يقول
الصوفية: عن العالم الذي وراء الحواس إنه "عالم
الغيب"، في مقابل "عالم الشهادة" أو "عالم
الملك" أي العالم الذي تدركه الحواس.
فالعوالم
تنحصر كلياتها وأصولها بحسب الصفات الحاضرة في الغيب والشهادة، لانقسامها
إلى الغائب عن الحس والشاهد له. وكل عالم ينظر الحق سبحانه إليه بالإنسان يسمى
"شهادة وجودية"، وكل عالم ينظر إليه من غير واسطة الإنسان يسمى
"غيبا"؛ والغيب على نوعين:
غيب
جعله الحق تعالى مفصلا في علم الإنسان. وغيب
جعله مجملا في قابلية علم الإنسان.
فالغيب
المفصل في العلم يسمى "غيبًا وجوديًا"، وهو كعالم الملكوت،
والغيب المجمل في القابلية يسمى "غيبا عدميًا"، وهو كالعوالم
التى يعلمها الله تعالى، ولا نعلمها نحن، فهي عندنا بمثابة العدم، فذلك معنى
"الغيب العدمي".
ثم إن
هذا العالم الدنيوي الذي ينظر إليه بواسطة الإنسان لا يزال "شهادة
وجودية" ما دام الإنسان واسطة نظر الحق فيها، فإذا انتقل الإنسان منها
نظر الله تعالى إلى العالم الذي انتقل إليه الإنسان بواسطة الإنسان فصار ذلك شهادة
وجودية، وصار العالم الدنيوي غيبا عدميا، ويكون وجود العالم الدنيوى حينئذ في
العلم الإلهي كوجود الجنة والنار اليوم في علمه سبحانه؛ فهذا هو عين فناء العالم
الدنيوى، وعين القيامة الكبرى والساعة العامة (التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون جـ٢ ص١٠٥٣، ١٠٥٤.).
ويقسّم "ابن الفارض" عالم الغيب إلى ثلاثة عوالم أو ثلاثة أقسام، وعبرّ عنها بالغيب
والملكوت والجبروت "فنزل المحدثات الغائبة عن الحس على اسم الغيب، وعبّر
عن الذات المقدسة بالجبروت، وعن صفاتها الجسمية بالملكوت، فرقا بين المحدث والقديم،
والذات والصفات، والجبروت والملكوت صيغتان للمبالغة بمعني الجبر والملك، والجبر
إما بمعني الإجبار، من قولهم جبرته على الأمر جبرًا وأجبرته: أكرهته عليه، أو
بمعنى الاستعلاء من قولهم: نخلة جبارة إذا فاتت الأيدي، والملك هو التصرف الصحيح
بالاستعلاء، والجبار الملك تعالى كبرياؤه، منفرد بالجبروت، لأنه يجري
الأمور مجاري أحكامه، ويجبر الخلق على مقتضيات إلزامه، أو لأنه يستعلي عن درك
العقول، وبالملكوت لأنه يتصرف في الخلق على سبيل الاستعلاء، وله على كل شيء جبروت،
لترفعه بالذات عن كل شيء, وملكوت لتصرفه بالصفات في كل ميت وحي" ( الكاشاني: كشف الوجوه الغر لمعاني نظم الدر – شرح تائية ابن
الفارض الكبرى المشتهرة بنظم السلوك على هامش شرح ديوان ابن الفارض – الطبعة الأولى – المطبعة
الأزهرية المصرية سنة ١٣١٩هـ جـ١ ص١٤-١٥.)
وغيب
الغيب، هو الذات الإلهية المطلقة، وهو هويته الغيبية السارية
للكل علما لا يمكن أن يتعلق به بهذا الاعتبار علم، لكونه محتجبا في حجاب عزّته،
ولا يجوز إطلاق اسم الغائب عليه تعالى؛ ويجوز أن يقال: إنه غيب عن الخلق. وقد فسّر
قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: ٣] بأنه هو الله عز وجل.( الكفوي :
الكليات ص٦٦٨.)
والغيب
المكنون والغيب المصون هو السر الذاتي وكنهه الذى لا
يعرفه إلا الله تعالى، ولهذا كان مصونا عن الأغيار ومكنونا عن العقول والأبصار. (الحفني (عبد المنعم): المعجم الفلسفى، الطبعة الأولى سنة ١٩٩٠ ص٢٢٩.)
والغيب منه مطلق كوقت قيام الساعة؛ ومنه إضافى كنزول
المطر فى مكان لم يكن فيه الشخص. والمطلق لا يكون إخبار الناس به إلا عن
طريق الله سبحانه وبإخباره. والمقيد ليس له طريق إلا الإلهام. والرسول من البشر
يتلقى الغيب من ملك وبلا واسطة أيضًا، أما الولى فإنه لا يتلقى الغيب بالذات بل
بواسطة تصديقه بالنبي -صلى الله عليه وسلم-.
ويرى
بعض الصوفية: أن الإطلاع على المغيبات وخوارق العادات يعم
الأنبياء وغيرهم كالأولياء والحكماء
المتألهين، بل قد يكون بعض الأولياء أكثر اطلاعا على بعض الحقائق والمغيبات، فإن
كثيرا من محققى هذه الأمة كأبى
بكر، وعمر، وعثمان، وعلي -رضوان
الله عليهم -وكذا حذيفة، والحسن
البصري وذي النون، وسهل التستري، وأبي يزيد، والجنيد، وإبراهيم
بن أدهم، وأمثالهم ربما رجحوا في الحقائق
على أنبياء بني إسرائيل؛ فقد استفاد داود النبي من لقمان الحكيم، واستفاد موسى u من "الخضر".
وقد قال بعضهم: لا يجوز تجلي الذات للأولياء، وإلا يلزم فضلهم على موسى -عليه السلام-.( الكفوي: الكليات ص٦٦٨.)
ونرى
الصوفية يتحدثون عن "رجال الغيب"؛ فهذا سهل بن عبد الله يقول فيهم: "الرجل من يكون
في فلاة من الأرض فيصلي وينصرف من صلاته فينصرف معه أمثال الجبال من الملائكة على
مشاهدة منه إياهم".
و"رجال الغيب" في اصطلاح أهل الله يطلقونه ويريدون به
العشرة الذين لا يزيدون ولا ينقصون في كل زمان؛ وهم أهل خشوع، فلا
يتكلمون إلا همسًا؛ وهؤلاء هم المستورون الذين لا يعرفون، خبأهم الحق في أرضه
وسمائه، فلا يناجون سواه، ولا يشهدون غيره؛ يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون
قالوا سلاما، دأبهم الحياء، إذا سمعوا أحدا يرفع صوته في كلامه ترتعد فرائصهم
ويتعجبون، وذلك أنهم لغلبة الحال عليهم يتخيلون أن التجلي الذي أورث عندهم الخشوع
والحياء يراه كل أحد.
فرجال
الغيب هم هذه الطبقة؛ وقد يطلقونه ويريدون به من يحتجب عن
الأبصار من الإنس؛ وقد يطلقونه على القوم الذين لا يأخذون شيئًا من العلوم والرزق
المحسوس من الحس ولكن يأخذونه من الغيب.
ويرى "ابن عربي" أن الرجل من يكون في الفلاة فينصرف من صلاته بالحال الذي هو في صلاته، فلا
ينصرف معه أحد من الملائكة، حيث إنهم لا يعرفون أين يذهب. فهذا الرجل وأمثاله هم –
عند ابن عربى – رجال
الغيب على الحقيقة، لأنهم غابوا عنده، فإن رجال الغيب قسمان في الظهور:
منهم
رجال غيب عن الأرواح العلى، ظاهرون لله لا لمخلوق رأسا.
ورجال
غيب عن عالم الشهادة، ظاهرون في العالم الأعلى. [غراب (محمد محمود): شرح كلمات الصوفية والرد على ابن تيمية، من كلام الشيخ
الأكبر محيي الدين بن عربى، سنة ١٩٨١ ص٢٠٣، ٢٠٤].
هذا، ويختلف معنى الغيب عند شيوخ الصوفية عن معنى
الغيب الذي يختص بعلمه الحق تعالى وحده؛ ويخلط كثير من العامة بين المعنيين؛ فالذي
يقصده الصوفية بالغيب هو ما ستره الله سبحانه عن عباده، فإذا كشف الله لبعض عباده
الصالحين من الأولياء والصديقين، وتجلى عليهم بنعمه، وفاض عليهم بأسراره، يقال إن
الحق -سبحانه -فتح لهم عن بعض مغيباته التي لا يحظى بها إلا عباد الرحمن، فيعلم
الولي حقائق لم يكن يعلمها؛ وبهذا المعنى يكون الغيب: كل ما يحظى به المريد الصادق
من الفتوحات والكشوفات، والمنن، والعطايا، والهبات، والحقائق، والأسرار طريق العلم
الوهبي أو العلم اللدني الذي يقذفه الله تعالى في قلب عبده الصادق فيصبح علما
وعالما ومعلومًا.