Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المعرفة

الكاتب

أ.د/ محفوظ علي عزام

المَعـــرِفَــة

المعرفة، في الاصطلاح العام، هي إدراك الشيء بعد جهل به، ولهذا يُوصف الله بالعالم وليس بالعارف. أما عند الصوفية، فالمعرفة أعمق من مجرد العلم النظري؛ فهي علمٌ مقترنٌ بالعمل والحال؛ والعارف الحقيقي هو من عرف الله بصفاته وأفعاله، وأخلص في معاملته، وتطهر من الأخلاق السيئة، وصبر على قضاء الله.

معنى المعرفة والعارف

المعرفة في الاصطلاح: تعني إدراك الشيء على ما هو عليه، وهي مسبوقة بجهل، بخلاف العلم، ولذلك يسمى الحق تعالى بالعالم دون العارف [الجرجاني: التعريفات، مكتبة ومطبعة البابي الحلبي وأولاده، مصر، سنة ١٩٣٨م، ص١٩٧].

وتقال للإدراك المسبوق بالعدم، ولثاني الإدراكين إذا تخللهما عدم، ولإدراك الجزئي، ولإدراك البسيط، والعلم يقال لحصول صورة الشيء عند العقل، وللاعتقاد الجازم، المطابق الثابت، ولإدراك الكلي، ولإدراك المركب، والمعرفة قد تقال فيما تدرك آثاره، وإن لم تدرك ذاته، والعلم لا يقال إلا فيما أدرك ذاته، والمعرفة تقال فيما لا يعرف إلا كونه موجودًا فقط.

والعلم أصله أن يقال فيما يعرف وجوده وجنسه وكيفيته وعلته، والمعرفة تقال فيما يتوصل إليه بتفكر وتدبر، والعلم قد يقال في ذلك وفي غيره [أبو البقاء: الكليات ـ معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، مؤسسة الرسالة ـ بيروت سنة ١٩٩٢م، ص٨٦٨].

الفرق بين العلم والمعرفة عند أهل التصوف

وقد تناول الصوفية بالدراسة التفرقة بين العلم والمعرفة، فمنهم من سوى بينهما، ومنهم من فرق بينهما.

فالقشيري ـمثلًاـ يذهب إلى أن المعرفة هي العلم، فكل علم معرفة، وكل معرفة علم، وكل عالم بالله تعالى عارف، وكل عارف عالم [القشيري: الرسالة القشيرية ـ في علم التصوف ـ تحقيق معروف زريق وعلي عبد الحميد بلطجي، دار الخير، بيروت سنة ١٩٩١م، ص٣١١].

ويرى الهجويري أن علماء الأصول لم يفرقوا بين العلم والمعرفة، وقالوا: "إن كليهما سواء" غير أنهم قالوا: "يجوز أن يقال للحق تعالى عالمًا، ولا يجوز أن يقال عارفًا، لعدم التوافق" "أما مشايخ هذه الطريقة ـرضي الله عنهمـ فهم يسمون العلم المَقْرون بالمعاملة والحال ـوهو العلم الذي يعبر عن أحوالهم ـ بالمعرفة، ويسمون العلم المجرد من المعنى والخالي من المعاملة علمًا، ويسمون العالم به عالمًا، ومن يكون عالمًا بمعنى الشيء وحقيقته يسمونه عارفًا، ولذلك فإن أهل هذه الطائفة حين يريدون الاستخفاف بأقرانهم يسمونهم علماء، وهذا يبدو للعوام منكرًا، وليس مرادهم ذمهم بحصول العلم، بل مرادهم ذمهم بترك المعاملة، لأن العالم قائم بنفسه، والعارف قائم بربه [القشيري: الرسالة القشيرية ـ في علم التصوف ـ تحقيق معروف زريق وعلي عبد الحميد بلطجي، دار الخير، بيروت سنة ١٩٩١م، ص٣١١].

آداب للعارف الحقيقي ينبغي أن يتحلى بها

وللعارف الحقيقي آداب ينبغي أن يتحلى بها، منها:

الأدب الأول أن يقر الأشياء في محلها، ويسير معها على سيرها، فكل ما أبرزته القدرة فهو في غاية الكمال والإتقان، إن العارف لا ينكر شيئًا، ولا يجهل شيئًا، وقد قال بعض العارفين: "ليس في الإمكان أبدع مما كان".

والأدب الثاني من آداب الحضرة القدسية، ترك الرعونات؛ فمن آداب العارف أن يكون كامل العقل، ثاقب الذهن، ومن علامة العقل انتهاز الفرصة في العمل، ومبادرة العمر من غير تسويف ولا أمل، فالرسول r يقول: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني» فإحالة الإنسان العمل وتأخيره إلى وقت آخر يكون فيه فارغ القلب أو القالب من علامة الرعونة والحمق، وهو غرور «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ».

والأدب الثالث: إقامة العارف حيث أقامه الله؛ فمن آداب العارف الاكتفاء بعلم الله والاستغناء به عما سواه، فإذا أقامه الله تعالى في حال من الأحوال فلا يستحقرها ويطلب الخروج منها إلى حال أخرى، يقول سبحانه {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} [الإسراء: ٨٠].

والأدب الرابع: هو رفع الهمة عن الأكوان ودوام الترقي في مقامات العرفان.

والأدب الخامس: هو ترك الطلب من حيث هو، فالسكوت تحت مجاري الأقدار أفضل عند العارفين من التضرع والابتهال.

والأدب السادس: هو التسليم والرضا بما يجري به القدر والقضاء؛ وحقيقة الرضا: تلقي المهالك بوجه ضاحك، وحقيقة التسليم: استواء النقمة والنعيم، بحيث لا يحتار في أيهما يقيم.

والأدب السابع: هو دوام المراقبة ومواصلة المشاهدة؛ فمن آداب العارف ألا يستغرب شيئًا من تجليات الحق، ولا يتعجب من شيء منها، كائنة ما كانت، جلالية أو جمالية.

والأدب الثامن: هو أن يكون تصرفه بالله ولله من الله وإلى الله؛ فالحاصل أن تصرفات العارف كلها بالله عز وجل [ابن عجيبة: إيقاظ الهمم في شرح الحكم، تقديم ومراجعة محمد أحمد حسب الله، دار المعارف ـ القاهرة، ص٨٦ـ ١٠٢].

ويفرق ابن عجيبة بين "العارف" و"الفاني"، فهو يرى أن "العارف" يثبت الأشياء بالله، و"الفاني" لا يثبت شيئًا سوى الله، وأن العارف يقرر القدرة والحكمة، والفاني لا يرى فيه إلا الحق، فيقول: "ما رأيت شيئًا إلا رأيت الله فيه إلا القدرة" وأن العارف يرى الحق في الخلق، كقول بعضهم: "ما رأيت شيئًا إلا رأيت الله قبله" والعارف في مقام البقاء، والفاني مجذوب في مقام الفناء، والفاني سائر، والعارف متمكن واصل، ومن أحب الله لم يؤثر عليه شيئًا من حظوظه وهو نفسه، ولو كان فيه حتف أنفه، فالمعرفة أعلى المقامات، وقبلها الفناء [المرجع السابق، ص: ٣٧١].

مقامات العارفين ودرجاتهم

وللعارفين مقامات ودرجات يختصون بها دون غيرهم في حياتهم الدنيا فكأنهم قد خلعوا أبدانهم وتجردوا منها ذاهبين إلى عالم القدس، ولهم أمور خفية فيهم، وأمور ظاهرة عنهم، يستنكرها من ينكرها، ويستكبرها من يعرفها [ابن سينا: الإشارات والتنبيهات، القسم الثالث. [ص: ٢٢٥].

ومن هنا تحسن مجالستهم، وتطيب عشرتهم، فإن هذه المجالسة تدعو من يجالسهم من ست إلى ست: من الشك إلى اليقين، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الرغبة في الدنيا إلى الرغبة في الآخرة، ومن الكبر إلى التواضع، ومن سوء الطوية إلى النصيحة [ابن القيم: مدارج السالكين، جـ ٣، ص: ٣٦١].

وأول مقام في المعرفة ـ كما يقول سهل بن عبد الله التستري ـ أن يعطى العبد يقينًا في سره تسكن به جوارحه، وتوكلًا في جوارحه يسلم به في دنياه، وحياة في قلبه يفوز بها في عقباه [الكلاباذي: التعرف لمذهب أهل التصوف، ص١٦٥].

ويمكن القول بأننا لا نجد تعريفًا موحدًا للمعرفة عند الصوفية، بل اختلفت التعريفات عندهم باختلاف النظرة إلى الأمور، ولعل السبب في هذا أن التصوف تجربة مباشرة ذاتية، ومن ثم فكل واحد منهم يعرفها بحسب ما يجده في تجربته، وقد تتشابه التجارب وقد لا تتشابه ومن ثم تتخذ المعرفة الصوفية أسماء مختلفة بحسب الأشكال أو المراحل أو الأحوال التي تتحقق فيها النفس.

ولعل أول من تكلم في المعرفة الصوفية هو معروف الكرخي المتوفى في سنة ٢٠٠ هجريًا وهو من أوائل الصوفية [العبد (د. عبد اللطيف): التصوف في الإسلام، دار الثقافة العربية، القاهرة سنة١٩٨٦م، ص١٣٢] فهو من صوفية المائة الثانية من الهجرة.

أساس المعرفة وصفاتها

يمكن القول بأن الأساس الذي بنى عليه الصوفية نظريتهم في المعرفة والفناء، والتوحيد، هو "الميثاق" الوارد في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: ١٧٢].

فالميثاق هو أساس المعرفة، بحسب ما ننجده عند أهل التصوف في الإسلام، وفكرة الميثاق يشير إليها القرآن الكريم في كثير من آياته، ولكن الآية المعنية في هذا الصدد هي الآية التي ذكرناها هنا، وهذه المعرفة تتصل بالتجربة أكثر من اتصالها بالفكر والنظر والتأمل.

ولهذا اللون من المعرفة الخاصة يعزو الصوفية صفات معينة:

أولى تلك الصفات: أنها مباشرة وليست عن طريق وسائط عادية من وسائل التعليم المعروفة، فالصوفي لم يتلقها عن النقل والسماع، أو التعليم النظري، وإنما توصل إليها بالتجربة المباشرة، وتكاد تقول إن الصوفي هنا قد وجد لا قد علم، ولا يعني ذلك بالضرورة أن الصوفي في هذا يتلقى وحيًا مثل الأنبياء.

أما الصفة الثانية لهذه المعرفة، فهي أنها متجددة، ومن ثم فهي متغيرة؛ الأمر الذي يدل على أن هذه المعرفة تعكس نظر الصوفي أكثر مما تصور الحقيقة في كمالها وتمامها، ومن أجل هذا نجد الصوفية يقرون بالعجز التام عن اكتناه واستيعاب الحقيقة الإلهية، وأنه في نفسه أجل معرفة وأتمها، ولهذا أجاب ذو النون عن السؤال: كيف عرفت الله؟: "عرفت الله بالله، وعرفت ما سوى الله برسول الله" [نفس المرجع السابق].

ويذكر ابن القيم علامة المعرفة وأماراتها فيقول: من أمارات المعرفة بالله: حصول الهيبة منه، وهي توجب السكون، وأنس القلب بالله، وإحساس القلب بقربه من الله، وليس لعارف علاقة، ولا محب شكوى، ولا لعبد دعوى ولا لخائف قرار، ولا لأحد من الله فرار ومن كان بالله أعرف كان له أخوف.

ومن عرف الله ضاقت عليه الدنيا بسعتها، ومن عرف الله اتسع عليه كل ضيق، فإنه يضيق عليه كل مكان لا يُساعد فيه على شأنه ومطلوبه، ويتسع عليه ما ضاق على غيره، لأنه ليس فيه، ولا هو مساكن له بقلبه، فقلبه غير محبوس فيه، ومن عرف الله صفا له العيش، فطابت له الحياة، وهابه كل شيء، وذهب عنه خوف المخلوقين، وأنس بالله، وقرت عينه بالله، وقرت عينه بالموت، وقرت به كل عين، ومن لم يعرف الله تقطع قلبه على الدنيا حسرات، ومن عرف الله لم يبق له رغبة فيما سواه، ومن عرف الله أحبه على قدر معرفته به، وخافه ورجاه، وتوكل عليه، وأناب إليه، ولهج بذكره، واشتاق إلى لقائه، واستحيا منه، وأجلّه وعظمه على قدر معرفته به، وعلامة العارف أن يكون قلبه مرآة إذا نظر فيها الغيب الذي دُعي إلى الإيمان به، فعلى قدر جلاء تلك المرآة يتراءى فيها الله سبحانه، والدار الآخرة، والجنة والنار، والملائكة والرُسل صلوات الله وسلامه عليهم.

ومن علامات المعرفة: أن يبدو لك الشاهد، وتفنى الشواهد، وتنحل العلائق، وتنقطع العوائق، وتجلس بين يدي الرب تعالى، وتقوم وتضطجع على التأهب للقائه، كما يجلس الذي شدّ أحماله وأزمع السفر [جعفر (د. محمد كمال): التصوف طريقًا وتجربة ومذهبًا، دار الكتب الجامعية، سنة ١٩٧٠م، ص١٨٧، ٢٠٠، ٢٠١].

ومن علامات العارف أنه لا يطالب، ولا يخاصم، ولا يعاتب، ولا يرى له على أحد فضلا، ولا يرى له على أحد حقًا، ومن علاماته أنه لا يأسف على فائت، ولا يفرح بآت؛ لأنه ينظر إلى الأشياء بعين الفناء والزوال؛ لأنها في الحقيقة كالظلال والخيال، قال الجنيد: لا يكون العارف عارفًا حتى يكون كالأرض يطؤها البر والفاجر، وكالسحاب يظل كل شيء والمطر يسقي ما يحب وما لا يحب.

ومن علامات العارف أن يعتزل الخلق بينه وبين الله، حتى كأنهم أموات لا يملكون له ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا؛ ويعتزل نفسه بينه وبين الخلق، حتى يكون بينهم بلا نفس.

ومن علامات العارف أنه يستأنس بربه، يستوحش ممن يقطعه عنه، وقال ذو النون: "علامة العارف ثلاثة: لا يطفئ نور معرفته نور ورعه، ولا يعتقد باطنًا من العلم ينقضه عليه ظاهر من الحكم، ولا تحمله كثرة نعم الله على هتك أستار الله" [المرجع السابق، ص: ٣٥٦، ٣٥٧، ٣٥٨].

ذلك هو أساس المعرفة لدى الصوفية، وبعض صفاتها، وكذلك بعض صفات العارف.

وننتقل الآن إلى نقطة أخرى، ألا وهي أنواع المعرفة الصوفية.

أنواع المعرفة والعلم

نستطيع القول بأن هناك أنواعًا أربعة للمعرفة:

١- معرفة أصلية خلال لقاء سابق مع الله فيه ثبت الإقرار بالربوبية.

٢- معرفة مكتسبة نظريًا أو عقليًا، فيها يتوصل من الآثار إلى معرفة المؤثر.

٣-معرفة دينية أو تقليدية ترتبط بالشريعة أو الدين الموحى به من حيث التكاليف.

 معرفة مباشرة مؤسسة على التجربة، وهي في الواقع ليست إلا محاولة استعادة الشعور باللقاء السابق يوم الميثاق، باستدامة الإحساس بحضور الله وقيامه عز وجل على خلقه، تصديقًا لقوله سبحانه: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الرعد: ٣٣] ووفاء بالميثاق نفسه الذي قصد منه إثبات الربوبية والإقرار بها، وباستدامة الشعور بقرب الله وحضوره يستقيم العبد، فلا يصدر منه ـ وهو يعلم أنه بين يدي الله ـ إلا ما يقتضيه جلال هذا الحضور وروعته.

ولقد أشار القاشاني إلى ذلك صراحة عندما قال: "إن ما يقصد بالمعرفة هو أن تعرف شخصًا كانت بينك وبينه علاقة من قبل، فبعض الصديقين يحملهم لطف الله عز وجل إلى حضرته فيرونه بعد رؤيتهم إياه في يوم الميثاق" [القاشاني: كشف الوجوه الغرـ على هامش ديوان ابن الفارض، طبعة أولى سنة ١٣١٩هـ، ص١٠، ١١].

ويقسم محمد بن الفضل البلخي العلوم إلى ثلاثة أنواع: علم من الله، وعلم مع الله، وعلم بالله، أما العلم من الله فهو علم الشريعة وهو أمر وتكليف منه لنا، وأما العلم مع الله فهو علم مقامات طريق الحق، وبيان درجات الأولياء، والعلم بالله هو علم المعرفة الذي عرفه به جميع أوليائه، والمعرفة لا تصح بدون قبول الشريعة، وممارسة الشريعة لا تستقيم بغير إظهار المقامات [الهجويري: كشف المحجوب، ص: ٢١٠ـ ٢١١].

ويقسم بعض شيوخ الصوفية المعرفة إلى معرفتين: معرفة حق، ومعرفة حقيقة؛ أما معرفة الحق فهي إثبات وحدانية الله تعالى، على ما أبرز من الصفات، وأما معرفة الحقيقة فهي معرفة العارف بعجزه عن الإدراك، لامتناع الصمدية وتحقق الربوبية عن الإحاطة، وقد سئل الجنيد عن المعرفة فقال: هي تردد السر بين تعظيم الحق عن الإحاطة، وإجلاله عن الدرك، وقد سئل عن المعرفة فقال: "أن تعلم أن ما تصور في قلبك فالحق بخلافه [الكلاباذي: التعرف لمذهب أهل التصوف، ص: ١٥٨].

ويقسم الجنيد المعرفة إلى معرفتين: معرفة تعرّف، ومعرفة تعريف؛ أما التعرف فهو أن يعرفهم الله عز وجل نفسه، ويعرفهم الأشياء به، وأما التعريف فهو أن يُريهم قدرته في الآفاق والأنفس، ثم يحدث فيهم لطفًا: تدلهم الأشياء على أن لها صانعًا، وهذه معرفة عامة المؤمنين، والأولى معرفة الخواص، وكل لم يعرفه في الحقيقة إلا به [المرجع السابق ص: ٧٩].

كما يرى الهجويري أن معرفة الله تعالى على نوعين: أحدهما: علم، والآخر حال؛ وأن المعرفة العلمية هي قادة جميع خيرات الدنيا والآخرة، وأهم الأشياء للعبد في جميع الأوقات والأحوال معرفة الله جل جلاله فالمعرفة حياة القلب بالحق، وإعراض السر عما سوى الحق، وقيمة كل امرئ بمعرفته، ومن لا معرفة له لا قيمة له، فالناس من علماء وفقهاء وغيرهم سموا صحة العلم بالله: المعرفة، ومشايخ هذه الطائفة سموا صحة الحال بالله: المعرفة.  [الهجويري: كشف المحجوب، ص: ٥٠٩].

لكن ما وسيلة الصوفية إلى المعرفة التي تحدثنا عنها؟

وسيلة المعرفة

يعتقد الباحثون في مجال التصوف أن الوجدان "Intuition" أو البصيرة "Insight" أو الحدس هو أداة ووسيلة المعرفة عند الصوفية، ولكن الفحص الدقيق يرشدنا إلى أن وسيلة المعرفة غير مقصورة على أداة واحدة أو طاقة أو ملكة واحدة عند الصوفي، وعلى الرغم من التسليم مع المتصوفة بأن المعرفة تخضع للفضل الإلهي قبل كل شيء، فإنها لا تتخذ الوجدان وحده، أو البصيرة وحدها، أو العقل وحده وسيلة لمعرفتهم، إن المعرفة هي حصيلة مجموع الطاقات البشرية كلها، من روحية وعقلية وإرادية، وهي في جملتها مغامرة تتطلب تمهيدًا نفسيًا شاملا عن طريق الرياضات والزهد والمران الروحي المستمر والدربة العقلية الخاضعة لهذا النطاق الروحي الذي يترجم عن المستوى الذي وصل إليه نضج الصوفي، ومن هنا فإن جميع الفضائل الصوفية تندرج كلها بلا استثناء تحت تلك الوسائل، على تباين درجاتها وتعدد مراحلها.

فالكيان البشري كله مجند لينال تلك المعرفة؛ فيبذل ماله ونفسه وروحه وعقله من أجل تلك المعرفة، فالصوفية يطرحون أنفسهم بين يدي الله عز وجل، يقول بعض المتصوفة "أما العارف الذي طلب معرفة الله وقربه فإنه بذل ماله فأخرجه، ثم نفسه فباعها، ثم روحه فأباحها، فلو لم تكن جنة ولا نار لما مال ولا زال ولا فتر [أبو نعيم: حلية الأولياء، طبعة بيروت، جـ ١٠، ص: ١٩١].

المعرفة والكشف

قلنا إن المعرفة الصوفية تتخذ أسماء مختلفة بحسب المراحل أو الأشكال أو الأحوال التي تتحقق فيها النفس، فهم يقسمون أشكال المعرفة إلى ثلاثة أنواع: المكاشفة، والتجلي، والمشاهدة؛ وهذه الأشكال الثلاثة وإن كانت متميزة من ناحية الكيف، فإنها تختلط مع بعضه البعض؛ فقد يوجد في العبد اثنان منها في وقت واحد وفي مقام واحد. [الزين "سميح عاطف": الصوفية في الإسلام، ص: ٤٠٧].

والكشف في اللغة هو: رفع الحجاب، وفي الاصطلاح هو الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية وجودًا وشهودًا. [الجرجاني: التعريفات، ص: ١٦٢].

ويتحدث الغزالي عما يسميه "علم طريق الآخرة" فيقسمه إلى قسمين: علم مكاشفة، وعلم معاملة؛ أما علم المكاشفة فهو علم الباطن، وذلك غاية العلوم، فقد قال بعض العارفين: "من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف عليه سوء الخاتمة، وأدنى نصيب منه التصديق به وتسليمه لأهله" وقال آخر: "من كان فيه خصلتان لم يفتح له بشيء من هذا العلم: بدعة أو كبر" ومن كان محبًا للدنيا أو مصرًا على هوى لم يتحقق به، وقد يتحقق بسائر العلوم، وأقل عقوبة من ينكره أنه لا يذوق منه شيئًا.

وهو علم الصديقين والمقربين، وهو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة، وينكشف من ذلك النور أمور كثيرة كان يسمع من قبل أسماءها فيتوهم لها معاني مجملة غير متضحة، فتتضح إذ ذاك حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه، وبصفاته الباقيات التامات وبأفعاله، وبحكمته في خلق الدنيا والآخرة، ووجه ترتيبه للآخرة على الدنيا، والمعرفة بمعنى النبوة والنبي، ومعنى الوحي، ومعنى الشيطان، ومعنى لفظ الملائكة والشياطين، وكيفية معاداة الشياطين للإنسان، وكيفية ظهور الملك للأنبياء، وكيفية وصول الوحي إليهم، والمعرفة بملكوت السموات والأرض، ومعرفة القلب وكيفية تصادم جنود الملائكة والشياطين فيه، ومعرفة الفرق بين لمة الملك ولمة الشيطان، ومعرفة الآخرة والجنة والنار وعذاب القبر والصراط والميزان والحساب، ومعنى قوله تعالى: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: ١٤] ومعنى قوله سبحانه: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: ٦٤] ومعنى لقاء الله عز وجل، والنظر إلى وجهه الكريم، ومعنى القرب منه والنزول في جواره، ومعنى حصول السعادة بمرافقة الملأ الأعلى، ومقارنة الملائكة والنبيين، ومعنى تفاوت درجات أهل الجنان حتى يرى بعضهم البعض، كما يرى الكوكب الدري في جوف السماء إلى غير ذلك مما يطول تفصيله.

وللناس في معاني هذه الأمور بعد التصديق بأصولها مقامات شتى؛ فبعضهم يرى أن جميع ذلك أمثلة، وأن الذي أعدّه الله لعباده الصالحين ما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأنه ليس مع الخلق من الجنة إلا الأسماء والصفات.

وبعضهم يرى أن بعضها أمثلة وبعضها يوافق حقائقها المفهومة من ألفاظها، وكذا يرى بعضهم أن منتهى معرفة الله عز وجل الاعتراف بالعجز عن معرفته؛ وبعضهم يدعي أمورًا عظيمة في المعرفة بالله عز وجل.

وبعضهم يقول: "إن حد معرفة الله تعالى ما انتهى إليه اعتقاد جميع العوام؛ وهو أنه موجود عالم، قادر سميع بصير متكلم".

فالمقصود بعلم المكاشفة أن يرتفع الغطاء حتى تتضح له جلية الحق في هذه الأمور اتضاحًا يجري مجرى العيان الذي لا يشك فيه، وهذا ممكن في جوهر الإنسان لولا أن مرآة القلب قد تراكم صدؤها وخبثها بقاذورات الدنيا.

ويقصد بعلم الآخرة، العلم بكيفية تصقيل هذه المرآة عن هذه الخبائث التي هي الحجاب عن الله سبحانه وتعالى، وعن معرفة صفاته وأفعاله، وإنما تصفيتها وتطهيرها بالكف عن الشهوات، والاقتداء بالأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم في جميع أحوالهم، فبقدر ما ينجلي من القلب ويحاذي به شطر الحق يتلألأ فيه حقائقه ولا سبيل إليه إلا بالرياضة، وبالعلم والتعليم، وهذه هي العلوم التي لا تُسطر في الكتب، ولا يتحدث من أنعم الله عليه بشيء منها إلا مع أهله، وهو المشارك فيه على سبيل المذاكرة وبطريق الأسرار، وهذا هو العلم الخفي الذي أراده -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله تعالى، فإذا نطقوا به لم يجهله إلا أهل الاغترار بالله تعالى، فلا تحقروا عالمًا آتاه الله تعالى علمًا منه، فإن الله عز وجل لم يحقره إذا آتاه إياه» [رواه أبو عبد الرحمن السلمي في الأربعين له في التصوف، من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف].

وأما علم المعاملة، فهو علم أحوال القلب، ومنها ما يُحمد كالصبر والشكر والخوف والرجاء، ومنها ما يذم كخوف الفقر وسخط المقدور والغل والحقد؛ فهذه وأمثالها من صفات القلب مغارس الفواحش، وأضدادها، وهي الأخلاق المحمودة ـ فنبع الطاعات والقربات، فالعلم بحدود هذه الأمور وحقائقها وأسبابها وثمراتها وعلاجها هو علم الآخرة، وهو فرض عين في فتوى علماء الآخرة، [الغزالي: إحياء علوم الدين، جـ١، ص: ٣١، ٣٢]،

ومعرفة الله تعالى وصفاته وأفعاله وجميع ما أُشير إليه في علم المكاشفة، فلا يحصل من علم الكلام، بل يكاد أن يكون الكلام حجابًا عليه ومانعًا منه، وإنما الوصول إليه بالمجاهدة التي جعلها الله سبحانه مقدمة للهداية [المرجع السابق، جـ١، ص: ٣٤] حيث قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: ٦٩].

نماذج من تعاريف الصوفية للمعرفة

نماذج من تعاريف الصوفية للمعرفة:

· يقول عبد الله بن المبارك: "المعرفة أن لا تتعجب من شيء".

· ويقول ذو النون المصري: "حقيقة المعرفة إطلاع الخلق على الأسرار بمواصلة لطائف الأنوار".

· ويقول الشبلي: "المعرفة دوام الحيرة"، "العجز عن المعرفة معرفة".

· ويقول أبو يزيد البسطامي: "المعرفة أن تعرف أن حركات الخلق وسكناتهم بالله".

· ويقول محمد بن واسع: "من عرف الله قلّ كلامه ودام تحيّره".

· ويقول أبو بكر الواسطي: "من عرف الله انقطع، بل خرس وانقمع" [الهجويري: كشف المحجوب، ص: ٥١٦ـ ٥١٨].

وبعد، فهذه هي معرفة الصوفية وأساسها وصفاتها، وصفات العارف وآدابه، والفرق بين العلم والمعرفة، والعالم والعارف، وأنواع المعرفة وأقسامها وأشكالها، ووسيلتها، وصلتها بالكشف، مع إيراد نماذج متعددة لتعريفات الصوفية للمعرفة.

الخلاصة

تعتبر المعرفة في الاصطلاح الصوفي إدراكًا للشيء على حقيقته بعد جهل سابق، وتختلف عن العلم المجرد. فالصوفي لا يصف بالمعرفة إلا من وصل إلى حالة روحية يكون فيها عالمًا بالله، مخلصًا في معاملته، ومطهرًا من الأخلاق الرديئة، ومستسلمًا لأحكام الله.

موضوعات ذات صلة

يُعد مقام الرجاء من المقامات الروحية الأساسية في التصوف الإسلامي.

 الإنسان يجمع بين عالمين لا ينفصلان: ظاهر محسوس وباطن عميق، هذا التلاحم يُشكّل جوهر الوجود البشري والديني.

السير إلى الله يبدأ بتوبة متدرجة تنطلق من ترك المعاصي، مروراً بمرحلة "التخلية" من رذائل القلب و"التحلية" بفضائل الأخلاق والانقطاع عما سوى الله.

موضوعات مختارة