الغربة لغة: هى البعد عن الوطن في طلب المقصود، وفي القاموس: الغرب: المغرب والذهاب
والنوى والبعد كالغربة، وفي اللسان: الغُربْة والغُرْب: التروح عن الوطن والاغتراب،
ورجل غُرْب وغريب: بعيد عن وطنه والجمع غرباء والأنثى غريبة.
الغربة في اصطلاح
الصوفية:
هي حال من أحوال الفناء؛ حيث يغيب الصوفي عن ذاته؛
لحضوره مع الله تعالى:
ويسمى الصوفية غرباء ؛ لخروجهم عن أوطانهم، وغيابهم عن أنفسهم، وذلك
عند انفصال النفس عن مقارها الحيوانية ومألوفاتها الطبيعية ومراداتها الشهوانية؛ من أجل طلب الحق؛ لأن الحق غربة.
والغربة وصف شريف، ينفرد به الموصوف دون أفراد
جنسه، وذلك الشخص يسمى في اصطلاح الصوفية غريبًا.
كذلك فإن الغربة أحد
منازل الولايات، وصاحبها صاحب غربة عن الخلق؛ لكونه بائنًا
عنهم بمعناه وسريرته، وإن كان كائنًا معهم بجسده وصورته؛ فهو راحل عنهم إلى أوطانه،
قاطن معهم في مصر حدثانه. [ الكاشانى (عبد
الرازق) ت
٧٣٦هـ: لطائف الإعلام فى إشارات أهل الإلهام ٢: ١٧٨ تحقيق: سعيد عبد الفتاح. ط ٢٠٠٥م الهيئة المصرية العامة للكتاب
بالقاهرة].
وإن الصوفي بطبعه: ميال للأسفار، ويسمى
"طيارا " لهذا السبب، وهو غريب وإن كان قريبا؛ لأن قربه من الله تعالى، وليس
من الأغيار، فالصوفية هم الفرارون بدينهم من وسط الفتن؛ ولهذا الغرباء أحب شيء إلى
الله تعالى.
إن غيبة القلب عن علم ما يجرى من
أحوال الخلق، لغياب الأساس بالنفس وبالغير، بوارد تذكر ثواب أو تفكر عقاب، إنما هى
من نواتج استمرار الذكر، فإن الغيبة عن النفس حضور
مع الحق.
ذلك أن غاية الاقتراب هى الاغتراب؛ لأن في مقام الاغتراب يكون الفناء
عن الأوصاف المذمومة، والبقاء بالأوصاف المحمودة؛ فالنهاية قد تكون إلى فناء أو بقاء .
وإذا كانت الغربة بعدا عن الخلق واقترابا من
الحق، فإن الصوفي إذا تكلم فبذكر الله، أو بما يقربه إلى الله، وإن صمت فعن
الغيبة بفكره أو بسره مع الله عز وجل ومن هنا صارت أحوال السكر والصحو
داخله في أحوال الغربة، لأن الغربة يعقبها الصحو الذي هو الرجوع إلى الحس بعد
الغيبة بوارد قوي يضاف إلى هذا أن السكر من أحوال الغربة؛ لأن السكر غيبة أيضا
بوارد قوي.
على أن الصوفية ينظرون
إلى الاغتراب والبعد عن الدنيا، على أن
ذلك " عزلة " لكل صفة مذمومة وكل خلق رديئ أو دنيئ. يضاف إلى هذا عزلة
الصوفي بقلبه عن التعلق بأحد من خلق الله، سواء من أهل أو ولد أو صاحب، أو كل ما
يحول بينه وبين ذكر ربه بقلبه، فلا يبقى له إلا هم واحد، هو التعلق بالله تعالى.
وإن العمل الصالح هو ابتداء طريق الغربة، فإن
كان من حفَّاظ القرآن فيكون له منه حزب في كل ليلة يقوم به صلاته؛ لئلا ينساه. وأخيرا فإن الغربة تتطلب العزلة
والخلوة والذكر بأنواعه، بالإضافة إلى السياحة في أرض الله، حتى يصير الصوفي غريبًا
عن الخلق، قريبا من الحق. [د. عبد الحميد درويش عبد الحميد:
مقامات الصوفية وأحوالهم: دراسة فى المصطلح الصوفى بين النظرية والتطبيق. ص
١٤٩-١٥١.ط١، ١٤٢٨هـ: ٢٠٠٧م مكتبة وهبة بالقاهرة].