحة في الأجسام، لأن خلاف الفقهاء فيها إنما هو من حيث كونها أجسامًا طاهرة أو نجسة، أما من حيث كونها أشياء تتملك ويتصرف فيها فالأرجح أنها على الحظر، لأن ما يملك لا يباح التصرف فيه من غير مالكه إلا بحجة، ولذا احتيج في الأمور العامة المشتركة إلى الدليل الخاص: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثةٍ في الكَلأ وَالمَاءِ وَالنَّارِ»، ويبدو لي أن السراج كان يرد هنا على نزعة تسربت إلى التصوف، من دعاة القرامطة وأتباعهم، الذين قاموا بثورتهم على أسس مشابهة لهذه الدعاوى، وكلامه عن الملكية يشير إلى ذلك والله أعلم.

الغلط في فهم فكرة عين الجمع

وقد حاول أهل الإباحة، أو دعاة التحلل من الأحكام الشرعية، استغلال فكرة عين الجمع [قال القشيري في الرسالة ص ١٤٤ - ١٤٥: الفرق ما نسب إليك والجمع ما سلب عنك... فإثبات الخلق من باب التفرقة، وإثبات الحق من نعت الجمع.... ص ١٤٦، وجمع الجمع فوق هذا.. الاستهلاك بالكلية وفناء الإحساس بما سوى الله]، أو أساءوا فهمها في الأقل، وعن هؤلاء يقول الشيخ: "وجماعة غلطوا في عين الجمع: فلم يضيفوا إلى الخلق ما أضاف الله إليهم، ولم يصفوا أنفسهم بالحركة فيما تحركوا فيه، وظنوا ذلك منهم احترازًا (أي من إثبات السوى) حتى لا يكون مع الله شيء سوى الله عز وجل فإن هذا كلّه خروج من الملة، وترك حدود الشريعة، لقولهم: إنهم مجبرون على حركاتهم، حتى أسقطوا اللائمة عن أنفسهم عند مجاوزة الحدود أو مخالفة الاتباع، ومنهم من أخرجهم ذلك إلى الجسارة على التعدي والبطالة، وطمَّعته نفسه على أنه معذور فيما هو عليه مجبور. [اللمع: ٥٤٩].

ثم يتصدى للرد عليهم وبيان الثغرة التي أتوا منها، حتى انتهوا إلى مقالة هي ليست باطلة فحسب، لمخالفتها لواقع الذي يجده كل إنسان سوى من نفسه، بل هي منطوية على سوء الأدب؛ إذ يحمل هؤلاء المخذولين أخطاءهم على ربهم ليبرئوا أنفسهم، فيقول: "وإنما غلط هؤلاء لقلة معرفتهم بالأصول والفروع (أي الأصل الذي منه كل شيء خلقًا، وهو الله، والفرع الذي يكون به الفعل كسبًا، وهو المخلوق)، فلم يفرقوا بين الأصل والفرع، ولم يعرفوا الجمع والتفرقة، فأضافوا إلى الأصل ما هو مضاف إلى الفرع، وأضافوا إلى الجمع ما هو مضاف إلى التفرقة.

وقد سئل سهل بن عبد الله: ما تقول في رجل يقول: أنا مثل الباب لا أتحرك إلا أن يحركني؟ فقال سهل: لا يقوله إلا أحد رجلين، إما رجل صدِّيق، أو زنديق، والمعنى فيما قاله سهل - رحمه الله: الصديق يرى قوام الأشياء بالله، ويرى كل شيء من الله تعالى مع معرفة ما يحتاج إليه من الأصول والفروع، والحقوق والحظوظ، ومتابعة الأمر والنهي وحسن الطاعات، والقيام بشرط الأدب، وسلوك المنهج على حد الاستقامة، وأما معنى قول الزنديق بهذه المقالة فإنما يقول ذلك حتى لا يزجره شيء عن ركوب المعاصي، إنه أداه جهله إلى الجسارة والاعتداء؛ بإضافة أفعاله وجميع حركاته إلى الله تعالى حتى أزال اللائمة عن نفسه في ركوب المآثم بغواية الشيطان وتسويله وتأويله الباطل، أعاذنا الله وإياكم من ذلك". [السابق: ٥٤٩ - ٥٥٠].

وهذه الجماعة التي يرد عليها السراج قد بقيت على هذا الفهم المغلوط حتى جاء الهجويري الذي قال في الكشف عند الكلام على الجمع والتفرقة، التي هي محور أقوال الطائفة الصوفية: "ويبقى هنا الاختلاف الذي بيننا وبين الجماعة التي تقول: إن إظهار الجمع هو نفي للتفرقة، لأنهما متضادان، إذ إنه إذا استولى سلطان الهداية سقطت ولاية الكسب والمجاهدة، وهذا تعطيل محض؛ لأنه طالما كان إمكان المعاملة وقدرة الكسب والمجاهدة، فإن ذلك لا يسقط عن العبد مطلقًا؛ لأن الجمع غير منفصل عن التفرقة؛ كالنور من الشمس، والعرض من الجوهر، والصفة من الموصوف، فلا فصل المجاهدة عن الهداية، ولا الشريعة عن الحقيقة، ولا الإدراك عن الطلب.

ولكن يمكن أن تكون المجاهدة مقدمة أو تكون مؤخرة، فمن تكن المجاهدة مقدمة له، يكن المشقة عليه أكثر، لأنه يكون في الغيبة، ومن تكن المجاهدة مؤخرة له لا يكن عليه مشقة ولا كلفة، لأنه يكون في الحضرة، ومن يبد له نفي مشرب الأعمال، نفيًا لعين العمل، يكن على خطأ عظيم. [الهجويري: كشف المحجوب ٢/ ٤٩٧].

ولا تزال فكرة الإباحة وإبطال الشرائع من سمات التصوف المنحرف الدخيل، ومن ترويجات أعداء كل دين وكل طريق، كما يقول أحد الصوفية المعاصرين: زعموا أن هناك حقيقة تتوافق مع الشريعة، وباطنًا يخالف الظاهر، فإذا عرفت حقيقتهم التي يَدْعُون الناس إليها، وجدتها الكفر في أسفل دركاته من استباحة للمحرمات، وخلط بين الخالق والمخلوق، مما يؤول إلى أن الخالق هو مادة الكون، وهي لون من ألوان الوثنية المادية.. وما من صوفي إلا وهو يبرأ منهم، ولا يرى فيهم إلا ألد أعداء الخلق للصوفية عداوة، ولسائر المسلمين، فمن عدهم من الصوفية فقد أخطأ خطأً مبينًا. [الحافظ التيجاني: أهل الحق ٧٤].

القول بالحلول

هذه هي الفكرة الثانية التي عابها السراج وانتقدها بشدة على بعض المنتسبين إلى التصوف المعروفين "بالحلولية"، وهي القول بحلول معاني الربوبية وصفات الألوهية في الأجسام البشرية، ولكنه ينبه في مطلع الكتاب، الذي خصصه لمناقشتهم، أنه يعتمد في تحقيقاته على ما بلغه من أخبارهم: "فلم أعرف أحدًا منهم، ولم يصح عندي شيء غير البلاغ". [السراج، اللمع: ٥٤١].

ولذا يبدأ بقوله: بلغني أن جماعة من الحلولية زعموا أن الحق - تعالى ذكره - اصطفى أجسامًا حل بها بمعاني الربوبية، وأزال عنها معاني البشرية، فإن صح عن أحد أنه قال هذه المقالة، وظن أن التوحيد أبدَى له صفحته، بما أشار إليه، فقد غلط في ذلك، وذهب عليه أن الشيء "الحال" في الشيء مجانس للشيء الذي حل فيه، والله تعالى بائن من الأشياء، والأشياء بائنة منه بصفاتها، والذي أظهر في الأشياء فذلك آثار صنعته ودليل ربوبيته، وإنما ضلت الحلولية - إن صحت عنهم هذه الأقوال - لأنهم لم يميزوا بين القدرة التي هي صفة القادر، وبين الشواهد التي تدل على قدرة القادر وصنعة الصانع. فتاهت عند ذلك.. فمن صح عنه شيء من هذه المقالات، فهو ضال بإجماع الأمة، كافر يلزمه الكفر فيما أشار إليه.

والأجسام التي اصطفاها الله سبحانه وتعالى أجسام أوليائه وأصفيائه، اصطفاها بطاعته وخدمته، وزينها بهدايته.. والله سبحانه وتعالى موصوف بما وصف به نفسه: {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِير} [الشورى: ١١]، والذي غلط في الحلول غلط لأنه لم يحسن أن يميز بين أوصاف الحق وبين أوصاف الخلق؛ لأن الله تعالى لا يحل في القلوب، وإنما يحل في القلوب الإيمان به والتصديق.. وهذه أوصاف مصنوعاته، من جهة صنع الله بهم، لا هو بذاته أو صفاته يحل بهم، ولا هو بذاته أو صفاته يحل فيهم، تعالى الله - عز وجل - علوًّا كبيرًا. [السابق: ٥٤١-٥٤٢].

وهكذا يتبرأ السراج من القائلين بالحلول، لكن تحفظه المكرر (فإن صح عن أحدٍ أنه قال هذه المقالة) يشير بأنه لا يَعُد أقوال الحلاج صريحة في ذلك، ومن المعلوم أن البعض يدافعون عن الحلاج ويقولون: "إنه قصد رفع الأنية لا الاثنينية". [انظر: الشيبي، الصلة: ۷۸].

الغلط في تفضيل الولاية على النبوة

يبدو أن السراج قد كابد محنة هؤلاء المفتونين، من المنتسبين إلى الصوفية، الذين ضلوا في هذا القضية، حيث لم يتحفظ كما فعل مع الحلولية، قال: "ثم ضلت فرقة أخرى في تفضيل الولاية على النبوة، ووقع غلطهم في قصة موسى والخضر عليهما السلام، حيث يقول له الخضر: {إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا} [الكهف:٦٧] فيقول له موسى: {لَا تُؤَاخِذۡنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِي مِنۡ أَمۡرِي عُسۡرٗا} [الكهف: ٧٣] إلى آخر القصة، فظنت هذه الطائفة الضالة أن ذلك نقص في نبوة موسى - عليه السلام - وزيادة في الخضر - عليه السلام - على موسى في الفضيلة، فأداهم ذلك إلى أن فضلوا الأولياء على الأنبياء عليهم السلام، وقد ذهب عنهم أن الله - عز وجل - يخص من يشاء بما يشاء كيف شاء، كما خص آدم - عليه السلام - بسجود الملائكة له، وخص نوحًا - عليه السلام - بالسفينة، وخص نبينا بانشقاق القمر ونبع الماء بين أصابعه.

فأما غير الأنبياء - عليهم السلام - فقد ذكر الله تعالى مريم: حيث يقول: {وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَة} [مريم: ٢٥]، ولم تكن مريم نبية، ولم يكن ذلك لغيرها من الأنبياء، ولا يجوز للقائل إن يقول إنها تزيد بالفضل على الأنبياء، ومثال ذلك كثير.. وكل ولي من الأولياء ينال ما ينال من الكرامة بحسن اتباعه لنبيه صلى الله عليه وسلم فكيف يجوز أن يفضل التابع على المتبوع، والمقتدي على المقتدى به، وإنما يُعطى الأولياء رشاشة مما يُعطى الأنبياء - عليهم السلام.

والذين قالوا: إن الأنبياء - عليهم السلام - يوحى إليهم بواسطة والأولياء يتلقفون من الله بلا واسطة، فيقال لهم: غلطتم في ذلك؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - هذا حالهم على الدوام؛ يعني الإلهام والمناجاة، والتلقف من الله - عز وجل - بلا واسطة، والأولياء وقتًا دون وقت، وللأنبياء عليهم السلام: الرسالة، والنبوة، ووحي بنزول جبريل عليه السلام، وليس للأولياء ذلك، ولو بدت ذرة على الخضر - عليه السلام - من أنوار موسى عليه السلام، وتخصيصه بالكلام، لامتحق الخضر عليه السلام، فافهم ذلك إن شاء الله - والولاية والصديقية منورة بأنوار النبوة، فلا تلحق النبوة أبدًا، فكيف تفضل عليها". [السراج: اللمع ٥٣٥ ٥٣٧].

وهكذا يرد السراج الشبهة التي ضلت فيها هذه الفرقة: وهي مسألة فهمها خطأً من تفضيل الخضر على موسى - عليهما السلام - لاختصاص الأول ببعض الخصائص التي ليست للثاني.

 أما عن زعمهم أن الأولياء يتلقفون عن الله مباشرة، والأنبياء يأخذون عنه تعالى بواسطة الوحي، فقد سلَّم في الأولى بالاختصاص، ونفى ما فُهم منه فَهمًا فاسدًا من التفضيل، وضرب الأمثلة لذلك، أما هذا فلا اختصاص للأولياء بالإلهام، فإن الأنبياء - عليهم السلام - يشاركونهم فيه، ويزيدون عليهم بالوحي، وهو مرتبة أعلى من الإلهام، فالأفضلية للأنبياء ظاهرة، وغلط هؤلاء فيما فهموه من هذه الشبهة أيضًا.

لكن هناك تهمة مشابهة وجهت إلى آخرين من الصوفية بعد عصر السراج - بناءً على أن الولاية أفضل من النبوة، ولكن ينسى أصحاب الاتهام أن من قال ذلك يرى اجتماع الأمرين في النبي، فكل نبي هو ولي في الوقت نفسه، لكن العكس ليس بصحيح، فلا يكون كل ولي نبيًّا، وإذن فلا تفضيل للولي على النبي، غاية الأمر أنهم يقولون: إن جانب الولاية من شخصية النبي يعبر عن صلته بمولاه، أما النبوة فصلته بالخلق، والنبوة لا تكون قبل الأربعين، وتنتهي عند البعض بالموت، والولاية دائمة، وقد وجهت هذه التهمة أيضًا إلى الشيعة، ولكنها تصدق بالنسبة للإسماعيلية، أو البعض منهم، أما الاثنا عشرية والزيدية فيصرحون بعكسها.

ادعاء الرؤية في الدنيا

 كانت هذه الدعوى إحدى المسائل التي ناقشها السراج، ورد على أصحابها دعواهم، وبين سبب فتنتهم، ولكنه يصرح بأنه لم يرَ أحدًا منهم، وإن كان قد بلغه: "عن جماعة من أهل الشام شأنهم يدعون الرؤية بقلوبهم في دار الدنيا كالرؤية بالعيان في دار الآخرة"، ثم يقول إنه رأى كتابًا لأبي سعيد الخراز إلى أهل دمشق، يقول فيه: "بلغني أن بناحيتكم جماعة قالوا كذا وكذا وكذا، قولًا قريبًا من هذا القول".

 والذي قال أهل الحق والإصابة في هذا المعنى، إنما أشاروا إلى التصديق والمشاهدة بالإيمان وحقيقة اليقين، والذي توسوس في هذا المعنى قوم من أصحاب الصبيحة من أهل البصرة كما بلغني -وقد رأيت جماعة منهم؛ وذلك أنهم حملوا على أنفسهم في المجاهدة والسهر وترك الطعام والشراب والانفراد والخلوة وكثرة التوكل، وصحبهم الإعجاب مع ذلك بما هم فيه، فاصطادهم إبليس - لعنه الله - فخيل إليهم أنه على عرش أو سرير، وله أنوار تتشعشع، فمنهم من ألقى إلى بعض الأستاذين الذين يعرفون مكايد العدو، فعَرَّفُوهم ذلك ودلوهم، وردوهم إلى الاستقامة... ومن لم يقع إلى الأستاذين، فيدفع ذلك، ويتكلم بالهوس وينسلخ عن دينه بالظنون الكاذبة إلى آخر عمره.

وينبغي أن يعلم العبد: أن كل شيء رأته العيون في دار الدنيا هو نور وأن ذلك مخلوق، ليس بينه وبين الله تعالى شبه، وليس ذلك صفة من صفاته؛ بل جميع ذلك خلق مخلوق، ورؤية القلوب بمشاهد الإيمان وحقيقة اليقين والتصديق حق، لقول النبي: «اعْبُد اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فإنْ لَمْ تكُنْ تَرَاهُ فإنَّهُ يَرَاكَ» [ورد بهذا اللفظ في الحكم عن زيد بن أرقم، وورد بمعناه عن معاذ عن الطبراني والبيهقي، وحديث نزول جبريل مشهور ومتفق عليه عن عمر وأبي هريرة (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، ورواه أحمد عن ابن عباس والبزار عن أنس]، والذين قال من التابعين: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا، أشار إلى حقيقة يقينه وصفاء وقته، وتكلم بذلك من غَلَبَاتِ وجده، وليس الخبر كالمعاينة في جميع المعاني في الدنيا والآخرة.

 وقد قيل في قول الله تعالى: {مَا كَذَبَ ٱلۡفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ} [النجم: ١١]، يعني لم تُكَذِّبْ عينه ما رآه بقلبه، ولم يُكَذِّبْ فؤاده ما رآه بعينه، وهذا خصوصٌ للنبي صلى الله عليه وسلم ليس لأحد غيره. [السراج: ٥٤٤ - ٥٤٦]، وقد اشتد الطوسي في مناقشة هؤلاء لخطورة ما تعرضوا له بسبب إهمال الرجوع إلى المشايخ، ومن ثم تتبين خطورة السير في طريق الرياضة الروحية بلا شيخ مرشد، ومدى الخطر الذي يتعرض له من جازف بذلك، نسأل الله العافية.

 كما يتبين أيضًا حرص السراج - كأمثاله من الشيوخ الفقهاء الصادقين الربانيين - على عقيدة أهل السنة والجماعة، والتنزيه الخالص لله - عز وجل - ومقاومة أي مساس بالعقيدة الصافية، وقد عقد الطوسي بابًا آخر فيمن غلط في الأنوار، ذكر فيه طائفة زعمت أنها ترى أنوارًا، وبعضهم يصف قلبه بأن فيه أنوارًا، ويظن أن ذلك من الأنوار التي وصف الله بها نفسه... وتزعم أن ذلك من أنوار المعرفة والتوحيد والعظمة، وتزعم أنها ليست بمخلوقة. [السابق: ٥٤٨].  

ثم رد عليهم بأن "الأنوار كلها مخلوقة: نور العرش، ونور الكرسي، ونور الشمس والقمر والكواكب، وليس لله نور موصوف محدود، والذي وصف الله تعالى به نفسه فليس ذلك بمدرك ولا محدود، ولا يحيط به علم الخلق، وكل نور تحيط به العلوم والفنون فهو مخلوق" [السابق]، فجزاه الله عن النصيحة للدين والتوحيد خير الجزاء.

إغفال الفرق بين القديم والمحدث

وبالرغم من اهتمام الصوفية الحقيقيين بتأكيد إمكانية القرب والوصول والفناء والمعرفة، والعودة عن طريق الحب إلى الأصل الأول، فإنهم لم ينسوا تعريف سيد الطائفة الجنيد - رحمه الله - للتوحيد بأنه: "إثبات الفرق بين القديم والمحدث".

ولكن يبدو أن طوائف من المتصوفة أو المستصوفة: الذين يتمسحون بالتصوف دون وعي بحقيقته، قد اختلطت عليهم هذه الحقيقة، فضلوا وتاهوا، لجهلهم بأصول الدين وحقيقة التصوف في وقت معًا، ويبدو أن مسارب الغلط والضلال في هذا الأصل الأصيل تمثلت أيام السراج في أمور ثلاثة:

أ- الغلط في فناء البشرية: إذ سمع البعض كلام المتحققين في الفناء فظنوا أنه فناء البشرية، وتوهم أن البشرية هي القالب، وأن الجثة إذا ضعفت زالت بشريتها، فيجوز أن يكون موصوفًا بصفات الإلهية. [السراج: اللمع ٥٤٣].

ثم يرد عليهم بقوله: "لم تحسن هذه الفرقة الجاهلة الضالة أن تفرق بين البشرية وبين أخلاق البشرية، لأن البشرية لا تزول عن البشر، وأخلاق البشرية تبدل وتغير بما يرد عليها من سلطان أنوار الحقائق، وصفات البشرية ليست هي عين البشرية". [السابق: ٥٥٣].

 وهكذا يحدد السراج حقيقة الفناء عند القوم، ويقرر في سياق ذلك ناحية هامة تتعلق بالحياة النفسية التي لا تتوقف عن التدفق والتلوين كما يعبر الصوفية، مهما بلغ العارف من مراتب الصقل والتمكين، والذي يتوهم أنه ذهاب النفس، وزوال التلوين عن العبد وقتًا دون وقت، هو زوال البشرية؛ فقد غلطوا... لأن التغيير والتلوين من صفة البشرية، فإذا زال عنها التغيير والتلوين فقد تغير الآن عن صفته، وتلون عن معناها. [السابق].

ب- وناحية ثانية تدل على رسوخ قدم السراج في المجالين الروحي والنفسي أيضًا، في مواجهة من زعموا أنهم بالرياضة الروحية يفقدون تمامًا الإحساس المادي أو الإدراك الحسي: "وزعمت طائفة من أهل العراق أنهم يفقدون حسهم عند المواجيد، حتى لا يحسوا بشيء.. وقد غلطوا في ذلك؛ لأن فقد الحس لا يعلمه صاحبه إلا بالحس، ولأن الحس صفة البشرية.. الحس لا يزول ولا يفقد عن البشر الحي، ولكن ربما يغيب العبد عن حسه بحسه عند المواجيد الحادثة عن الأذكار القوية.. وما دام في العبد روح وهو حي، لا يزول عنه الحس، لأن الحس مقرون بالحياة والروح. [السابق: ٥٥٣].

 ج_ أما الناحية الأخرى التي تسرب بها الضلال في مسألة الوحدانية إلى بعض المترسمين بالتصوف، فهي مسألة "الروح" التي يختم بها السراج نقده لمن غلط منهم في الأصول، فتوهموها جزءًا من الذات الإلهية، أو أنها غير مخلوقة، أو أنها باقية بذاتها لا تبلى، وتتناسخ من جسم إلى جسم، إلى غير ذلك من التخليطات التي لا تتفق مع حنيفية الإسلام، وتفرقته الحاسمة بين الخالق والمخلوق، مع القرب والولاية والمحبة، يقول: ثم جماعة غلطوا في الأرواح، وهم طبقات شتى..:

١- فقوم قالوا: الأرواح نور من نور الله، فتوهموا أنه نور ذاته.

٢- وقوم قالوا: حياة من حياة الله.

٣- وقوم قالوا: الأرواح مخلوقة، وروح القدس من ذات الله - تعالى.

٤- وقوم قالوا: أرواح العامة مخلوقة، وأرواح الخاصة ليست بمخلوقة.

٥- وقوم قالوا: الأرواح قديمة، إنها لا تموت ولا تعذب ولا تبلى.

٦- وقوم قالوا: الأرواح تتناسخ من جسم إلى جسم.

٧- وقوم قالوا: للكافر روح واحدة، وللمؤمن ثلاثة أرواح، وللأنبياء والصديقين خمسة أرواح.

٨- وقوم قالوا: الروح خلق من النور.

٩- وقوم قالوا: الروح روحانية خلقت من الملكوت، فإذا صفت رجعت إلى الملكوت.

١٠- وقوم قالوا: الروح روحان؛ روح لاهوتية، وروح ناسوتية.

"وهؤلاء كلهم قد غلطوا، وضلوا ضلالًا مبينًا والذي عليه أهل الحق.. أن الأرواح كلها مخلوقة، وهي أمر من أمر الله تعالى ليس بينها وبين الله تعالى سبب ولا نسبة، غير أنها من ملكه وطوعه، وفي قبضته.."، ومن هذا النقد بنوعيه يتبين لنا وجوب اليقظة لما قد يحدث من تسرب للأفكار الخاطئة إلى بعض المنتمين إلى التصوف غيرة على الدين، ونصيحة للإسلام والمسلمين، وأن علماء الصوفية، من أمثال السراج لم يألوا جهدًا في هذا السبيل.

وأن التصوف، وإن كان نبتًا إسلاميًّا وظاهرة سنية في الأصل، لم يلبث أن تأثّر -كغيره- بالعوامل الفكرية والاجتماعية المختلفة، سواء من داخل الجماعة الإسلامية أو من المؤثرات الخارجية، الأمر الذي يؤكد الحاجة إلى النقد المستمر والتناصح الجاد. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

الخلاصة

التصوف هو مسلك تعليمي عميق، لكن بعض المنتسبين إليه غفلوا عن أهمية الاعتدال بين الشريعة والحقيقة، هذا الأمر قد أدى بهم إلى الانحراف عن المسار الصحيح، وجعلهم يفرطون في الفروع والأصول، مما أوقع بعض المنتسبين في الضلال أو الزندقة، كما ظهرت بعض التصورات والتفسيرات المنحرفة، مثل فكرة الحلول أو إسقاط الواجبات، لكن هناك من أصحاب المسلك الصحيح الذين قاموا برفض هذه الآراء ومحاربتها، داعين إلى التمسك بالصوفية السنية التي تستند إلى الكتاب والسنة، باعتبارها الطريق لبناء إنسان مسلم متوازن.

موضوعات ذات صلة

تُعد مفاهيم الشريعةوالحقيقة والطريقة من الأركان الأساسية في الفكر الصوفي؛ ويرى السادة الصوفية أن هذه المفاهيم متلازمة ومترابطة.

تعددت تعريفات التصوف بين الصوفية، لتعكس الحالة الروحية الخاصة لكل صوفي.

التصوف الإسلامي هو ظاهرةٌ روحيةٌ إنسانيةٌ عامة، تعتمد على القلب وتستعصي على الفهم العقلاني.

موضوعات مختارة