العلم اللدني هو مصطلح يشير إلى علم خاص يُلهمه الله لعبده، من غير واسطة بشرية أو كسب شخصي، كما حدث مع العبد الصالح الخضر. يصفه العلماء والمفسرون بأنه علم إلهامي أو رباني يورثه الله تعالى لمن يشاء من عباده المخلصين.
العلم اللدني هو مصطلح يشير إلى علم خاص يُلهمه الله لعبده، من غير واسطة بشرية أو كسب شخصي، كما حدث مع العبد الصالح الخضر. يصفه العلماء والمفسرون بأنه علم إلهامي أو رباني يورثه الله تعالى لمن يشاء من عباده المخلصين.
قد لا نجد في المعاجم اللغوية ما يُفيدنا في تعريف "العلم اللدني" لهذا فلن نتحدث عن المعنى اللغوي لهذا المصطلح، وإنما يمكن تناوله من الناحية الاصطلاحية فحسب.
والمعنى الاصطلاحي إنما يرجع ـ في الواقع ـ إلى ما جاء في القرآن الكريم عن العبد الصالح "في سورة الكهف". وهو الخضر -عليه السلام-، حيث قال سبحانه عنه: {فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا} [الكهف:٦٥] فمن هذه الآية الكريمة جاء مصطلح "العلم اللدني".
فجاء هذا المصطلح في كتب التفسير، وفي كلام الصوفية الذين توسعوا في الحديث عنه في كتبهم ومقالاتهم المختلفة ورسائلهم، حتى وجدنا حجة الإسلام أبا حامد الغزالى يُقدم لنا رسالة يُسميها "الرسالة اللدنية" وقد طبعت ضمن مجموعة رسائله المسماة "القصور العوالي من رسائل الإمام الغزالي".
كما ورد المصطلح في بعض المؤلفات التي تتناول أسماء العلوم والكتب والمؤلفين في العصور المختلفة، مثل كتاب "أبجد العلوم" وغيره. ومن الجدير بالذكر أن نقول إن الإمام فخر الدين الرازي قد أشار إلى رسالة الغزالى بقوله: "وللشيخ أبي حامد الغزالى رسالة في إثبات العلوم اللدنية" [التفسير الكبير،جـ٢١ ص١٤٩].
على أية حال نجد "القنوجي" يعرف العلم اللدني" بأنه "العلم الذى تعلمه العبد من الله تعالى، من غير واسطة ملك أو نبي بالمشافهة والمشاهدة كما كان الخضر عليه السلام، قال تعالى: {فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا} [الكهف: ٦٥] وقيل: هو معرفة ذات الله تعالى وصفاته علمًا يقينيًا من مشاهدة وذوق ببصائر القلوب" [أبجد العلوم ـ الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم ـ ج٢ ص٤٦٩.]
ونجد مجموعة من المفسرين يعرفونه بأنه "يعني الإخبار بالغيوب، وقيل: العلم اللدني ما حصل للعبد بطريق الإلهام". وأنه علم الغيوب"، وأنه "علم الباطن إلهاماً". وأنه "علم الكوائن" [ابن عباس، والبيضاوي، والخازن، والنسفي: كتاب مجموعة من التفاسير، جـ١ ص١٢٣].
ويُعرفه القرطبي بأنه "علم الغيب" ويذكر عن ابن عطية قوله: "كان علم الخضر علم معرفة بواطن قد أوحيت إليه، لا تُعطى ظواهر الأحكام أفعاله بحسبها، وكان علم موسى علم الأحكام والفتيا بظاهر أقوال الناس وأفعالهم" [تفسير ابن كثير ٣/٩٢، ٩٣ ط الحلبى، سورة الكهف].
ويذكر ابن كثير عن البخاري "أن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم؟ فقال موسى: أنا. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه. فأوحى الله إليه أن لي عبدًا هو أعلم منك. يعني الخضر. فذهب إليه موسى، وقال له: أتيتك لتعلمنى مما علمت رشدًا، فقال له الخضر: إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت. وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه. وهذا دليل على أن العلم اللدني عطاء من الله وليس كسبًا من العبد" [تفسير ابن كثير ٣/٩٢، ٩٣ ط الحلبى، سورة الكهف].
ويقول "الرازي" عند تفسير قوله تعالى: {ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا}، إن ذلك يُفيد "أن تلك العلوم حصلت عنده من عند الله من غير واسطة، والصوفية سموا العلوم الحاصلة بطريق المكاشفات: العلوم اللدنية" [الفخر الرازى: مفاتيح الغيب جـ٢١ ص١٤٩].
ونجد بعض المفسرين المحدثين يقول فى تفسير هذه الآية: "أي: علماً خاصاً بنا لا يعلم إلا بتوفيقنا، وهو علم الغيوب. قال العلماء: هذا العلم الرباني ثمرة الإخلاص والتقوى ويُسمى (العلم اللدنى) يورثه الله لمن أخلص العبودية له، ولا ينال بالكسب والمشقة وإنما هو هبة الرحمن لمن خصه الله بالقرب والولاية والكرامة" [ صفوة التفاسير، المجلد الثانى ص١٩٨ـ١٩٩. ]
كما نجد "الغزالي" يرى "أن القلب إذا طهر من أدران المعاصي وصقل بالطاعات أشرقت صفحته فانعكس عليها من اللوح المحفوظ ما شاء الله أن يكون، وهذا هو العلم المعروف بالعلم اللدني" [الغزالي: المنقذ من الضلال ص٢٧ ] أخذاً من قوله تعالى: {وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا} [الكهف: ٦٥] ويعبر الغزالي أيضاُ عن العلم اللدني بأنه "سريان نور الإلهام" [الرسالة اللدنية ص١٢٢ ، ضمن القصور العوالي من رسائل الإمام الغزالى].
هذا هو تعريف "العلم اللدني" عند المفسِّرين والصوفية وغيرهم من الذين أرخوا للعلوم والمعارف الإسلامية.
ولقد تناول بعض المتكلمين كالفخر الرازي، وبعض الصوفية كالإمام الغزالي، هذا المصطلح بالتحليل والشرح ضمن حديثهم عن العلم والعالم والمعلوم، وأصناف العلوم وأنواعها، وبينوا حقيقة العلم اللدني ضمن منظومة العلوم المختلفة. وها نحن نُبين ما قالوه في هذا الصدد.
هناك علم وعالم ومعلوم؛ فالعلم إنما هو تصوّر النفس الناطقة ـ نفس الإنسان ـ المطمئنة حقائق الأشياء، وصورها المجردة عن المواد بأعيانها وكيفية ذاتها وكمياتها وجواهرها وذواتها إن كانت مفردة.
والعالم هو ذلك الإنسان المُحيط المُدرك المتصوّر.
والمعلوم هو "ذات الشيء الذي ينتقش علمه في النفس، وأفضل المعلومات وأعلاها وأشرفها وأجلها هو الله سبحانه الصانع المبدع الحق الواحد" [الرسالة اللدنية ، ص٩٨ـ٩٩].
والعلم له فضل عظيم؛ فهو شريف بذاته من غير نظر إلى جهة المعلوم" [ الغزالي: الرسالة اللدنية، ص١٠٠].
وذلك لأن العلم ضد الجهل، والجهل من لوازم الظلمة، والظلمة من حيّز السكون، والسكون قريب من العدم، ويقع الباطل والضلالة في هذا القسم، فإذًا الجهل حكمه حكم العدم، والعلم حكمه حكم الوجود، والوجود خير من العدم، والهداية والحق والنور كلها في سلك الوجود، فإذا كان الوجود أعلى من العدم فالعلم أشرف من الجهل، فإن الجهل مثل العمى والظلمة، والعلم مثل البصر والنور: {وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ * وَلَا ٱلظُّلُمَٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ } [فاطر:١٩-٢٠] وصرح المولى سبحانه بهذه الإشارات فقال: {قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} [الزمر:٩].
العلم تصّور وتصديق، فنحن إذا أردنا إدراك أمر من الأمور وتصور حقيقة من الحقائق فإما أن نحكم عليه بحكم أو لا نحكم فإن حكمنا كان هذا هو التصديق، وإن لم نحكم، كان هذا هو التصور، وكل من التصور والتصديق إما أن يكون نظرياً حاصلاً من غير كسب ولا طلب أو يكون بكسب وطلب.
فأما التصور النظري أو العلوم النظرية: فهي التي تحصل في النفس والعقل من غير كسب ولا طلب، مثل تصور الإنسان للألم واللذة، والوجود والعدم، ومثل تصديقنا بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان، وأن الواحد نصف الاثنين.
وأما العلوم الكسبية: فهي التي لا تكون حاصلة في جوهر النفس ابتداء بل لابد من طريق يتوصل به إلى اكتساب تلك العلوم، وهذا الطريق على قسمين:
أحدهما: أن يتكلف الإنسان تركب تلك العلوم البديهية النظرية حتى يتوصل بتركبها إلى استعلام المجهولات. وهذا الطريق هو المُسمى بالنظر والتفكر والتدبر والتأمل والتروي والاستدلال، ويتم بالجهد والطلب.
أما الثاني: فهو أن يسعى الإنسان بوساطة الرياضات والمجاهدات حتى تشرق الأنوار الإلهية في جوهر العقل، وتحصل المعارف وتكمل العلوم من غير واسطة سعي وطلب في التفكر والتأمل، وهذا هو المُسمى بالعلوم اللدنية" [الفخر الرازي: التفسير الكبير جـ٢١، ص١٤٩ـ١٥٠.]
فالنفس الإنسانية جواهرها مختلفة بالماهية، فقد تكون النفس نفساً مشرقة نورانية إلهية علوية، قليلة التعلق بالجواذب البدنية والنوازع الجسمانية، فهي شديدة الاستعداد لقبول التجليات القدسية والأنوار الإلهية، ومن ثم تفيض عليها من عالم الغيب تلك الأنوار على سبيل الكمال والتمام، وهذا فهي شديدة الاستعداد لقبول التجليات القدسية والأنوار الإلهية، ومن ثم تفيض عليها من عالم الغيب تلك الأنوار على سبيل الكمال والتمام، وهذا هو المراد بالعلم اللدني، وهو المراد من قوله تعالى: {ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا}[الكهف ٦٥].
أما النفس التى لم يصف جوهرها ولم يشرق عنصرها فهي النفس الناقصة البليدة، التي لا يمكنها تحصيل المعارف والعلوم إلا بمتوسط بشري يحتال في تعليمه وتعلمه" [الفخر الرازي: التفسير الكبير ].
العلم اللدني هو مصطلح مستمد من قصة الخضر وموسى -عليهما السلام- في القرآن، ويعني العلم الذي يمنحه الله مباشرةً لبعض عباده عن طريق الإلهام، دون الحاجة إلى التعلم الكسبي أو التفكير. ويرى الصوفية والمفسرون أنه علم الغيوب والإلهام الرباني، وأن النفس إذا طهرت من الذنوب وصُقلت بالطاعات، فإنها تكون مستعدة لتلقي هذه الأنوار الإلهية مباشرةً. ويفرق العلماء بين هذا العلم الكشفي والعلوم الكسبية التي تُكتسب بالدراسة والجهد.
ينقسم العلم إلى نوعين رئيسيين: العلم الشرعي والعلم العقلي.
التَّجلِّي هو ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب، بحسب الغزالي.
التجربة الصوفية هي حالة وجدانية وشخصية لا يمكن تعميمها أو إثباتها علميًا، وتعتمد على الحدس لا على الحس والعقل.