Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مفهوم الحرية لدى الصوفية

الكاتب

أ.د/ منى أبو زيد

مفهوم الحرية لدى الصوفية

الحرية عند السادة الصوفية لا تنحصر في الاختيار الحر، ولكنها تعنى تحرر النفس من الهوى، ومن التعلق بالدنيا ولذاتها. إن معنى الحرية لا ينفصل عن معنى العبودية، والحرية ليست في موقف عدم الاكتراث في الاختيار، ولكن عدم الاكتراث إزاء علائق الدنيا وأحوالها، فيستوي لدى الصوفي كل شيء من شدة ورخاء، أو منع وعطاء، ولا يفرح بموجود ولا يأسف على مفقود، فهو يتجرد من الرغبة في الدنيا، ويتهيأ للآخرة.

موقف الصوفية من الحرية وتعريفها لها

يختلف موقف الصوفية من الحرية عن أغلب الاتجاهات الباحثة في الفعل الإنساني، فقد أخذت عندهم موقفًا أكثر دلالة في بعدها الميتافيزيقي وظهرت معلمًا من معالم الهداية في السلوك الصوفي، وأصبحت لها مكانة مهمة في نسقهم الأخلاقي والتربوي، وهي تُعد عند البعض نهاية الطريق الصوفي، أو كما قال الجنيد (ت: ٢٩٨هـ/٩١٠م) لأن آخر مقام العارف الحرية.

فالحرية عندهم لا تقف عند حدود الاختيار الحر بين فعلين، ولكنها حرية ذات مفهوم خاص، تعني تحرر النفس من الشهوات، ومن التعلق بالدنيا وملذاتها.

والحرية عندهم كذلك معنى لا ينفصل عن العبودية، فهي لا تفهم إلا من خلال فهم العلاقة بين الله وعبده، فهي علاقة تحدد الصلة الجوهرية بين السيد والعبد، بين الله والإنسان. أو كما قال ابن عربي: "إن الحرية هي العبودية المطلقة".

ومن هنا كان للحرية عند الصوفية مفهومها الخاص، كما أن لها ارتباطًا بالعديد من الأفكار التي صرحوا بها، ولا نكون مبالغين إذا قلنا إن فهم معنى الحرية يرتبط بفهم الكثير من أفكارهم الخاصة؛ فالحرية حجر زاوية في نسقهم الفكري والأخلاقي.

 مفهوم الحرية لدى الصوفية: الحرية ضد العبودية، ولفظ "حُرّ" قد عُرِف قديمًا في الجاهلية، ليس على كونه ضد العبودية، بل على أنه مصطلح أخلاقي أيضًا، يدل على أولئك النبلاء في أخلاقهم وسلوكهم.

والمفهوم اللغوي لمعنى الحرية يرجع في أغلبه إلى معنى الخلاص من القيود، والانعتاق بتحطيمها، يقول الراغب الأصفهاني: "حررت القوم إذا أطلقتهم، وأعتقتهم من أسر الحبس، والتحرر جعل الإنسان حرًا" [انظر المفردات، الراغب الأصفهاني: تحقيق محمد السيد كيلاني صـ١١].

فالمعنى السائد للحرية بين العرب هو ما يقابل الرق والعبودية، فالحر نقيض العبد والحرة نقيضة الأمة، والجمع أحرار وحرائر، وحرره أي أعتقه، و"تحرير الولد" أن يفرده لطاعة الله -عز وجل - وخدمة المسجد، كما جاء ذكره في القرآن الكريم في قوله تعالى: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} [آل عمران: ٣٥] ومعناه اجعله خادمًا لك في معبدك [عبد الرزاق الكاشاني: لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام، معجم المصطلحات والإشارات الصوفية، تحقيق سعيد عبد الفتاح، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، ١٩٩٥م، جـ١، ص٤٨، ٤٩].

هذا عن المعنى اللغوي، أما المعنى الاصطلاحي فقد بناه الصوفية على التحرر من شهوات النفس، والتحرر عن كل ما سوى الله؛ فهو تحرر من عبودية الدنيا، وعبودية النفس، وعبودية الشيطان وهي "الخروج عن رق الكائنات، وقطع جميع العلائق والأغيار" [انظر الشريف الجرجاني: التعريفات، ص١٠٠، وأيضًا حمد النقشبندي الخالدي: معجم الكلمات الصوفية،ص٢٨].

والحرية عند الصوفية لها ثلاثة مفاهيم أو مراتب:

·  حرية العامة عن رق الشهوات.

· حرية الخاصة عن رق المرادات، لفناء إرادتهم عن إرادة الحق.

· حرية خاصة الخاصة عن رق الرسوم والآثار، لانمحاقهم في تجلي نور الأنوار. 

 ويقال كذلك "أنت حر مما أنت عنه آيس"، أي مستغنٍ، وعبد لما أنت له طامع"؛ لأن ما أنت له طامع آخذ بقلبك، فأنت له تطلب أَجَلَكَ. وما أنت عنه آيس، أنت عنه معرض بقلبك، فليس له شيء من وجودك، ويتجلى هذا المعنى في قول الشاعر:

العبد حر ما قنـــع          والحر عبد ما طمـــع

ويتبين من هذا المفهوم الاصطلاحي لمعنى الحرية لدى الصوفية الارتباط الوثيق بين الحرية والعبودية، فهم دائمًا يستخدمون مصطلح "العبد" للدلالة على الإنسان الملتزم بالحق وبالطريق الصوفي في مقابل مصطلح "السيد" للدلالة على الله تعالى.

الحرية والعبودية والتوحيد

يحمل مصطلح الحرية عند الصوفية ـ في طياته ـ معنى العبودية لله؛ فالحرية هي في كمال العبودية، وهي في التحرر عن كل ما سوى الله.

وقد أنشأ الصوفية الأوائل مصطلح الحرية رغبة في إخلاص العبادة، وإظهارًا لدقائق التوحيد، والتنزه عن دقائق الشرك، ووجوب التحرر من الاحتياجات النفسية والبدنية والدنيوية التي تستعبد الإنسان، ولهم في هذا المعنى عبارات كثيرة، منها: ما ذكره "الحكيم الترمذي" (ت: ٢٥٥هـ) أن دنيانا مبنية على العبودية، في حين أن العالم الآخر بُنِي علي الحرية، وهو ما صرح به كذلك "بشر الحافي" (ت: ٢٢٧هـ/٨٨٦م) بأن "من أراد أن يذوق طعم الحرية، ويستريح من العبودية، فليطهر السريرة بينه وبين الله تعالى"، وعلى نفس الدرب يسير "أحمد بن خمرويه" (ت: ٢٤٠هـ) معتبرًا أن الحرية في تمام العبودية" [أبو عبد الرحمن السلمي: طبقات الصوفية، تحقيق نور الدين شريبة، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط٢، ١٣٨٩هـ/١٩٦٩م، ص١٠٤] وفي تحقيق العبودية تمام الحرية.

وسُئِل الجنيد عن الحرية فأجاب قائلاً: "إنك لن تكون على الحقيقة عبدًا، وشيء مما دونه لك مسترق، وإنك لن تصل إلى صريح الحرية، وعليك من حقيقة عبوديته بقية، فإن كنت له وحده عبدًا كنت مما دونه حرًا.

ومن أقوال الصوفية في هذا المجال أيضًا، ما صرح به أبو الحسن بن بنان بأن "الحرية أن يكون السر ـ القلب ـ حرًا، إلا من عبودية سيده، يصح لك بذلك العبودية للحق، والحرية عن الخلق" [المصدر السابق، ص٣٩٠].

ويصرح "الحسين بن منصور الحلاج" (ت: ٣٠٩هـ/٩٢٢م) بأن "من أراد الحرية فليصل العبودية"، وقال "أبو علي الدقاق" (ت: ٤١٠هـ) "أنت عبد من أنت في رقه وأسره، فإن كنت في أسر نفسك فأنت عبد نفسك، وإن كنت في أسر دنياك فأنت عبد دنياك" [القشيري: الرسالة تحقيق د. عبد الحليم محمود، وآخر، القاهرة ١٩٦٦م، جـ١، ص٤٣٠].

وعلى نفس الدرب، يسير "السراج الطوسي"، قائلاً "إن الحرية ألا يملكك شيء من المكونات وغيرها فتكون حرًا إذا كنت لله عبدًا، فلا يكون العبد عبدًا حقًا، ويكون لما سوى الله مسترقًا" [الطوسي: اللمع تحقيق د. عبد الحليم محمود، وآخر، القاهرة، ص٢٥].

وقد استند الصوفية في هذا التصور إلى ما ورد عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- من دعوة التخلص من معبودات الدنيا، وأن التعلق بها على حساب عبودية الله استرقاق، فوجب على الإنسان التحرر منها، قال -صلى الله عليه وسلم-: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يُعط سخط".

فالحرية تعني عند الصوفية توحيد العبادة، وعدم الخضوع لأحد سوى الله، وهي قائمة على القاعدة الأساسية التي من أجلها بُعِثَ الرسل جميعًا، وهي إفراد الله بالعبودية.

وبهذا يتحقق الغرض الأساسي من وجود الإنسان، وهو العبادة، أو كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}  [الذاريات:٥٦].

فالصوفية تربط بين تصورهم للحرية ومفهومهم للتوحيد في العبودية، فالصوفي حُرّ إذا توحدت عبوديته لله، فإذا كنت له وحده عبدًا كنت عما دونه حرًا.

ويرتبط بكمال العبودية والحرية إسقاط التدبير، والتبرؤ من كل ما سوى الله، فالحرية هي الخروج عن رق الكائنات، وعن الدنيا بأكملها، أو كما يقول "إبراهيم بن أدهم" الحر من خرج من الدنيا قبل أن يخرج منها، وعلامة الحرية سقوط التمييز عن قلبه بين أمور الدنيا والآخرة، فلا يسترقه عاجل دنياه ولا آجل عقباه" [شمس الدين الرازي (ت٥٦٦) حدائق الحقائق، تحقيق وتقديم سعيد عبد الفتاح. مكتبة الثقافة الدينية. القاهرة، ٢٠٠٢م، ص١٤٣، ١٤٤].

ولأن مقام العبودية – الذي هو من أشرف المقامات – لا يتم إلا بترك التدبير لله، والصبر على البلوى، والتبرئ من الحول والقوة، والتسليم إليه، والوفاء له، والطاعة لأحكامه، فإسقاط التدابير هو مظهر عبودية الإنسان لله، ودليل على إقراره بربوبيته وتوحيده تعالى، ومن هنا كان للتوحيد صلة أيضًا بالحرية عند الصوفية.

الحرية والتوحيد: يتسم التوحيد عند الصوفية بالإقرار بكمال وحدانية ذاته تعالى، وأنه واحد لا شريك له في الذات والصفات والأفعال، فهو الفاعل والمدبر والمريد لكل شيء من الأعمال والحركات دون سواه.

وقد فهم الصوفية التوحيد بأنه انفراد الله – عز وجل – بالفعل في الوجود، كما انفردت ذاته بالأزلية، وبالمثل فهموا الشرك بأنه إشراك فاعل حقيقي آخر غيره معه في الوجود.

والتوحيد ـ عندهم ـ له مستويات، منها توحيد العامة، وتوحيد الخاصة، وتوحيد الصوفية، وهم خاصة الخاصة "فمن اعتقد أو علم بالدليل بأنه تعالى واحد، أو غلب على قلبه رؤية الحق، حين غفل الخلق فهو موحد" [الشيخ مصطفى العروسي: نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية للأنصاري الهروي، دار الطباعة، القاهرة، ١٢٩٠هـ، جـ٢، ص٣٩].

فمن حصل له التوحيد الأول فهو مؤمن، وهذا توحيد العوام، ومن حصل له الثاني فهو عالم، وهذا توحيد الخاصة أي العلماء، ومن حصل له التوحيد الثالث فهو من الصوفية، وهو أعلى درجات التوحيد.

والتوحيد كما فسره ابن القيم الجوزية (ت: ٧٥١هـ) هو أن يشهد انفراد الرب تبارك وتعالى بالخلق والحكم، وأنه ما شاء كان، وما لم يشاء لم يكن، وأنه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، وأن الخلق مقهورون تحت قبضته [ابن قيم الجوزية. مدارج السالكين، تحقيق د. عبد الحميد مدكور، مراجعة د. حسن الشافعي، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، ١٩٦٥م، جـ٢، ص١١٨].

وهذا ما أكده أيضًا "أبو طالب المكي" عندما عَرَّف التوحيد عند أهل المعرفة بأنه اعتقادهم أنه "لا فاعل حقيقة إلا الله -عز وجل- لأن حقيقة الفاعل هو الذي لا يستعين بغيره، وعندهم أن فعلا لا يتأتى من فاعلين، وإلا كان شركًا" [أبو طالب المكي: قوت القلوب، مكتبة المنسي بالقاهرة، جـ١، ص٩٦، وأيضًا فاروق أحمد حسن دسوقي: مشكلة الحرية عند الفلاسفة والصوفية في الإسلام ـ رسالة دكتوراه ـ كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة، ١٩٧٨م، ص٣٤٦].

وجعل الجنيد إطلاق المشيئة الإلهية والإيمان بذلك أصلاً من أصول التوحيد إذ إن التوحيد عنده هو "معرفتك أن حركات الخلق وسكونهم فعل الله – عز وجل – وحده لا شريك له، فإذا فعلت ذلك فقد وجدته".

وهذه العبارة الأخيرة تدل على اعتقاد الجنيد، ومعه الصوفية في التوحيد فليس هو مجرد إسقاط كثرة الأرباب، بل إسقاط الأسباب كذلك، فالموحد هو من لم يشرك مع الله أحدًا في تدبيره وحكمه وعلمه وأمره، وقضائه وخلقه، ورزقه وعطائه، وذلك لأن التوحيد هو الاعتقاد بانفراد الله – عز وجل –بالفعل وحده، حتى بالنسبة لخلق معاصي العباد.

الحرية والقضاء والقدر

قضية الحرية وعلاقتها بالقضاء والقدر من أهم القضايا التي تناولتها الرسالات السماوية، وقد عرضها القرآن في مواضع متفرقة، كما أنها من أكثر المسائل الفكرية التي أثارت نزاعًا فكريًا عقائديًا بين الفرق الإسلامية، بين اتجاه قائل بقدر يخضع له الإنسان في كل أفعاله، وبين اتجاه يرى أن الإنسان يصنع فعله، دون تقييد لحريته.

أما الصوفية، فقد أسسوا مفهوم القدر على توحيد الله وإفراده بالخلق والفاعلية، معتبرين في ذلك أن الإيمان بالقدر شعبة من شعب التوحيد، قال ابن عباس: "الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن كَذَّب بالقدر نقض تكذيبُه توحيدَه ومن آمن بالقدر صدق إيمانه توحيده".

وقد ذهب أوائل الصوفية إلى أن كل شيء بقضاء الله وقدرته، حتى أفعال العباد، وحُفِظ عن أكثر شيوخ الصوفية الأوائل ما يفيد إيمانهم بشمول القدر، وإحاطته لكل أفعالهم وعلى العبد أن يتيقن أن الضرر والنفع، والعطاء والمنع، والهدى والضلال، والسعادة والشقاء، كل ذلك بيد الله لا بيد غيره وأن كل ذلك مسجل في لوح محفوظ هو القضاء والقدر.

وقد فسر "الكاشاني" القضاء بأنه: حكم الله في الأشياء بمقتضى علمه بأحوال القوابل في الغيب، فإنه مطلع بذاته على أحوال كل عين من الأعيان مما يقتضيها ويقبلها إلى الأبد، وهي الأحوال التي عليها الأعيان حال ثبوتها، والقدر توقيت تلك الأحوال بحسب الأوقات، وتعلق كل واحد منها بزمان معين، ووقت مقدر بسبب معين.

فالقضاء لا توقيت فيه، والقدر تعيين كل حال في وقت معين لا يتقدمه ولا يتأخر عنه، فالقدر تفصيل القضاء وتقدير ما قضي بحسب الأزمان من غير زيادة ولا نقصان [فصوص الحكم لابن عربي بشرح الكاشاني، ص١٦١].

فالقضاء هو حكم الله العام المجمل، وهو كله خير، والقدر هو تفصيل ذلك الحكم العام المجمل؛ لأنه توقيت هذا الحكم وتخصيصه في الموجودات على نحو يؤدي إلى وجود عالم أفضل، والقضاء هو الحكم الإلهي الأزلي في الأشياء، وهو بمنزلة القرارات الإلهية الأزلية، والقدر هو توقيت وتفصيل لهذا الحكم الأزلي في الموجودات الخارجية، فهو بمنزلة القرارات الإلهية الحالية.

وهذا ما عبر عنه "ابن عربي" بقوله: "تعلقها ـ الذات العالية ـ بالأحكام قبل وقوعها يسمى قضاء، وتعلقها بوقت وقوع الحكم يسمى قدرًا".

ويقسم "ابن عربي" الأمر الإلهي إلى نوعين: أمر تكليفي، وأمر تكويني.

الأمر التكليفي الذي يخاطب الله به العباد فيطيعونه أو يعصونه، حسب مقتضيات أعيانهم الثابتة.

والأمر التكويني الذي يعبر عنه بالمشيئة الإلهية، وهو قانون عام يحكم الوجود، وبمقتضاه يسير كل شيء في الكون، حتى أفعال الإنسان.

وعلى هذا كل شيء في الوجود خاضع للأمر التكويني، سواء في ذلك الخير أو الشر، والطاعة أو المعصية، والإيمان أو الكفر، فإذا أتى الفعل موافقًا للأمر التكليفي سُمِي طاعة واستلزم الحمد، وإن أتى الفعل مخالفًا له سُمِي معصية، واستلزم الذم.

والفعل الإنساني في كلتا الحالتين عين الطاعة للأمر التكويني، والله يريد الفعل حتى وإن كان شرًا، ولكنه لم يأمر به، وإن كان يبدو من خير أو شر، كان مقدرًا منذ الأزل، وقد شاء الحق وجود هذا الخير أو الشر في العالم، والله يعلم الأشياء كلها، ويريدها كما يعلمها بما فيها أفعال البشر.

فما أخذ به الصوفية هو إثبات القدر الشامل المحيط، وإثبات العناية الإلهية للكون، شاملة ومحيطة لكل ما في الوجود "فلا يخرج عن قدرته مقدور، ولا يحصل في ملكه غير ما سبق به القضاء".

ولكن المشكلة تظهر للإنسان الذي يترتب على أفعاله عقاب في الآخرة؛ فما موقف الصوفية من المعاصي الإنسانية، هل هي من قدر الله وقضائه أم أن للإنسان مطلق الحرية في اختيارها وفعلها؟

يذهب سائر الصوفية إلى إثبات عموم القدر حتى يشمل أفعال العباد والسلوك الإنساني الخلقي، بما في ذلك المعاصي، ومن ثم تكون معاصي العباد بقدر الله وخلقه وليست واقعة بغير مشيئته أو مخالفة لإرادته التكوينية.

ويدخل "التستري" آية "الأشهاد" في مفهوم القدر، حيث يقول: "خلق الله الخلق على معرفته، وابتلاهم بنفسه"، ويفهم "الأشهاد" في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: ١٧٢] بمعنى أن الله ابتلاهم في عالم الذر، وزودهم بذلك بإيمان فطري، ثم أرسل الرسل بقوله تعالى:  {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء:١٥].

فاتصل العلم السماوي النازل بالوحي بالعلم الفطري المغروس في النفوس بالإشهاد، وهو سبحانه وتعالي قبل ذلك قد قهرهم بقدرته، وأنفذ فيهم مشيئته، وأجرى عليهم أحكامه، وهو القائم عليهم بملكه، وهو يفعل كل ما فيه خير للخلائق.

وكي نفهم هذه المسألة فهمًا صحيحًا لابد من معرفة موقف الصوفية من مشكلة تعليل أفعال الله، وينقل "الكلاباذي" (٣٨٠هـ/٩٩٠م) ما يراه معبرًا عن رأي الصوفية بقوله: "أجمعوا على أن الله تعالى يفعل بعباده ما يشاء، ويحكم فيهم بما يريد، كان ذلك أصلح لهم أو لم يكن؛ لأن الخلق خلقه، والأمر أمره، ولولا ذلك لم يكن بين العبد والرب فرق، لأن القول بالأصلح يوجب نهاية القدرة، ونفاد ما في الخزائن وتعجيز الله، لأنه إذا فعل بهم غاية الصلاح فلس وراء الغاية شيء، فلو أراد أن يزيدهم على ذلك الصلاح صلاحًا آخر لم يقدر عليه، تعالى الله عن ذلك" [الكلاباذي: التعرف لمذاهب أهل التصوف تحقيق د. عبد الحليم محمود، طه عبد الباقي، القاهرة، ١٣٨٠هـ/ ١٩٦٠م، انظر ص٥٠].

وغالبية الصوفية يوقنون أن لله في خلقه حكمة، وأن له في كل أفعاله سرًا، وإن خفي على الإنسان أنه في مقام الرضا بالقضاء، وليس ذلك عن تعظيم لله فحسب، بل عن يقين أن له في كل فعل لطيفة، ولهم إشارة خاصة إلى ما كان بين الخضر وموسى ـ عليه السلام ـ ليعبروا عن خيرية أفعال الله، وحكمته التي قد تغيب وتخفى على الكثيرين والغزالي (ت: ٥٠٥هـ/١١١١م] له كتاب اسمه "الحكمة في مخلوقات الله" يشير فيه إلى حكمة الله وإرادته للخير في كل ما خلق، وفي كل ما قضى وقدر [د. أحمد محمود صبحى: الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي، العقليون والذوقيون، أو النظر والعمل ـ دار المعارف مصر، ط٢، ص٢٢٣].

ويذكر "الكلاباذي": أن الصوفية قد أجمعوا أن جميع ما فعل الله بعباده من الإحسان والنعمة والصحة والسلامة والإيمان والهداية واللطف تفضل منه، ولو لم يفعل ذلك لكان منه جائزًا، وليس على الله بواجب.

ويؤكد "المكي" أن من شروط صحة إيمان العبد أن يصدق بجميع أقدار الله تعالى، خيرها وشرها، وأنها من الله تعالى سابقة في علمه، جارية في خلقه بحكمه، فلا حول لهم عن معصيته إلا بعصمته، ولا قوة لهم على طاعته إلا برحمته، وأنهم لا يطيقون ما لهم إلا به، ولا يستطيعون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا إلا بمشيئة الله، وليست معاصي العباد واقعة بقضاء الله ومشيئته وعلمه وحفظه فقط، بل هي واقعة وحادثة بخلقه أيضًا، فلا خالق إلا الله.

ويمكن القول إن الصوفية يجمعون على خلق الله - عز وجل - لأفعال العباد بما فيها المعاصي، ويفرد "الكلاباذي" فصلاً بعنوان "قولهم في القضاء والقدر وخلق الأفعال".      

وكانت نقطة الخلاف بين الفرق الباحثة في الفعل الإنساني تدور حول خلق أفعال العباد، هل هي من خلق الله تعالى أو من إحداث الإنسان؟ وانقسموا حينئذ إلى طرفين على طرفي نقيض، مذهب يثبت أن الإنسان مجبر في كل أفعاله، ولا حول ولا قوة له، وهو مذهب الجبرية، ومذهب آخر يثبت للإنسان قدرة واستطاعة، وهو مذهب القدرية، والغريب أن يقف الصوفية موقف نقد ورفض لكلا الاتجاهين، بل يوجهون نقدهم لكل منها، ومن هنا سنعرض موقف الصوفية من الاتجاهات الباحثة في الفعل الإنساني حتى يتسنى لنا معرفة موقفهم الخاص من الفعل والحرية.

موقف الصوفية من الجبرية والقدرية

أ- نقد الصوفية لمذهب الجبر: الجبر هو نفي الفعل حقيقة عن العبد، وإضافته إلى الرب تعالى.

والجبرية أصناف، فالجبرية الخالصة هي التي لا تثبت للعبد فعلاً ولا قدرة على الفعل أصلاً. والجبرية المتوسطة هي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة" [انظر الشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق الأستاذ عبد العزيز الوكيل جـ١، ص٨٥].

وممن ينطبق عليهم القول بالجبر الخالص، الجهمية، وهم أتباع "جهم بن صفوان".

ويذكر "ابن قيم الجوزية" موقف الجبرية، ويصفهم بأنهم يقولن: إنهم مجبورون على أفعالهم، وأنها واقعة بغير قدرتهم، بل لا يشهدون أنها أفعالهم البتة، ويقولون: إن أحدهم غير فاعل على الحقيقة، ولا قادر، وأن الفاعل فيه غيره، والمحرك له سواه، وأنه آلة محضة، وحركاته بمنزلة هبوب الرياح وحركات الأشجار [ابن القيم: مدارج السالكين، جـ٢، ص١٠٨، ١٠٩].

ويرفض كثير من الصوفية هذا الاتجاه، ويعتبرون أصحابه شرًّا من القدرية، وأشد عداوة لله، ومناقضة لكتبه ورسله ودينه.

وإن كانت هناك بعض الأقوال وردت عن عدد من الصوفية توحي بأن أصحابها من أهل الجبر. ولكن الغالبية العظمى من الصوفية ترفض أصحاب هذا الاتجاه، وترى أنهم أعداء الله حقًا، وأولياء إبليس.

ب- نقد الصوفية للقدرية: والقدرية هم الذين ينفون الجبر، ويثبتون للإنسان فعلاً وإرادة ومشيئة يكون بها الإنسان مسئولاً أمام الله عن أفعاله، وهؤلاء يشهدون "أن هذه الجنايات والذنوب هم الذين أحدثوها، وأنها واقعة بمشيئتهم دون مشيئة الله تعالى، وأن الله لم يقدر ذلك عليهم، ولم يكتبه، ولا شاءها، ولا خلق أفعالهم، وأن العباد خالقون لأفعالهم بدون مشيئة الله، فالمعاصي والذنوب خلقهم لا أنها خلق الله".

ويرفض الصوفية هذا الاتجاه أيضًا، لأن الله قد حكم في تقديره على عبده بما يبغضه سبحانه ويكرهه، ويلوم ويعاقب عليه، وأنه لو شاء لعصمه منه، ولحال بينه وبينه، وأنه سبحانه لا يُعْصَى قسرًا، ولا يكون في العالم شيء إلا بمشيئته [ابن القيم: مدارج السالكين، جـ٢، ص١١٣].

فلله تعالى حكمة في ظهور المعاصي والذنوب، وهي من الآيات والحكم التي خلقها الله، وقد تحل على الكثيرين، ويضرب "ابن القيم" عدة أمثلة على هذه الحكم التي قد تخفى على غالبية البشر، كما خفيت على سيدنا "موسى" عندما صاحب "الخضر" ـ عليهما السلام ـ ونذكر منها مثالاً واحدًا، وهو "أنه لولا المعصية من أبي البشر بأكله من الشجرة لما ترتب على ذلك ما ترتب من وجود هذه الموجبات العظام للرب تعالى، من امتحان خلقه وتكليفهم وإرسال رسله، وإنزال كتبه، وإظهار آياته وعجائبه، وتنويعها وتصريفها. فلو قُدِّر أن آدم لم يأكل من الشجرة، لم يكن شيء من ذلك.

نشأة مفهوم الحرية عند الصوفية

يكاد يكون التصوف المعتدل أصدق جوانب التصوف تمثيلاً للفكرة الصوفية لا من حيث اتساقه مع أحكام الشرع وتعاليم الدين فحسب، بل من حيث بعده عن الأصول الأجنبية إذا قورن بالتصوف الفلسفي، ومن ثم كان معبرًا عن تيار إسلامي.

ومن المؤكد أن التصوف تجربة ذاتية للصوفي، ومن ثم فإنه من المتعذر أن تجمع الصوفية وحدة فكرية تؤلف بين أفرادها مبادئ وأصول عامة، ولاسيما موقفهم من مشكلة الحرية، فالصوفية مختلفون بين اتجاهات ومذاهب، وتجارب خاصة ذاتية، وهو أمر يتقبلونه بصدر رحب، ولعل هذا هو مقصد رويم حين قال: "الصوفية بخير ما تنافروا، فإن اصطلحوا فلا خير فيهم" [انظرالفلسفة الأخلاقية، د. أحمد محمود صبحي ص٢٢١].

لم تُشكِّل الحرية عند أوائل الصوفية نظرية متكاملة، وإنما ظهرت لديهم في بعض العبارات وبعض الأبيات الشعرية، كما وجدت في الفكرة القائلة بأن الحياة سجن أو قبر لها مكان في تصوراتهم، وكان الموت يعني عندهم التحرر من هذه الحياة؛ لأن الموت يقربهم من الله أكثر.

وقد تبنى الصوفية هذه الفكرة، ففي اليوم الذي توفي فيه "داود الطائي" رأى أحدهم في منامه أنه سمعه يقول "الآن خرجت من السجن"، وهكذا يبدو العالم سجنًا للذين يحبون الله تعالى، والحياة ليست في الحقيقة إلا سجنًا متصلاً.

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المجال أنه على الرغم من اعتبار الحياة سجنًا والموت تحررًا، فإن حرية من هذا النوع لم تقد إلى أي شيء يرتبط بمصطلح الحرية وأبعاده أو مضامينه الدنيوية، وكان من المتوقع أن يصبح البعد الميتافيزيقي للحرية قضية تعني بها النظرية الصوفية.

ثم يبدأ الاهتمام بالحرية فيما بعد، ويأخذ حيزًا في كتاباتهم وأفكارهم وأشعارهم، فيخصص "القشيري" فصلاً للحرية في رسالته، وهو فصل سيكون له تأثير كبير فيمن جاء بعده؛ بل إنه في هذا الفصل يجمع كثيرًا من أقوال الصوفية السابقين عن الحرية [فرانز روزنتال: مفهوم الحرية في الإسلام، ص٩٣، ٩٤].

ومن أقوال الصوفية عن الحرية قول "الدقاق" (ت: ٢٩٠هـ ـ ٩٠٢م) "من كان في الدنيا حرًا منها كان في الآخرة حرًا منها".

وقيل للشبلي (ت: ٣٣٤هـ/٩٤٥م): ألا تعلم أنه رحمن؟ فقال: بلى، ولكن منذ عرفت رحمته ما سألته أن يرحمني.

ومقام الحرية عزيز، وكان "أبو العباس السياري" (ت: ٣٤٢هـ) يقول: لو صحت صلاة بغير قرآن لصحت بهذا البيت.

أتمنى على الزمان محـالا           أن ترى مقلتاي طلعة حـر

وقال "أبو علي الدقاق" (ت: ٤٠٦هـ/١٠٠٦م): "من دخل الدنيا وهو عنها حر، ارتحل إلى الآخرة، وهو عنها حر".

أما أقوال المشايخ في الحرية، فقال "الحلاج" (ت: ٣٠٩هـ/٩٢٢م): "إنك لا تصل إلى صريح الحرية وعليك من حقيقة عبوديته بقية".

وقال "بشر الحافي": (ت: ٢٢٧هـ/٩٨٦م): "من أراد أن يذوق طعم الحرية، ويستريح من العبودية فليطهر السريرة بينه وبين الله تعالى".

وقال "منصور بن إبراهيم المصري" (ت: ٣٠٦هـ/٩١٨م) في شعره:

مـــا بقي في الإنس حــر       لا ولا في الجن حــــــرّ

قد مضى حر الفـــريـقيــن      فحـــــلو الـــعيش مـــرّ

وقال "إبراهيم بن أدهم": إن الحر الكريم يخرج من الدنيا قبل أن يخرج منها، وأضاف: لا تصحب إلا حرًا كريمًا يسمع ولا يتكلم".

وكل هذه الأقوال لم تشكل لدى الصوفية نظرية متكاملة، ولم تشغل حيزًا مهما من كتاباتهم، باستثناء بعض الأقوال والحكم.

وظل الأمر على هذا حتى جاء "القشيري" الذي أفرد الحرية بباب خاص في رسالته وكان هذا غريبًا على صوفية هذا الزمان، فالكلاباذي (ت: ٣٨٠هـ/٩٩٠ق) الذي توفي في تاريخ مقارب لتاريخ وفاة القشيري، ووضع كتابًا حول الصوفية، لم يفرد الحرية بباب خاص، وهكذا فإنه لا يمكن أن نتوقع وجود معلومات وافية حول المصطلح من المؤلفين السابقين للقشيري.   

أما من جاء بعده، من أمثال الإمام الغزالي (ت: ٥٠٥هـ/١١١١م) فقد كان واضح التردد في حديثه عن الحر والحرية في كتابه "الإحياء" وقد أشار إلى المصطلح، وأدرك أبعاده الأخلاقية والسياسية، ويبدو أنه كان يعتبر الحرية قيمة في هذين المجالين فقط [المرجع السابق، ص٩٥].

وعند "ابن عربي" (ت: ١٢٤٠م) تناول موضوع "الحرية" في كتابه "الفتوحات المكية"، وأفرد لها صفحات تعدُّ قليلة، إذا قورنت بضخامة كتابه، وتأتى هذه المناقشة لفكرة الحرية في أثناء عرضه للحياء والذكر، كما تناول هذه الفكرة أثناء حديثه عن الحرية في مقابل العبودية، الأمر الذي أدى إلى بحث مفصل في مصطلحين آخرين، هما "الغنى والفقر" اللذان يرتبطان بالحرية ارتباطًا وثيقًا في نظر "ابن عربي"، ثم يخصص بعد ذلك فصلين آخرين للحديث عن "مقامات الحرية" ويخصص فصلاً آخر يتناول أبعاد الحرية.

وبعد أن دخل مصطلح "الحرية" في أدبيات الصوفية على يد "القشيري" أصبح إهماله على ما يبدو غير ممكن، وهكذا أصبح موضوعًا لنقاش دائم، وأصبح على كل صوفي بعد ذلك أن يُدْلِي برأيه في الحرية.

وقد ذهب بعض الغلاة من المنتسبين إلى التصوف إلى أن التحرر من أعباء الواجبات الدينية خطوة في طريق الحرية، وكان هناك ميل أحيانًا للاعتقاد بأن هناك حرية خاصة بمن يسمَّون الواصلين بالنخبة، تخول لهم حق التخلي عن العبادات المفروضة، كما تخول لهم حق ارتكاب بعض المعاصي" لكن بشكل عام، فإن السيطرة كانت للموقف المعتدل، الذي كان له موقف قريب من اتجاه أهل السنة من الخلق في الغالب، وأحيانًا يميل إلى الاتجاه السلفي وقد نلمح في بعض آرائهم بعضًا من الأفكار الأشعرية عن الكسب والاختيار وما إليها.

أركان الحرية الإنسانية

الحرية في الإسلام تعني بمصطلحات، مثل النية والقصد والإرادة، والاستطاعة والقدرة والاختيار والفعل والكسب والمسئولية، فكل هذه العناصر هي أركان الحرية، ولكي نفهم نظرية الحرية عند الصوفية لابد أن نلم بتصورهم لهذه الأركان أو العناصر.

١-النيـة: النية عند الصوفية ركن من أركان الإيمان، وهي عقد القلب، ويلزم منها الإخلاص لقبول العمل، معتمدين في ذلك على قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» فالنية هي فعل القلب واعتقاده، وهي في باطن الإنسان، وهي موضع النظر والعمل.

وقد تعارف الصوفية في أواخر القرن الثالث الهجري على مصطلح "القصود" ومعناه عندهم صدق الإرادات والنيات المقرونة بالنهوض إلى الله، قال "أحمد بن أبي الحواري (ت: ٢٣٠هـ): "من قصد في قصوده غير الحق، فقد عظمت استهانته بالحق" [السراج الطوسي: اللمع، ص٤٤٧].

فالنية الحسنة هي: أن يكون الإنسان يريد الله بجميع أعماله وأفعاله، وحركاته كلها ظاهرها وباطنها، فالإنسان مثاب في المقام الأول على إرادته، وما ينشأ عنها من قصود ورغبات ونيات، أما الحركات والسكنات التي تحدث في أعمال الجوارح وتنشأ عنها الأفعال، فهي عندهم فعل الله، والنية هي التي تكسب العمل النسبة إلى معاني الخير والشر.

ولعل الصوفية كانوا يقصدون بالنية توجيه الإرادة السابقة للعمل إلى هدف واحد مع اختلاف الأعمال والعبادات، وهذا الهدف هو رضاء الله تعالى وابتغاء محبته، ولذلك قالوا: إن النية "روح العمل" و"قلب المؤمن" والنية أول القصد والنية هي إرادة العاقل وغايته من عمله، فكأنها العلة الغائية في نفس وعقل الفاعل قبل أن يقوم بالفعل، والنية في باطن الإنسان وقلبه.

ومن ثم فهي، موضع نظر رب العالمين من سر العبد [المكي: قوت القلوب، ص١٧٦، وأيضًا فاروق أحمد حسن دسوقي: مشكلة الحرية عند الفلاسفة والصوفية في الإسلام، رسالة دكتوراة – كلية دار العلوم جامعة القاهرة ١٩٧٨م - ص٣٨١].

والتستري لا يعطي قيمة للعمل في حد ذاته، بل القيمة الخلقية تكمن في النية، فالعمل مع فساد النية مردود على صاحبه، والنية الخالصة مع تخلف العمل، بسبب عجز أو فقد استطاعة يجازى عليها المرء كمن أتم العمل سواء بسواء.

أما الإرادة التي يتم بها الفعل، والتي تعتبر النية نتاجًا خالصًا لها، فهي منسوبة للإنسان وهذا ينقلنا إلى موضوع الإرادة.

٢- الإرادة والاختيار: حرية الإرادة عند الصوفية تختلف اختلافًا كبيرًا عما لدى غيرهم، فهم يبدؤون الحديث عن الإرادة، ثم ينتهون بإسقاط الإرادة، ذلك أن كثيرًا من الصوفية يجاهدون أنفسهم ويترقون في الأحوال والمقامات بالإرادة، ثم في نهاية الطريق يفنون عن أنفسهم ليتحقق لهم البقاء بالله، وهم يسقطون تدبيرهم مع الحق، حتى يتولى الحق تدبير أفعالهم وأعمالهم، فهذا مرادهم من المجاهدة وهدفهم من الفناء.

ويثبت "القشيري" للإنسان إرادة، والإرادة عنده سابقة على كل فعل، بحيث يمكن اعتبارها علة، "وإنما سميت هذه الصفة إرادة، لأن الإرادة مقدمة كل أمر، فما لم يرد العبد شيئًا لم يفعل" [القشيري: الرسالة، ص٩٢].

والصوفية اعتدوا عمليًا بحرية الإرادة الإنسانية، بما يفرضونه على أنفسهم من أنواع المجاهدات والرياضات، وألوان الزهد والتقشف، وضروب العبادة والمناجاة، إلى غير ذلك من أنواع القربات. وهذا يعنى أن الإرادة عندهم هي: عنصر الحركة في الطريق، وأساس الوجود والمعرفة، بها يثبت الصوفي وجوده، ويبلغ مطلوبه، ويتصل بربه، فهي نقطة البدء ونقطة النهاية، لا يبدأ المريد إلا بها، ولا يمكن أن يصل بدونها، وهي من المتصوفة بمثابة العقل عند الفلاسفة، وما التصوف إلا ثمرة وجدان حي وإرادة قوية؛ فالذوق الصوفي ليس عملاً من أعمال العقل، وإنما هو مظهر من مظاهر الوجدان والإرادة، و"التجربة الصوفية كلها سلسلة من الحركات الوجدانية والإرادية، والصوفي أولاً وأخيرًا مريد" [انظر في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيق د. إبراهيم بيومي مدكور جـ٢، ص١٤٠].

وبعد أن يصل الصوفي بإرادته إلى هذا الطريق، عليه أن يتخلى عن إرادته لكي يترك كل شيء لله، فالله هو المريد في الحقيقة لكل شيء.

وقد قسم بعض الصوفية الإرادة إلى ثلاث درجات:

الدرجة الأولى: ذهاب عن العادات بصحبة العلم وتعلق بأنفاس السالكين مع صدق القصد، وخلع كل شاغل عن الإخوان ومشتت من الأوطان.

الدرجة الثانية: تقطع بصحبة الحال وترويح الأنس، والسير بين القبض والبسط.

الدرجة الثالثة: ذهول مع صحة الاستقامة، وملازمة الرعاية على تهذيب الأدب.

وقد ظن بعض السالكين من الصوفية أن الطريقة الكاملة للتصوف هي ألا يكون للعبد إرادة أصلاً، وهذا ليس ما عناه مشايخ الصوفية لما نادوا بالتجرد عن الإرادة، كقول "البسطامي": "أريد ألا أريد"، لما قيل له ماذا تريد؟

والصوفية لما توجهوا إلى مرضاة الله، فإنهم أرادوا لأنفسهم ما أراده الله لهم، ودعاهم إليه، فنبذوا الدنيا، وفضلوا الآخرة، يقول القشيري: "المريد في عرف هذه الطائفة من لا إرادة له فمن لم يتجرد عن إرادته لا يكون مريدًا" [القشيري: الرسالة، ص٤٣٣].

وهذا يدل على مدى تمسك الصوفية بإثبات الإرادة الإنسانية، لأن من لا إرادة له، لا يستطيع أن يتركها إرضاء لله، أما من له إرادة وتركها لإرادة الله، فهو الصوفي الحق، ولذا يقول "الواسطي": "أول مقام المريد: إرادة الحق -سبحانه وتعالى -بإسقاط الإرادة" [المصدر السابق، ص٤٧٣] وهذا المقام من أعلى مقامات الصوفية.

ومن هنا لزمت استقامة المريد العابد بإرادته واختياره على الطريق الذي اختاره الله له، مع الالتزام بأحكام العبودية، وهو ما أكده "الكلاباذي" قائلاً: "اختار المؤمن الإيمان وأحبه واستحسنه وأراده وآثره على ضده وكره الكفر وأبغضه واستقبحه ولم يرده، وآثر عليه ضده" [الكلاباذي: التعرف لمذاهب التصوف، ص٤٩].

إن كثيرًا من الصوفية يجاهدون أنفسهم، ويُفنون إرادتهم حتى يفنوا عن أنفسهم، ليتحقق لهم البقاء بالله، ويسقطون تدبيرهم، حتى يتولى الحق تدبير أفعالهم وأعمالهم، فهذا مرادهم من المجاهدة، وهدفهم من الفناء؛ لأن فناء العبد عن صفاته وإرادته، هو بقاؤه بصفات الله وإرادته.

ومن ثم ينصح الشيخ عبد القادر الجيلاني أحد أتباعه قائلاً: "افن عن الخلق بإذن الله تعالى، وعن هواك بأمر الله تعالى، وعن إرادتك بفعل الله تعالى، وحينئذ تصلح أن تكون وعاء لعلم الله تعالى" [عبد القادر الجيلاني: فتوح الغيب بهامش كتاب قلائد الجواهري في مناقب عبد القادر لمحمد بن يحيي الحلبي ـ مطبعة الحلبي، مصر ، ط٣ ١٣٧٥هـ/١٩٥٦م، ص٩].

وليس معني ذلك غياب الدور الإنساني أو الإرادة الإنسانية فيما يجريه الحق تعالى، وإنما هي اجتهادات من بعض الصوفية الذين ينسبون الفعل الإنساني لله تعالى، ولكنهم لا ينكرون إرادة الإنسان، ولا ينفون عنه صفة الإرادة، خاصة في بداية سلوك الطريق، أو خوض التجربة الصوفية.

وهذا تأكيد على أهمية المجاهدة النفسية في ترقي المقامات، والتحقق بالأحوال، فالإرادة هي: بدء طريق السالكين، وهي اسم لأول منزلة القاصدين إلى الله تعالى، وسميت هذه الصفة "إرادة" ، لأن الإرادة مقدمة كل أمر، فما لم يرد العبد شيئًا لم يفعله،

وهذا التضارب الذي قد يفهم من موقف الصوفية من الإرادة يجب أن يفهم على أساس: هل حديثهم عن هذه الإرادة في بداية الطريق الصوفي أم في نهايته؟

فإذا كان في بدايته فهم يؤكدون دور العبد في القيام بأفعاله وإرادته في ذلك.

وإن كانت لدى بعضهم عبارات وأقوال تنفي عن المريد إرادته وأفعاله فهي في مرحلة الفناء والبقاء مع الله.

٣- القدرة والاستطاعة: يفرق الصوفية في القدرة بين نوعين من القدرة، قدرة قديمة لله تعالى، وقدرة حادثة للإنسان، وهي كما يقول "عبد الكريم الجيلي": "القدرة قوة ذاتية لا تكون إلا لله، وهي صفة نفسية بها ظهرت الربوبية، والقدرة الموجودة فينا تسمى قدرة حادثة" [انظر الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل، عبد الكريم الجيلي ١٠/ص٥٧].

ويعتبر الصوفية أن إثبات الاختيار الحر مقوم أساسي في إثبات حرية العبد، ووقوعه تحت المساءلة، وتوقيع الجزاء في الآخرة، ونجدهم يثبتون مقومًا آخر من مقومات الحرية يتمثل في إثباتهم لاستطاعة الإنسان على تحقيق ما يختار وقدرته عليه. فهم علموا وأيقنوا أن الله استخلفهم في الأرض، وأنهم في دار اختبار وبلوى، وخلقوا للاختبار في هذه الدار، ومن ثم فإن الاستطاعة تظهر في المفهوم الصوفي من خلال فهمهم للغاية من خلق الإنسان ووجوده في هذه الأرض، لكي يحقق معنى الابتلاء.

فالله -سبحانه -أعطى العبد ومكَّنه، فأصبح قادرًا مستطيعًا فاعلاً، فأمره -سبحانه -بالتواضع واللين، فإذا تذكر العبد نعم الله عليه، وعلم أن حوله وقوته وقدرته واستطاعته من الله؛ زال عنه الكبر، ولزمه الخضوع والتواضع.

كما أنهم أثبتوا استطاعة الإنسان وعُلوه على ما دونه من المخلوقات المسخرة له، وأثبتوا للإنسان استطاعة خلقها الله له، هي استطاعة وقدرة حادثة، لكي تتم بها أفعاله، والجوارح الظاهرة هي أدوات الاستطاعة التي تُحوِّل الفعل من النية والقصد والإرادة الداخلية والاختيار، إلى التحقق الفعلي من خلال القدرة والاستطاعة، فتحول الاستطاعة والقدرة، والإرادة من حيز النية إلى حيز التحقق المادي الظاهري وتصير الإرادة لها فعل خارجي ظاهر وملموس، يحاسب عليه الإنسان، وبه يكتسب المدح أو الذم، الثواب أو العقاب.

يرى الصوفية كما حكى عنهم "الكلاباذي" أن "الاستطاعة يخلقها الله لهم مع أفعالهم، لا تتقدمها ولا تتأخر عنها، ولا يوجد الفعل إلا بها".

وفهم الاستطاعة على هذا النحو يبطل وصف الإنسان بأن له قوة مستقلة يفعل بها ما يشاء، مما لا يوحي بإمكانية حدوث فعل خارج عن قضاء الله وقدره، ولذلك فالاستطاعة ليست قبل الفعل، ولكنها مقارنة للفعل أي حينما يشتغل العبد بأمر ما يريده، ويهم بعمله، يهبه الله القدرة، ويخلق له هذا الفعل أيضًا.

وتحديد وقت مقارنة القدرة للفعل يحدد موقف المفكر من الجبر أو الاختيار، فهناك من رفض وجود تلازم بين القدرة والفعل، وكان هذا هو موقف الجبرية، وهناك من قال بسبق القدرة للفعل، وأنها هي المحدثة للفعل، وهي قدرة على فعل الضدين، وهذا هو موقف القدرية والمعتزلة، وهناك من قال بتلازم القدرة للفعل، وهم أهل الكسب.

أما الصوفية، فهي تثبت للإنسان قدرة، ولكنها ليست سابقة للفعل، وهي أيضًا ليست صالحة للضدين، بل هي قدرة على فعل واحد، وهي قدرة حادثة يخلقها الله للإنسان لحظة الفعل.

ومن هنا كان الصوفية أقرب في تصورهم إلى الأشاعرة القائلين بالكسب، وهذا راجع في أغلب الظن إلى أن كثيرًا من الصوفية كانوا من أصحاب الاتجاه الأشعري، مثل "القشيري" و"الغزالي"، ولذا يعبر القشيري عن هذا الكسب بقوله: "إن الله خالق أكساب العبد، والعبد مكتسب لأفعاله، وللعبد قدرة هي استطاعة تصلح للكسب، ولا تصلح للخلق والإبداع، فالله خالق غير مكتسب، والعبد مكتسب ليس بخالق" [الآراء الكلامية والصوفية للقشيري، رسالة ماجستير، إمام حنفي سيد عبد الله:  ص٢٥٦]،

والصوفية لا يعتبرون الاستطاعة البشرية هي الأعضاء والجوارح، بل هي عرض يرد على الإنسان من الخارج، فهي ليست قوة أو ملكة دائمة في النفس البشرية، ولا هي أيضًا سلامة الأعضاء، وهذا ما أكده الكلاباذي بقوله: "لو كانت الاستطاعة هي الأعضاء السليمة [الكلاباذي: التعرف لمذاهب أهل التصوف، ص٤٧] لاستوى في الفعل كل ذي أعضاء سليمة، ولكن هذه القوة متفاضلة بين الزيادة والنقصان، وفي وقت دون وقت، وهي غير باقية، ولا تصلح لأفعال متعددة.

ويستدلون على ذلك بقصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح وقوله تعالى على لسان العبد الصالح: {قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا}  [الكهف:٦٧]، ومعلوم أن ثمة استطاعات لأفعال أخرى قام بها موسى عليه السلام، وهناك أفعال أخرى ليست في استطاعته، ومن ثم فاستطاعة الإنسان ليست قوة أو قدرة ذاتية مستقلة ومصاحبة له طيلة حياته، بل هي واردة عليه من الخارج، حادثة فيه، وهي عارضة له.

وينفرد "التستري" عن سائر الصوفية في فهم الاستطاعة البشرية، حيث رأى أنها قبل الفعل وأثناءه وبعده، ولكنه مع ذلك يؤكد عدم استقلال الاستطاعة البشرية عن القدرة الإلهية، لأن الاستطاعة تكون خاضعة للإرادة الإلهية أثناء الفعل، وهذا حرص منه على تأكيد المسئولية الخلقية للإنسان.

وبصرف النظر عن اختلاف الصوفية حول الكسب، فإنهم يلتفون عند ضرورة تحرر النفس من التعلق بالأسباب، فذلك عندهم يتنافى مع صريح الحرية. 

وأخيرًا فالحرية عند الصوفية لا تنحصر في الاختيار الحر، ولكنها تعني تحرر النفس من الهوى، ومن التعلق بالدنيا ولذاتها، إن معنى الحرية لا ينفصل عن معنى العبودية، والحرية ليست في موقف عدم الاكتراث في الاختيار، ولكن عدم الاكتراث إزاء علائق الدنيا وأحوالها، فيستوي لدى الصوفي كل شيء من شدة ورخاء، أو منع وعطاء، ولا يفرح بموجود ولا يأسف على مفقود، فهو يتجرد من الرغبة في الدنيا، ويتهيأ للآخرة،

وهي أيضًا ليست حالة انفصال بين الإنسان وبين أسباب الحياة أو متع الدنيا، وإنما هي في البعد عن التعلق بنعيم الآخرة جزاء على الجهاد والعمل، فالآخرة وإن كانت خيرًا وأبقى، ففي طلب نعيمها أو خشية جحيمها مظهر آخر لرغبات النفس، ولكي يكون الإنسان حرًا فقط يجب ألا تستعبده أعراض الدنيا ولا أعراض الآخرة.

الخلاصة

الحرية في الفكر الصوفي تتجاوز مجرد الاختيار الحر، فهي تعني التحرر من شهوات النفس وقيود الدنيا، وإخلاص العبودية الكاملة لله. يؤمن الصوفية بأن الحرية الحقيقية تكمن في كمال العبودية، حيث يكون الإنسان حرًا من كل شيء سواه.

موضوعات ذات صلة

الوقت: مقدار من الزمان قُدِّر لأمر ما ، والوقت عند الصوفية عبارة عن العبد في زمان الحال أي عندما يتصل وارد من الحق بقلبه.

"الغيب" عند الصوفية هو ما ستره الله عن عباده ثم يكشفه ويمنحه لقلوب الأولياء الصادقين.

الإماتة تعني مفارقة الحياة.

موضوعات مختارة