يمكن
القول بأن الأساس الذي بنى عليه الصوفية نظريتهم في المعرفة والفناء، والتوحيد، هو
"الميثاق" الوارد في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ
مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ
بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا
كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف:
١٧٢].
فالميثاق
هو أساس المعرفة، بحسب ما ننجده عند أهل التصوف في الإسلام، وفكرة الميثاق يشير
إليها القرآن الكريم في كثير من آياته، ولكن الآية المعنية في هذا الصدد هي الآية
التي ذكرناها هنا، وهذه المعرفة تتصل بالتجربة أكثر من اتصالها بالفكر والنظر
والتأمل.
ولهذا
اللون من المعرفة الخاصة يعزو الصوفية صفات معينة:
أولى
تلك الصفات: أنها مباشرة
وليست عن طريق وسائط عادية من وسائل التعليم المعروفة، فالصوفي لم يتلقها عن النقل
والسماع، أو التعليم النظري، وإنما توصل إليها بالتجربة المباشرة، وتكاد تقول إن
الصوفي هنا قد وجد لا قد علم، ولا يعني ذلك بالضرورة أن الصوفي في هذا يتلقى وحيًا
مثل الأنبياء.
أما
الصفة الثانية لهذه المعرفة، فهي
أنها متجددة، ومن ثم فهي متغيرة؛ الأمر الذي يدل على أن هذه المعرفة تعكس نظر الصوفي
أكثر مما تصور الحقيقة في كمالها وتمامها، ومن أجل هذا نجد الصوفية يقرون بالعجز
التام عن اكتناه واستيعاب الحقيقة الإلهية، وأنه في نفسه أجل معرفة وأتمها، ولهذا
أجاب ذو النون عن السؤال: كيف عرفت الله؟:
"عرفت الله بالله، وعرفت ما سوى الله برسول الله" [نفس المرجع السابق].
ويذكر
ابن القيم علامة المعرفة وأماراتها فيقول: من
أمارات المعرفة بالله: حصول الهيبة منه، وهي توجب السكون، وأنس القلب بالله،
وإحساس القلب بقربه من الله، وليس لعارف علاقة، ولا محب شكوى، ولا لعبد دعوى ولا
لخائف قرار، ولا لأحد من الله فرار ومن كان بالله أعرف كان له أخوف.
ومن
عرف الله ضاقت عليه الدنيا بسعتها، ومن عرف الله اتسع عليه كل ضيق، فإنه يضيق عليه
كل مكان لا يُساعد فيه على شأنه ومطلوبه، ويتسع عليه ما ضاق على غيره، لأنه ليس
فيه، ولا هو مساكن له بقلبه، فقلبه غير محبوس فيه، ومن عرف الله صفا له العيش،
فطابت له الحياة، وهابه كل شيء، وذهب عنه خوف المخلوقين، وأنس بالله، وقرت عينه
بالله، وقرت عينه بالموت، وقرت به كل عين، ومن لم يعرف الله تقطع قلبه على الدنيا
حسرات، ومن عرف الله لم يبق له رغبة فيما سواه، ومن عرف الله أحبه على قدر معرفته
به، وخافه ورجاه، وتوكل عليه، وأناب إليه، ولهج بذكره، واشتاق إلى لقائه، واستحيا
منه، وأجلّه وعظمه على قدر معرفته به، وعلامة العارف أن يكون قلبه مرآة إذا نظر
فيها الغيب الذي دُعي إلى الإيمان به، فعلى قدر جلاء تلك المرآة يتراءى فيها الله
سبحانه، والدار الآخرة، والجنة والنار، والملائكة والرُسل صلوات الله وسلامه
عليهم.
ومن
علامات المعرفة: أن يبدو لك الشاهد، وتفنى الشواهد، وتنحل العلائق، وتنقطع
العوائق، وتجلس بين يدي الرب تعالى، وتقوم وتضطجع على التأهب للقائه، كما يجلس الذي
شدّ أحماله وأزمع السفر [جعفر
(د. محمد كمال): التصوف طريقًا وتجربة ومذهبًا، دار الكتب الجامعية، سنة ١٩٧٠م،
ص١٨٧، ٢٠٠، ٢٠١].
ومن
علامات العارف أنه لا يطالب، ولا يخاصم، ولا يعاتب، ولا يرى له على أحد فضلا، ولا
يرى له على أحد حقًا، ومن علاماته أنه لا يأسف على فائت، ولا يفرح بآت؛ لأنه ينظر
إلى الأشياء بعين الفناء والزوال؛ لأنها في الحقيقة كالظلال والخيال، قال الجنيد: لا يكون العارف عارفًا حتى يكون كالأرض يطؤها
البر والفاجر، وكالسحاب يظل كل شيء والمطر يسقي ما يحب وما لا يحب.
ومن
علامات العارف أن يعتزل الخلق بينه وبين الله، حتى كأنهم أموات لا يملكون له ضرًا
ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا؛ ويعتزل نفسه بينه وبين الخلق، حتى يكون
بينهم بلا نفس.
ومن
علامات العارف أنه يستأنس بربه، يستوحش ممن يقطعه عنه، وقال ذو النون: "علامة
العارف ثلاثة: لا يطفئ نور معرفته نور ورعه، ولا يعتقد باطنًا من العلم ينقضه عليه
ظاهر من الحكم، ولا تحمله كثرة نعم الله على هتك أستار الله" [المرجع السابق، ص: ٣٥٦، ٣٥٧، ٣٥٨].
ذلك
هو أساس المعرفة لدى الصوفية، وبعض صفاتها، وكذلك بعض صفات العارف.
وننتقل
الآن إلى نقطة أخرى، ألا وهي أنواع المعرفة الصوفية.