العلم
الإنساني ـ عند الغزالي ـ يحصل من طريقين: أحدهما: التعلم الإنسانى، والثاني:
التعلم الرباني.
أما
التعلم الإنساني، وهو طريق معروف يُقر به جميع العقلاء، فإنه يكون
على وجهين: أحدهما: من خارج، وهو التحصيل بالتعلم؛ وثانيهما: من داخل، وهو
الاشتغال بالتفكر، والتفكر من الباطن بمنزلة التعلم من الظاهر. وبعض الناس يحصلون
العلوم بالتعلم، وبعضهم يحصلون بالتفكر، ولا ريب أن التعلم يحتاج إلى التفكر.
فالتعلم
أو التعليم الإنسانى اكتسابى، قوامه الفطرة الصحيحة، والاستعداد للتلقي والتعلم
والتعليم القائم على الكتاب والسُنة من المربي السليم ذي القدوة الحسنة، وهو طريق
معروف معهود، ومسلك محسوس" [الغزالي: الرسالة اللدنية، ص١١٢،
١١٣.]
أما
التعليم الرباني، وهو الطريق الثاني، فإنه على وجهين أو نوعين:
الأول:
إلقاء الوحي؛ فالنفس إذا أكملت ذاتها يزول عنها دنس الطبيعة،
ودرن الحرص والآمال الفانية، فإنها تقبل بوجهها على بارئها سبحانه، وتتمسك بوجود
مبدعها، وتعتمد على إفادته وفيض نوره، والله تعالى بحسن عنايته يقبل على تلك النفس
إقبالاً كلياً، فيحصل جميع العلوم لتلك النفس، وينتقش فيها جميع الصور من غير تعلم
وتفكر؛ ومصداق هذا قوله تعالى لنبيه: {وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا}
[النساء:١١٣].
فعلم الأنبياء أشرف مرتبة لأن حصوله عن الله تعالى بلا
واسطة ووسيلة، وإنما هو الضوء من سراج الغيب يقع على قلب صاف فارغ لطيف. ومن هنا
فقد تقرر عند العقلاء أن العلم الغيبي المتولد عن الوحي أقوى وأكمل من العلوم
المكتسبة، وصار علم الوحي إرث الأنبياء وحق الرُسل، وأغلق الله سبحانه باب الوحي
من عهد سيدنا محمد-صلى الله عليه وسلم-.
وإنما كان علمه أكمل وأشرف وأقوى لأنه عن التعلم الرباني، وما
اشتغل قط بالتعلم والتعليم الإنسانى. قال تعالى: {عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلۡقُوَىٰ} [النجم:٥].
أما
الوجه الثاني فهو الإلهام، وهو يحصل للنفس على قدر صفائها
وقبولها وقوة استعدادها، والإلهام أثر الوحي؛ فإن الوحي هو تصريح الأمر الغيبي،
والإلهام هو تعريضه.
"والعلم
الحاصل عن الوحي يُسمى علماً نبوياً، والذي يحصل عن الإلهام يُسمى علماً لدنياً؛
والعلم اللدني هو الذي لا واسطة في حصوله بين النفس وبين الباري. فالوحي حلية
الأنبياء، والإلهام زينة الأولياء، فالولي دون النبي، فكذلك الإلهام دون الوحي
" [الرسالة اللدنية، ص١١٤، ١١٥، ١١٦.]
ويرى "الغزالي" أن
العلم اللدني يكون لأهل النبوة والولاية، كما كان للخضر عليه السلام، حيث أخبر
الله تعالى عنه فقال: {ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا}.
فإذا
أراد الله سبحانه بعبد خيراً رفع الحجاب بين نفسه وبين النفس التي هي اللوح، فتظهر
فيها أسرار بعض المكنونات، وانتقش فيها معاني تلك المكنونات؛ فتعبر النفس عنها كما
تشاء لمن يشاء من عباده.
وحقيقة الحكمة تنال من العلم اللدني، وما لم يبلغ الإنسان
هذه المرتبة لا يكون حكيماً، لأن الحكمة من مواهب الله تعالى: {يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} [البقرة:٢٦٩]
وذلك لأن الواصلين إلى مرتبة العلم اللدني مستغنون عن كثرة التحصيل وتعب التعليم،
فيتعلمون قليلاً ويعلمون كثيراً.
ومما
لا ريب فيه أن الوحي قد انقطع وباب الرسالة قد انسد، أما باب الإلهام فلا
ينسد"
[الرسالة اللدنية، ص١١٧ـ١١٨]
ويتحدث "الغزالي" عن
خطوات العلم اللدني، فيقول: "العلم اللدني، وهو سريان نور الإلهام، يكون بعد
التسوية، كما قال الله تعالى: {وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا}
[الشمس:٧]؛
وهذا الرجوع يكون بثلاثة وجوه:
الأول:
تحصيل العلوم جميعها وأخذ الحظ الأوفر من أكثرها.
الثانى:
الرياضة الصادقة، والمراقبة الصحيحة، فإن النبى -صلى الله عليه وسلم- أشار إلى هذه الحقيقة فقال: «من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم
يعلم» (أخرجه أبو نعيم فى
الحلية من حديث أنس وضعفه).
والثالث:
التفكر؛ فإن النفس إذا تعلمت وارتاضت بالعلم، ثم تتفكر في
معلوماتها بشروط التفكر ينفتح عليها باب الغيب، كالتاجر الذي يتصرف في ماله بشرط
التصرف (السليم) ينفتح عليه أبواب الربح، وإذا سلك طريق الخطأ يقع في مهالك
الخسران. فالمتفكر إذا سلك سبيل الصواب يصير من ذوي الألباب، وتنفتح روزنة (أي كوة
أو طاقة صغيرة) من عالم الغيب في قلبه فيصير عالماً كاملاً عاقلاً ملهماً مؤيداً"
[
الرسالة اللدنية ، ص١٢٢.].