ربما كان من
الخير أن نمثل لهذا النوع بنماذج من نقد الطوسي في كتابه "اللمع"
المذكور سابقًا، لمكانته التاريخية المشار إليها آنفًا، ولتقدير الصوفية له،
ومتابعة شيوخهم إياه في منهج التأليف، كالهجويري والسلمي والكلاباذي والقشيري
وأمثالهم، ولما يتميز به الرجل من الاعتدال وروح الإنصاف، برغم كونه صوفيًّا من
أبرز شيوخ المدرسة النيسابورية، كما كان من فقهائهم العارفين بأحكام الشرع في
الوقت نفسه، [السابق ٧-١٤] ولعل هذا التكوين هو سر ما تهيأ له من اعتدال وإنصاف في الدراسة
والنقد، وقد خصص الرجل "الكتاب الأخير" [يقصد بالكتاب القسم من أقسام اللمع، وهو يقسم كل كتاب إلى أبواب]، من اللمع لهذا الجانب النقدي في
دراسة التصوف، وهو يربو على مائة صحيفة، مشيرًا أنه قسمه إلى قسمين كبيرين:
أولهما: عن الشطح الذي روي عن بعض
الشيوخ، والتهم التي ألصقت بهم دون وجه حق، مع بيان حقيقة ذلك، كما يدل عنوانه: "تفسير
الشطحات والكلمات التي ظاهرها مستشنع وباطنها صحيح مستقيم" [انظر: اللمع ٤٥٣، وما بعدها على ٥١٥]، فهو فيه محامٍ مدافع يرد عن
القوم ويشرح مقاصدهم، وينقد خصومهم ويكشف عن دوافعهم.
أما القسم
الثاني الذي يختم به الكتاب: فيخصصه لذكر "من
غلط من المنتسبين إلى التصوف، ومن أين يقع الغلط، وسُبُل ذلك"، وهو هنا
ناقد مدقق نافذ البصر، يكشف ما وقع فيه بعض المنسوبين إلى التصوف، أو المترسمين
به، كما يُعبر، من أخطاء وأغلاط، مع بيان سبب وقوعهم فيها، ووجه الحق فيها كما
يراه.
ولعمري إنه لنقد موضوعي منصف مهذب العبارة، مراعٍ
لآداب الخلاف، حريص على هدي السنة والكتاب، دون ميل مع الهوى أو العصبية، يحسن
بالدارس المعاصر أن يعود إليه، وإن مضى على كتابته أكثر من ألف عام.
قسّم الطوسي
نقده إلى قسمين: ما يتعلق بالفروع، وما يتعلق
بالأصول.
والظاهر أنه يقصد بالأولى: بعض الأمور العلمية التي ترجع إلى السلوك، وبعض آداب الطريق التي
أخطأ فيها قوم دون خروج على أصول الدين وفقه العقيدة، ولذا يقول عنهم: (ذكر من غلط
في الفروع التي لم تؤدهم إلى الضلال...) [السابق ص ٥٢٠].
أما الثانية: فيعني بها الخطأ في المبادئ والمفاهيم، والمعتقدات والأفكار التي قد
تفضي إلى الخروج عن أصول العقيدة الصحيحة أو مقتضيات تلك الأصول، ولذا يقول عنهم: (ذكر
من غلط في الأصول، وأدى ذلك إلى الضلالة..). [السابق ص ٥٣١].
وقد زاد الشيخ الأمر وضوحًا بقوله عن طبقات
هؤلاء الغالطين: "فطبقة منهم غلطوا في الأصول من
قلة إحكامهم لأصول الشريعة، وضعف دعائمهم في الصدق والإخلاص، وقلة معرفتهم بذلك...
وطبقة ثانية منهم: غلطت في الفروع، وهي الآداب والأخلاق والمقامات
والأحوال، والأفعال والأقوال، فكان ذلك من قلة معرفتهم بالأصول، ومتابعتهم لحظوظ
النفس ومزاج الطبع، لأنهم لم يدنوا ممن يروضهم... ويوقفهم على المنهج الذي يؤديهم
إلى مطلوبهم..."، وهو يلحق بعد ذلك بهم طبقة ثالثة كان غلطهم -
فيما غلطوا فيه - زلة وهفوة، لا علة وجفوة، فإذا تبيّن ذلك عادوا إلى مكارم
الأخلاق، ومعالي الأمور، فسدوا الخلل ولموا الشعث، وأذعنوا للحق... وكل طبقة من
هذه الطبقات الثلاث على أحوال شتى من التفاوت، والإرادات، والمقاصد، والنيات. [السابق من ٥١٨].
لكن الطبقة
الثالثة: إما أن تدخل في المخالفات الفرعية
التي لا تؤدي إلى ضلالة، أو أن تهمَل تمامًا في باب الغلط والانحراف، لما أنهم لا
يلبثون أن يعودوا إلى الاستقامة ويذعنوا للحق كما قال، ولذا عاد في آخر كلامه عن
الطبقات إلى القول: "فمن غلط في الأصول فلا يسلم من الضلالة ولا يرجى لدائه
دواء، إلا أن يشاء الله ذلك، والغلط في الفروع أقل آفة، وإن كانت بعيدة عن الإصابة"
[السابق من ٥١٩].
إذن فالغالطون طبقتان، وأغلاطهم ترجع إلى نوعين:
نوع في الفروع، وآخر في الأصول، على النحو الذي سلف بيانه.
وقبل أن نورد
نماذج لأخطاء كلتا الطائفتين، يحسن أن نورد أسبابها في نظره، وهي ترجع كلها إلى
مخالفة الشريعة، والخروج على آداب الطريقة، يقول: "كل من ترسم برسوم هذه
العصابة، أو أشار إلى نفسه بأن له قدمًا في هذه الطريقة، وتوهم أنه متمسك ببعض
آداب هذه الطائفة (أي الصوفية)، ولم يحكم أساسه على ثلاثة أشياء فهو مخدوع، ولو
مشى في الهواء، ونطق بالحكمة، أو وقع له كلام عند الخاصة أو العامة، وهذه الثلاثة
الأشياء:
أولها: اجتناب جميع المحارم، كبيرها وصغيرها.
والثاني: أداء جميع الفرائض، يسيرها وعسيرها.
والثالث: ترك الدنيا على أهل الدنيا، قليلها وكثيرها، إلا ما لا بد للمؤمن
منها..
فكل من
ادعى حالًا من أحوال أهل الخصوص، أو توهم أنه سلك منزلًا من منازل أهل الصفوة ولم
يبنِ أساسه على هذه الثلاثة فإنه إلى الغلط أقرب منه إلى الإصابة في جميع ما يشير
إليه، أو يدعيه، أو يترسم برسمه" [السابق من ٥١٦-٥١٧].
ولكن إذا كان الفقر أشرف من الغنى فما حقيقة هذا
الفقر؟
يجيب الشيخ: "وغلطت طائفة أخرى في الفقر فتوهمت أن المراد من حال الفقر
العدم والفقر فقط، فانشغلت بذلك ولم تسمُ بهمتها إلى آداب الفقر، وخفي عليها أن
رؤية الفقر - في الفقر - حجاب... ورؤية الفقر والمساكنة إلى الفقر والإعجاب به علة
في الحال وحجاب في المكان" [السابق: ٥٢٢].
ومع هذا
التحليل الدقيق، فإن ما قاله ابن تيمية في هذا الباب أقرب إلى الاقناع: "تَنَازَعَ
الناسُ أيهما أفضل: الفقير الصابر أو الغني الشاكر؟
والصحيح أن
أفضلهما أتقاهما، فإن استويا في التقوى استويا في الدرجة، كما قد بيناه في غير هذا
الموضع، فإن الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنة لا حساب عليهم، ثم الأغنياء
يحاسبون: فمن كانت حسناته أرجح من حسنات فقير كانت درجته في الجنة أعلى منه، وإن
تأخر عنه في الدخول، ومن كانت حسناته دون حسناته كانت درجته دونه". [ابن تيمية الصوفية
والفقراء ٣٨].
وعلى كل، فإن السراج
الطوسي يمضي في بيان أغلاط هذه الفئة إزاء موقفهم من الدنيا بالتقلل منها أو
التوسع فيها، دون معيار شرعي روحي، ولعل انتقاده للفئتين المتوسعة والمتقللة يدنو
إلى التوازن والاعتدال اللذين ينزع إليهما كلام ابن تيمية الآنف الذكر، قال الشيخ:
"لا يصح الدخول في السعات إلا لنبي أو صديق...".
وبعد أن يذكر شروط التكسب وأهمها ألا يركن إلى
الكسب، وأن ينوي معاونة المسلمين، وألا يشغله التكسب عن أول أوقات الصلاة
المفروضة، وأن يتعلم الأحكام المتعلقة بكسبه - لكيلا يأكل الحرام - يعود فينبّه
على غلط قوم طعَنوا على المتكسبين وجلسوا معتمدين على حالهم، مستشرفين إلى من
يتفقدهم... وقد غلطوا في ذلك لأن الجلوس عن المكاسب ينبغي أن يكون من قوة اليقين
والصبر، فمن ضعف يقينه، وغلب عليه طبعه وطمعه يؤمر بالدخول في الطلب، والطلب مباح،
وترك الطلب بقوة الإيمان أتم وأفضل. [السابق: ص ٥٢٤]، والذي يؤخذ على كلامه الأخير - مع
دقته من الناحية النفسية - هو مقابلته بين التواكل واليقين من ناحية، والتكسب
والطلب من ناحية أخرى، كأنهما متنافيان، مع أن مباشرة أسباب الكسب لطلب الرزق لا
تنافي التوكل على الله واليقين بما عنده.
أما مسألة الغلو في المجاهدة والعبادة،
أول الأمر، والرجوع عنها إلى ما يشبه الكسل والتوقف على نحو يحول دون الوصول، فمرجعه
إلى عدم التزام أصل التربية والرياضة الروحية، واستشارة الشيوخ العارفين كما سبق أن بينه، قال: ثم إن طبقة من الصوفية غلطت في العبادات والمجاهدات، ورياضات النفس،
فلم تحكم في ذلك أساسها، ولم تضع الأمور في موضعها، فانهزمت ونكصت عن الكمال
والنهايات...". [السابق: ص ٥٢٣].
ويعود في نفس
الوقت لينبه على خطأ من تمسك دائمًا بالتقشف والتقلل دون فهم ويقظة: "وطائفة
أخرى تعلقوا بالتقشف والتقلل، واعتادوا الدون من اللباس، والقليل من القوت، وظنوا
أن كل من رفق بنفسه أو تناول شيئًا من المباحات، أو أكل شيئًا من الطيبات، أن ذلك
علة وسقوط من المنزلة، وكل حال غير الحال الذي هم عليه عندهم علة.
وقد غلطوا في
ذلك، لأن العلة كائنة في التقشف والتقلل، كما أن العلة كائنة في الترقق والترفه،
والتقلل والتقشف بالعادة والتكلف، معلول، إلا أن يكون العبد مرادًا بذلك وقتًا من
الأوقات، أو يكون تأديبًا له، أو رياضة لنفسه، فإذا شهد آفاتها، واستحسن ملاحظته
للخلق بذلك، ولم يعمل في الانقلاع عنها جهده، يكون هالكًا، ولا يرجى خيره أبدًا"
[السابق].
ثم ينتقل الشيخ
بعد ذلك إلى مسألة التكسب والتوكل، فيقول: "وطائفة أخرى من المتنسكين
تعلقوا بأخذ القوت من الكسب، وركنوا إلى أكسابهم... وقد غلطوا في ذلك، لأن الكسب
رخصة وإباحة لمن لم يطق حال التوكل، لأن التوكل حال الرسول صلى الله عليه وسلم
وكذلك الخلق كلهم مأمورون بالتوكل على الله، فمن ضعف عن ذلك، ولم يطق فقد سن له
رسول الله صلى الله عليه وسلم الكسب المباح... [السابق: ٥٢٤].
فلما خالفوا
السنة وتركوا التكسب وتكلفوا التوكل وليسوا من أهله، لم تصبر نفوسهم على تبعاته،
وعادت على أعقابها القهقرى، وذلك أنهم سمعوا باجتهادات المتقدمين، وما نشر الله
بذلك أعلامهم... فطمعت نفوسهم وتمنوا، فتكلّفوا شيئًا من ذلك، فلما طالت المدة ولم
يصلوا إلى مرادهم كسلوا، فلما لم يكونوا مرادين بذلك، لضعف دعائمهم وفساد قصدهم،
توهموا أن ذلك فتور. [السابق: ٥٢٥]، ولعلّه يشير بذلك إلى معنى ما روي: «ألَا إِنَّ لِكُلِّ عَامِلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ
شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي
فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِهَا فَقَدْ هَلَكَ»، فهو يفسر الفتور أو الفترة بقوله: "وقد غلطوا في ذلك، لأن
الفتور ما تتروح به قلوب المجتهدين وقتًا دون وقت، ثم تعود الحال، فأما ما وقع فيه
هؤلاء فهو الكسل والتواني والأماني الكاذبة"، ثم ينكر على من تعلقوا
بالسياحات ولقاء المشايخ والاستكثار من ذلك على غير وجهه، لأن القوم: "إنما
يسافرون حتى يشاهدوا من أنفسهم خلقًا مذمومًا، فيعملوا في تبديله.. ولقاء المشايخ
يحتاج إلى الأدب والحرمة والإرادة.. فمن ساح أو سافر، أو لقي شيخًا من المشايخ على
غير ما ذكرت، فهو في غلط عظيم". [السابق: ص٥].
وهذه الملاحظة
كسابقتها تدل على معرفة دقيقة وبصيرة نافذة بأحوال المريدين، ولعل شيوع أمثال هذه
الظاهرة مما يثقل مسار الحركة الصوفية في كل حين وخاصة في وقتنا هذا، ويختم هذا
الصنف من الغلط والانحراف بذكر قوم آخرين انبسطوا في المباحات، ولم يتكلفوا المراعاة
للأوقات، فقالوا: ما وجدنا أكلنا، ونمنا، فذلك وقتنا، وقد
غلطوا في ذلك لأن الوقت إذا فات لا يُدرَك، وليس الوقت ما يكون معمورًا بالأرفاق،
إنما الوقت ما يكون معمورًا بدوام الذكر ومربوطًا بالإخلاص والشكر... والنفس
والهوى والشيطان أعداء يطلبون فرصة الظفر بالعبد، فمن توهم أنه وصل إلى حال قد أمن
من ذلك فهو في غلط. [السابق: ٥٢٦]، وما أحوج سالكي طريق الحق أن يعرفوا
أن الغلو في المجاهدة دون منهج سليم ورعاية من شيخ عارف هو كالتبسط والتراخي
والاغترار والأمن، فكل أولئك يقطع عليهم الطريق، ويحول دون الوصول إلى المأمول.
أما الغلط
الناشئ من عدم إحكام الأصول الأربعة في مجال الرياضة، قلة الطعام والمنام والكلام
ومخالطة الأنام، فإن السراج الطوسي بدافع من خبرته
التربوية ينعي على جماعة من المريدين والمبتدئين، سمعوا علم مخالفة النفوس، فتركوا
عاداتهم من الطعام والشراب، ولم يستعملوا الأدب (أي أصول التربية) في ترك الطعام،
ولم يستبحثوا عن الأستاذين (أي يطلبوا من الشيوخ) آدابها... وقد غلطوا في ذلك لأن
المريد ينبغي أن يكون له مؤدب يوقفه على ما يحتاج من فسادها. [السابق: ٥٢٧]، ثم ينقل عن الشيوخ الخبراء برِياضات النفوس سُنة التدرج
والاعتدال في تقليل الطعام: سمعت ابن سالم يقول: "كانوا إذا أرادوا أن
يتقللوا ينقصون من طعامهم في كل جمعة مثل أذن السنور، وسمعته يقول: كان سهل بن عبد
الله - رحمه الله - يسأل أصحابه أن يأكلوا اللحم في كل جمعة مرة حتى لا يضعفوا عن العبادة. [السابق].
وعن العزلة وترك
المخالطة يقول: "وطائفة اعتزلت ودخلت الكهوف،
وظنوا أنهم بذلك يهربون من الخلق، وينامون في الجبال والفلوات (ليخلصهم ذلك) من شر
أنفسهم، أو يوصلهم الله تعالى بالانفراد، والخلوة إلى ما أوصل إليه أولياءه من
الأحوال الشريفة... وقد غلطوا في ذلك لأن الأئمة من المشايخ الذين قل مطعمهم ودامت
خلوتهم وانفرادهم، اختاروا العزلة، إنما حداهم على ذلك ودعاهم إليه داعي العلم
وقوة الحال، فورد على قلوبهم ما أذهلهم وشغلهم عن المعارف والأوطان.. وجذبهم
جذبة أغناهم بها عمن سواه، فمن لم يكن مَصْحُوبُهُ الحالُ وغلبة الوارد، ثم يتكلف
ويحمل على نفسه ما لا تطيقه، يظلم نفسه فيدخل على نفسه الضرر، ولا يدرك ما فاته
ويفوته ما معه". [السابق: ٥٢٨].
وهكذا تكون
العزلة أمرًا مفروضًا على الصوفي المتمكن لا على المريد المبتدئ كما نجده في سيرة الإمام
الغزالي مثلًا، إذ انطلق سائحًا مفارقًا للوطن كأنه مجبر مضطر، ثم عاد إليه
حين يسر الله ذلك في حال أقرب إلى الاختيار: "فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات
الدنيا ودواعي الآخرة قريبًا من ستة أشهر، أول شهر رجب سنة ثمان وثمانين
وأربعمائة، وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار، إذ أقفل الله عليَّ
لساني حتى اعتقل عن التدريس... ثم لما أحسست بعجزي وسقط بالكلية اختياري، التجأت
إلى الله - تعالى - التجاء المضطر الذي لا حيلة له، فأجابني الذي يجيب المضطر إذا
دعاه، وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأولاد والأصحاب وأظهرت
عزم الخروج إلى مكة، وأنا أدبر في نفسي سفر الشام.... ففارقت بغداد، وفرقت ما كان
معي من المال، ولم أدخر إلا قدر الكفاف وقوت الأطفال... ثم دخلت الشام وأقمت به
قريبًا من سنتين، لا شغل لي إلا العزلة والخلوة والرياضة والمجاهدة... ثم تحركت في
داعية فريضة الحج والاستمداد من بركات مكة والمدينة... ثم جذبتني الهمم ودعوات
الأطفال إلى الوطن فعاودته بعد أن كنت أبعد الخلق عن الرجوع إليه". [الغزالي المنقذ: ١٢٨-١٣٠]، ولذا يؤكد الطوسي خطر الدخول في هذا المأزق لرغبة أو شهوة
تتطلع إليها النفس، دون عدة كافية من أدب وفقه، فيقول: "وقوم هاموا على
وجوههم، ودخلوا البراري والبوادي بلا زاد ولا ماء،
ولا آلة الطريق، وتوهموا أنهم إذا فعلوا ذلك نالوا ما نال الصادقون من حقيقة
التوكل، وقد غلطوا في ذلك لأن القوم الذين كان هذا دأبهم كانت لهم بدايات وتأدبوا
بآداب وراضوا أنفسهم قبل ذلك بالمجاهدات... فمن فعل ذلك وتوهم أنه قد نطق بشيء من
أحوال المتوكلين فهو في (غلط)" [السراج
اللمع: ٥٢٨-٥٢٩].
ثم يذكر السراج
خطر الغلو في العبادة، وسلوك سبيل
الرياضة من جانب بعض الشباب، دون فقه بها، أو رعاية شيخ ناصح،
وخاصة في ترك الطعام والمنام والشهوة، قال: ورأيت جماعة من الأحداث كانوا يقللون
الطعام، ويسهرون الليل، ويذكرون الله تعالى على الدوام، حتى كان أحدهم ربما
يغشى عليه، وكان يحتاج بعد ذلك إلى أن يداوى ويرفق
به أيامًا حتى يقدر على الصلاة الفريضة، وجماعتهم جهدوا بأنفسهم، وظنوا أنهم إذا
قطعوا ذلك سلموا من آفات الشهوة النفسية، وقد غلطوا في ذلك لأن الآفات تبدو من
الباطن، فإذا قطعت الآلة، والعلة موجودة في الباطن، لم ينفع ذلك، بل يضر وتزداد
الآفة.
وهذا التفسير النفسي
الدقيق يذكرنا بخطر مخالفة السنة من أمثال هؤلاء الشباب في الصدر الأول، ولعمري إن
لهم لنظائر في كل جيل: عن أنس رضي الله عنه قال: "جَاءَ ثَلَاثَةُ
رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَ عَنْ
عِبَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ
تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟
قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ:
أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ
الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا
أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:
«أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ
لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ
وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». [أخرجه البخاري ومسلم، وأورده النووي في رياض الصالحين:
٣٤].
أما الجانب الأخير
من نقده لمسالك الصوفية في عصره، فيتعلق بالدخلاء الواغلين، الذين يتظاهرون بمظاهر الصوفية وشعائر التصوف، دون حظ من حقيقة الأمر،
في الصدق والخشية والإنابة إلى الله، وهو ينكر ذلك ويشدد النكير عليه، ويتتبع
أحوال هؤلاء المرائين والمفتونين من انخداع بالمظاهر، أو جمع للعلم الظاهر، أو
اتكال في الفقه على الغير، أو ادعاء للوجد والسكر دون حظ من حقيقة الأمر، فينصحهم
ويدينهم، ويبرئ ساحة التصوف الحقيقي من أمثالهم فهم العلة الظاهرة،
والتهمة المتكررة، والصارفون لبعض الراغبين عن طريق الحق المبين، يقول:
أ- جماعة تكلفوا لبس الصوف، واتخذوا
المرقعات المعمولة، وحملوا الركاء، ولبسوا المصبوغات وتعلموا الإشارات، وظنوا أنهم
إذا فعلوا ذلك، أنهم من الصوفية، وقد غلطوا في ذلك، لأن التحلي والتلبس والتشبه لا
يورث صاحبه غير الحسرة والندامة، والعتب والملامة، والشنار والنار في يوم القيامة.
ب- وجماعة أخرى جمعوا علوم القوم، وعرفوا
إشاراتهم، وحفظوا حكايتهم وتكلفوا ألفاظًا صحيحة، وعبارات فصيحة، وظنوا أنهم إذا فعلوا
ذلك فقد صاروا منهم... وقد غلطوا في ذلك.
ج- وجماعة أخرى أحرزوا قوتهم وسكنت نفوسهم بنفقة
معلومة، ودراهم موضوعة، ثم عمدوا بعد ذلك إلى أورادهم... ولباس الخشن
والبكاء، وظنوا أن هذا هو الحال المقصود الذي لا يكون بعده حال وقد غلطوا في ذلك، وما
أظن أن أحدًا ممن أشاروا إلى علم التصوف يذكر عنه أنه لم يخرج في بدايته من
المعلوم (أي الرزق المحدد المضمون) ولم يأمر أصحابه في أول الأمر بقطع العلائق،
وأن يجعلوا قوتهم في الغيب... ". [السراج اللمع: ٥٢٩-٥٣٠]، ومن هذا نعرف حكم هؤلاء الذين ينقطعون طول
حياتهم - مع قدرة بعضهم على الكسب - في الزوايا والخوانق، وبرزق معلوم يأتيهم من
الأوقاف أو الصدقات.. فهؤلاء هم صوفية الأرزاق الذين عناهم ابن تيمية حين
قال عن صوفية عصره وصارت الصوفية ثلاثة أصناف: صوفية الحقائق، وصوفية الأرزاق،
وصوفية الرسم... وأما صوفية الأرزاق فهم الذين وقفت عليهم الوقوف والخوانق فلا
يشترط في هؤلاء أن يكونوا من أهل الحقائق، فإن هذا عزيز، وأكثر أهل الحقائق لا
يتصدون بلزوم الخوانق، ولكن يشترط فيهم ثلاثة شروط:
أحدها: العدالة
الشرعية بحيث يؤدون الفرائض، ويجتنبون المحارم.
والثاني: التأدب بآداب
أهل الطريق وهي الآداب الشرعية - في غالب الأوقات...
والثالث: ألا يكون
أحدهم متمسكًا بفضول الدنيا، فأما من كان جماعًا للمال، أو كان غير متخلق بالأخلاق
المحمودة، ولا يتأدب بالآداب الشرعية، أو كان فاسقًا فلا يستحق ذلك. [ابن تيمية الصوفية والفقراء ٣٤ -٣٥].
وأما صوفية الرسم الذين ينتسبون
إلى الصوفية ويتخذون شعاراتهم دون وجه حق، فهم كما يصفهم ابن تيمية (المقتصرون على
النسبة) فهمهم اللباس والآداب الوضعية ونحو ذلك، فهؤلاء في الصوفية بمنزلة الذي
يقتصر على زي أهل العلم وأهل الجهاد، ونوع من أقوالهم، بحيث يظن الجاهل بحقيقة أمره
أنه منهم وليس منهم. [السابق: ٣٥].
وبقريب من هذا وصفهم السراج قبل ابن
تيمية بثلاثة قرون ونصف القرن: "وجماعة ظنوا أن التصوف هو السماع والرقص،
واتخاذ الدعوات وطلب الإرفاق، والتكلف للاجتماعات على الطعام وعند سماع القصائد
والتواجد والرقص، ومعرفة صيغة الألحان بالأصوات الطيبة والنغمات الشجية، والاختراع
من الأشعار الغزلية، بما يشبه أحوال القوم، على نحو ما رأوا من بعض الصادقين، أو
بلغهم ذلك عن المتحققين، وقد غلطوا في ذلك، لأن كل قلب ملوث بحب الدنيا، وكل نفس
معتادة بالبطالة والغفلة، فسماعه ووجوده معلول، وحركته وقيامه تكلف، فمن ظن أنه
بتكلفه وحيله وتمنيه من المتحققين في وقت السماع والحركة والوجود وغير ذلك فقد غلط
في ذلك. [السراج اللمع: ٥٣٠].
وأظن أن قارئ هذا الوصف الذي مضى عليه ألف عام،
يشعر أنه يصدق على طوائف كثيرة من المنسوبين إلى التصوف المترسمين به في عصرنا،
وهم في الحقيقة عبء عليه، وعنوان سيئ له، وضرر بالغ بقضية التدين عمومًا، لا يقتصر
أذاه عليهم، بل يتعداهم إلى من حولهم من عوام المسلمين، وقد واجه أبو القاسم
القشيري (ت ٤٦٥ هـ) حالًا شبيهة بهذه الحال، دفعته إلى أن يرفع عقيرته بتلك
الشكاية في مفتتح كتابه (الرسالة): "اعلموا - رحمكم الله - أن المحققين من
هذه الطائفة انقرض أكثرهم، ولم يبقَ في زماننا من هذه الطائفة إلا أثرهم كما قيل:
أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى
نساء الحي غير نسائها
حصلت القترة في
هذه الطريقة، لا بل اندرسَت الطريقة بالحقيقة، مضى الشيوخ الذين كان بهم الاقتداء،
وقل الشباب الذين كان بسيرتهم وسنتهم افتداء... وارتحل عن القلوب حرمة الشريعة، فعدوا
قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة، ورفضوا التمييز بين
الحلال والحرام، ودانوا بترك الاحترام، وطرح الاحتشام، فاستخفوا بأداء
العبادات، واستهانوا بالصوم والصلاة... وركنوا إلى اتباع الشهوات، وقلة المبالاة
بتعاطي المحظورات، والارتفاق بما يأخذونه من السوقة والنسوان وأصحاب السلطان، ثم
لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال، حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق والأحوال،
وادعوا أنهم تحرروا عن رق الأغلال، وتحققوا بحقائق الوصال، وأنهم قائمون بالحق تجري
عليهم أحكامه، وهم محو وليس لله عليهم فيما يؤثرونه أو يذرونه عتاب ولا لوم ... ولما طال الابتلاء فيما نحن فيه من الزمان بما
لوحت ببعضه من هذه القصة – وكنت لا أبسط إلى هذه الغاية لسان الإنكار غيرة على
الطريقة أن يذكر أهلها بسوء- ولما أبى الوقت إلا استصعابًا، وأكثر أهل العصر بهذه
الديار إلا تماديًا فيما اعتادوه، واغترارًا بما ارتادوه - أشفقت على القلوب أن
تحسب أن هذا الأمر على هذه الجملة بنى قواعده، وعلى هذا النحو سار سلفه، فعلقت هذه
الرسالة إليكم... لتكون لمريدي هذه الطريقة قوة، ومنكم لي بتصحيحها شهادة، ولي في
نشر هذه الشكوى سلوة. ومن الله الكريم فضلًا ومثوبة". [القشيري، الرسالة:
١٩-٢١].
غير أن ما شكا
منه القشيري يتضمن بدوره انحرافات عملية فرعية وأخرى اعتقادية أصلية، فلنعد إلى
صاحب اللمع لنرى أول نقد لانحرافات بعض المنسوبين إلى التصوف في الأصول.