Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التوبة

الكاتب

أ.د/ عبد الله الشاذلي

التوبة

التوبة: هي أساس التطهير الروحي والارتقاء في درجات القرب الإلهي، ورؤية السادة الصوفية للتوبة شاملة، تتجاوز الجانب الفقهي الظاهر لتغوص في أعماق النفس البشرية، فيبرز أن التوبة ليست مجرد فعل خارجي؛ بل هي رحلة داخلية تبدأ بتحرك روحي عميق، قد يكون موهبة إلهية أو جهدًا كسبيًا، وكلاهما متداخل.

الصلة بين التحرك الداخلي والتوبة

إن أقوى دافع يوجه نشاط الإنسان هو الذي يأتيه من داخله، وإن أشرق الأدلة سطوعًا تلك التي تصاغ من أعماقنا؛ وذلك لأن الإنسان في تلك الحالة يكون هو المقنع والمقتنع، والسلطة التي تدفعه، أو تدله هي شعوره الذاتي، ووعيه الداخلي، وبما أن كلًّا منا قد لا ينصاع بسهولة إلى النصائح أو الزواجر، أو الأدلة الواردة له من خارجه، فإنه بلا شك ينقاد بيسر إلى المرشد الذاتي عندما يتحرك، ويستجيب لدواعي نفسه، وهواتف ضميره بصورة تفوق كثيرًا تلك التي تفد عليه من خارجه، ومهما حاول الوعاظ بطرقهم، أو المستدلون بمناهجهم، فإن نجاحهم في العودة بالعاصي أو الكافر تكون محدودة إذا قيست ببواعثه الخاصة به التي تجرفه معها، وتقذف به حيث تريد ذاته، إن الأنَا هنا هي المؤثرة على ذاتيتها، والمرشدة لإنيتها، وبذلك استراحت الأنَا من مقاومة الآخرين تمسكًا بذاتها، إلا أنه لابد من توفيق الله يزجر داخله.

ولقد أوضح القشيري العلاقة بين الجهود الإنسانية الكاشفة للذات وبين الإصرار على ترك الماضي وما يحمل من ذنوب أو تقصير، مبينًا أن أول شيء وهو انتباه القلب من رقدة الغفلة، ورؤية العبد ما هو عليه من سوء الحالة قد أوصله بالتوفيق إلى زواجر الحق يسمعها في داخله بقلبه، فيفكر في ذميم ما يصنعه، ويبصر فساد ما هو عليه من قبيح الأفعال، وعندئذ تسنح في قلبه إرادة التوبة، والإقلاع عن المعاملة السيئة، فيمده الله بتصحيح العزيمة، والأخذ في جميل الرجعة، والتأهب لأسباب التوبة، فإن كان أمره كذلك تنحل عنده عقدة الإصرار على ما هو عليه من قبيح الأفعال، ويتوقف عن اجتناب المحظورات، ويكبح لجام نفسه عن متابعة الشهوات فيترك زلاته، ويعزم على ألا يعود إلى مثلها في المستقل، ويغمره الندم والتأسف على ما عمل، ويأخذ في التحسر على ما صنع وقدم من القبيح، عندئذ تتم توبته، ويلزمه أن يحافظ عليها بلا رجوع ولا فتور ولكي يظل ملازمًا لها عليه أن يجاهد، ويستبدل بمخالطته العزلة، وبصحبته لإخوان السوء الخلوة. [الرسالة].

هذا مع الصدق في السلوك، والقيام بالطاعات والقربات؛ وإلى هنا يكون القشيري أدق في التعبير عن الحالة النفسية للتائب بدءًا من انتباهه، ثم يقظته، ثم إرادته، ثم توبته، وإن كان لم يحدثنا عن أسباب الانتباه، أو مثيراته النفسية اللهم إلا ملمحة الخاطف الدال على أن الانتباه جاء إلى صاحبه من شعوره الخاص بالتقصير والغفلة، فهو إذا مثير داخلي أثار انتباه صاحبه إلى وضعه السيئ الذي هو عليه، فاستفاق واستيقظ، فعزم على التخلص من حاله، والإقدام على حال أحسن وأفضل وأرضى لله سبحانه، إنها أعظم لحظة تلك التي يكتشف فيها الإنسان ذاته، أو جانبًا من جوانبها ليأخذ بعد ذلك في تصحيح مسارها وتقويمها.

وشارك القشيري في هذا الاتجاه السهروردي البغدادي، الذي يرى أن التوبة لا بد في ابتدائها من وجود زاجر يكون مفتاحها ومبدأها، والزاجر يثير الانتباه، وإذ انتبه العبد من رقدة غفلته أدّاه ذلك الانتباه إلى التيقظ، فإذا تيقظ ألزمه تيقظه الطلب لطريق الرشد فيطلبه، وإذا طلبه عرف أنه على غير سبيل الحق، فيطلب الحق، ويرجع إلى باب توبته، فالبداية زاجر نفسي يؤدي إلى حال الانتباه، والثاني يؤدي إلى التيقظ والاعتبار، وبالتيقظ يتبين المريد خط السلوك ويقف على عتبة التوبة وأولها، ولكن السهروردي يعتبر الزاجر موهبة من الله باعتباره حالًا من الأحوال. [عوارف المعارف].

وإذا كان القشيري ومن معه يربطون بين الدوافع النفسية السابقة وبين التوبة التي جاءت نتيجة للكوامن المتحركة في الداخل؛ فإن الغزالي يجيء ربطه موافقًا لمنهجه في السلوك؛ هذا النهج الذي يبدأ بالعلم، ثم المقام، ثم الحال، إذْ دائمًا ما يكرر أن أول كل شيء علم، ووسطه مقام، ونهايته حال.

وتطبيقًا لهذا المنهج على حالتنا الراهنة، فإن السالك يلزمه معرفة عِظم ضرر الذنوب، وكونها حجابًا بين العبد وبين كل محبوب، فإذا عرف ذلك معرفة محققة بيقين غالب على قلبه ثار من هذه المعرفة تألم القلب من فوات المحبوب، فإن القلب مهما شعر بفوات محبوبه تألم وتحسر وندم، وإذا غلب هذا التألم على القلب واستولى انبعث من هذا الألم في القلب حالة أخرى تُسمى إرادة وقصدًا إلى فعل له تعلق بالحال وبالماضي والاستقبال، أما تعلقه بالحال: فبالترك للذنب الذي كان ملابسًا، وأما بالاستقبال: فبالعزم على ترك الذنب المفوت للمحبوب إلى آخر العمر، وأما بالماضي: فبتلافي ما فات بالخير والقضاء لما تركه من الفرائض وما غفل عنه من النسك. [إحياء علوم الدين]

وبالنظر في الخطتين ندرك أن خطة القشيري ومن وافقه قامت على الدوافع النفسية والمثيرات الداخلية وحدها، وأنها تسلسلت من الزاجر الى الانتباه إلى اليقظة إلى الإرادة إلى التوبة، أما الغزالي فقامت على العلم والمعرفة بخطر الذنوب، وعِظم حجبها وإبعادها عن الله المحبوب، وقد أدت تلك المعرفة إلى التوبة والإقلاع، ولست أرى إلا أن كلا من الخطتين يُكمل الآخر، بحيث إذا ضممناهما معًا أدتا إلى المطلوب والمقصود كله، وذلك لأن المثير للانتباه وما يتبعه عند القشيري هو شيء داخلي نفسي، والأمر قد يكون كذلك حقيقة، وقد يكون المثير خارجًا كالعلم بواسطة آلاته من الوعظ، أو الإرشاد، أو التعلم والقراءة إلى آخره، وهو جناح آخر لإثارة الانتباه وضحه كما رأينا الغزالي.

ثم جاء بعد ذلك عماد الدين الحموي، فجمع بين الخطتين عندما بين أن القومة لله في قوله سبحانه: {قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ} [سبأ: ٤٦] تكون بسبب وبلا سبب، أما التي بلا سبب فهي نفحة من نفحات الرحمن وجذبة من جذباته، وقد تقع تلك الحالة جريانًا على اللسان في لحظة من اللحظات حتى ولو كان صاحبها غافلًا، مثلما وقع لـ (تحفة العابدة) حين غدت يومًا وهي تضرب بعودها وكانت ما تزال في المعصية غارقة قالت:

                   خاطبني الحقُّ من جَنابٍ         فكان وَعْظي على لساني

                   أَجَبتُ لما دُعِيتُ طَـْـوعًا          مُلَــبِّيًا للــــذي دعــــــــانــي

فتنبهت وتابت من وقتها.

لقد تحولت النفس فجأة تحت تأثير الدافع الخفي الذي حول صياغة الشعر من تعلق بمحبوب فانٍ إلى المحبوب الأقدس -جل جلاله-، وما كان في حسبان (تحفة) أن تفعل أو تقول ذلك لكن القذف أُلقى في روعها فنطقت بمراد المحبوب وهي متلبسة في حال الجفوة والبعد، وذابت إرادة الهوى الشهواني في إرادة الجذب الرباني، ولم يستطع المقهور مخالفة القاهر فنطقت العابدة بما أراد المعبود.

وقد يكون المثير للانتباه تأملًا باطنيًا من الشخص ذاته، وهو الذي اتجه إليه القشيري، فليس ثَمَّ دافع أجنبي، على أن السهروردي اعتبر الزاجر الأول موهبة وتوفيقًا من الله، ونداء داخليًا، وكثيرًا ما يكون السبب خارجيًا متمثلًا في وعظ، أو سماع آية، أو حديث، أو قولة حكيمة ينتبه على أثرها المريد، فيتوب كما حدث لشقيق البلخي، والفضيل بين عياض، والشبلي، ومحمد بن عيسى الوزير، وغيرهم. [حياة القلوب هامش قوت القلوب]

وأيًّا ما كان الانتباه بلا سبب فإن تحركًا داخليًّا يتم ويقذف بصاحبه إلى مرفأ السلامة في التوبة، ومن هذا الباب يدخل العبد إلى ساحة الرحمات الربانية، ومنها إلى درجات القرب الإلهي، وإن كنت أقول إن تلك الدوافع النفسية المشار إليها لا تنتهي عند البدايات؛ بل ينبغي أن تستمر معه في سائر أحواله؛ لأنها إذا دفعته للخروج من الذنوب فيجب أن تلازمه لتخرجه من الغافلات؛ ولهذا السبب يرد ذكرها في حال الوسط السلوكي، ولدى أرباب النهايات، وعند المتحققين.

السمات العامة لفقه التوبة

رأينا في الفقرة السابقة كيف غاص الصوفية في أعماق النفس يُبصرون حركتها، ويُرتبون دوافعها ترتيبًا متسلسلًا منتجًا ومثمرًا، ثم هم بعد ذلك يطفون على السطح، ويتناولون الأثر النفسي الذي بدا على السلوك في صورة مقام وفعل هو التوبة بالتحليل تعريفًا وتنويعًا، ودرجات وشروطًا، ويُبصرون المريدين بصحة هذا المقام وشموله، ويُبينون لهم أنهم إن استقاموا على جادته ذاقوا من خلاله مذاقات روحية رقراقة، ونستطيع أن ندرك بوضوح أنهم علماء نفس غواصون، وأن بحوثهم ذات طابع نفسي ملحوظ، ثم إنهم فقهاء يَتدبرون جيدًا أحكام الصفات والمقامات اللازمة للسلوك، ويخرجون منها فقهًا باطنيًا يختصون به، يساير ويتماشى ضرورة عندهم مع أحكام الفقه الظاهر ولزومه، فبدون الظاهر ودقته، والباطن وإخلاصه ورقته لا يصل السالك إلى مطلبه، وفي النهاية يستروحون مع المذاقات الروحية التي جاءت نتيجة التطبيق الدقيق للفقهين السابقين، فيشيرون إلى أحوال ومشارب متعددة ترد مع كل مقام، وسوف نتبين تلك السمات من خلال مقام التوبة الذي نتناوله هنا.

وإنما أثرنا ذكره في معرض مراحل سلوك المريدين دون بقية المقامات من ورع إلى آخره؛ لأنه بداية السلوك، وباب الطريق، وكلها تتبعه، وبدون التوبة لا يقبله شيخ، ولا يلبس المُرَقَّعة، ولا ينخرط في سلك المريدين.

التوبة عتبة السلوك

اتفقت كلمة الصوفية على أن التوبة هي الخطوة الأولى التي يخطوها أي إنسان يحاول التوجه إلى الله على طريق الإسلام العام، أو بشرائط طريقهم الخاص، فأبو يعقوب السوسي يقول: "التوبة أول مقام من مقامات المنقطعين إلى الله تعالى" [اللمع]، ويقول القشيري: "إنها أول منزل من منازل السالكين، وأول مقام من مقامات الطالبين" [الرسالة] ويعتبرها الهجويري كذلك، ويشبهها بالطهارة في كونها أول درجات المتقربين إلى الله بالعبادة؛ لكن التوبة طهارة باطنية، وما يلزم للعبادة طهارة ظاهرية [كشف المحجوب]، ويركز السهروردي على أصالته لكل مقام وحال، ثم يقول: "وهي بمثابة الأرض للبناء، فمن لا أرض له لا بناء له، ومن لا توبة له لا حال له ولا مقام له" [عوارف المعارف].

ونلحظ تعبيرين في أقوال الصوفية الدالة على بداية التوبة.

أولها: يرى أنها أول منزل.

وثانيها: يصرح بأنها أول مقام.

والفرق كبير بينهما: فكونها أول منزل يتجه إلى توبة المريد في بداية سلوكه قبل أن يختار الشيخ، وقبل أن يأخذ العهد ويلبس الخرقة الخاصة بشيخه، فلا يُقبل عندهم إلا بالإقلاع عن الذنب والعزم على الترك، أما من ينطق بكونها أول مقام، أو حال فيقصد توبة الطالبين، أو المتفرغين إلى الله، والمتجهين نحوه اتجاهًا خاصًا، فيظل قائمًا في التوبة حتى يتحقق بها، وبما تشتمل عليه من مقامات أخرى، ولذلك جاءت عبارة القشيري جامعة بين التوبتين: توبة البادئين بداية أولية، والأخرى: الخاصة بالمنقطعين والمتجردين، والأولى: من الذنوب، والثانية: من الغفلات والحجب، والأولى: تشبه الطهارة الفرضية، والثانية: وضوء على وضوء لزيادة النور والرغبة في شدة للطهارة.

جولة في حقيقة التوبة

التوبة من الكلمات القلائل في اللغة العربية، التي انصرفت بكل اشتقاقاتها إلى معنى واحد لا تتعداه، وهي تحدد تحديدًا قاطعًا علاقة بين طرفين: أحدهما: أعلى وهو الله، والآخر: أدنى وهو العبد، في فعل معين صدر من الأدنى يسيء إلى علاقته بالأعلى ويغضبه، بحيث إذا استعملت الكلمة مع العبد اتجهت إلى الذنب رجوعًا عنه، وإذا سيقت مع الحق كانت عفوًا منه عن المذنب، فيقال: تاب إلى الله توبة، وتوبًا، ومتابًا، وتاب رجع عن المعصية، وتاب الله عليه أي: قبل توبته ورجع عليه بفضله وعفوه، والعبد تواب أي كثير الرجوع، والله تواب أي: واسع الفضل والعفو، والتائب هو العبد إذا بذل التوبة، والله تائب لقبوله إياها ورجوعه عن عقوبته ومجازاته بالعذاب، [القاموس المحيط، أقرب الموارد، المعجم الوسيط].

ولما كانت متوحدة المعنى محصورة في مجال الذنب رجوعًا عنه من العبد، وجدنا كل من يعرفها يدور حوله لا يتخطاه وإن أشار في تعريفه إلى ما يتصل بالترك نفسًا، أو فعلا ظاهرًا، أو شرطًا أو سببًا أو حكمًا، أو ردًّا لحقوق، أو قضاءً لفوائت، أو تعويضًا عما مضى من تقصير، فالمهتمون باللغة كالراغب في مفرداته يقولون: (التوبة ترك الذنب على أجمل الوجوه)، ويعني بأجمل الوجوه: أبلغها في وجود الاعتذار، وذلك لأن الاعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر لم أفعل، أو يقول فعلت لأجل كذا، أو فعلته وأسأت وقد أقلعت [المفردات]، وهذا أفضلها وأنسبها في حق الله سبحانه، وعرّفها أصحاب المعجم الوسيط بأنها: "الاعتراف والندم والإقلاع والعزم على ألا يعاود الإنسان ما اقترفه" [الوسيط] من الذنب، وذكر الاعتراف وما بعده يجعل الرجوع على أكمل الوجوه كما حدده الراغب في عبارته المختصرة.

حقيقة التوبة من جهة العلم

ولمشايخ الطريق مسلكان في بيان حقيقتها، أو تعريفها، أحدهما من جهة العلم، والآخر من نسائم الذوق.

(أ) أما الذي هو حد العلم: فإن الصوفية بينوا بصورة قاطعة المراد بالقبيح المذموم بالذنب الذي يرجع صاحبه عنه، وأفصحوا عن مذهبهم في أن الذم، أو المدح ما كان من جهة الشرع لا غير، فقالوا على لسان أبي يعقوب السوسي، والقشيري، واليافعي بأنها: (الرجوع عما كان مذمومًا في الشرع إلى ما هو محمود فيه)، أو (الرجوع عما نهى الله عنه إلى الطيب من أمر الله)، وقد تستخدم كلمة العلم ويراد بها الشرع -كما هي عادة الصوفية في استخدامهم-، وكأنهم لتحمسهم للشرع لا يرون علمًا يستأهل هذا الإطلاق إلا ما أوحاه الله إلى نبيه، ولذا قالوا هي: (الرجوع عما ذمه العلم إلى ما مدحه العلم) [اللمع، والرسالة، طهارة القلب، نشر المحاسن الغالية، القصد والرجوع إلى الله]، فإذا جاءت بعد ذلك عبارات تحمل الدعوة لترك الصفات المذمومة إلى الصفات المحمودة حُمل الذم والمدح على الشرع لا العقل، ثم توالت تعريفاتهم مشحونة بأنين الباطن والتبرم من المعصية، أو تدل على ما يجب فعله ظاهرًا بعد الرجوع عنها.

ويبدأ الحس الباطني مستشعرًا مرارة الندم من المعصية، من ثم دخل هذا الشعور في تعريف الجنيد إذ قال: "التوبة على ثلاثة معان: أولها الندم، ثم العزم على ترك المعاودة إلى ما نهى الله عنه، ثم السعي في أداء المظالم" [الرسالة، القصد].

وقريب منه ما قاله محمد بن موسى المكنى بأبي جعفر أو أبي بكر، والندم حالة تنتاب الإنسان من جراء قلة النفع في المعصية، وسوء العاقبة لها، ومن تفويت المنفعة العاجلة والآجلة للطاعة، والقلب عادة ما يتبرم بالذنب، ويطمئن إلى البر، والندم في تلك الحالة ذو طابع باطني نفعي، ويتصل بخوف العبد من العقاب، أو رجائه في الثواب.

التوبة والحياء من الله تعالى

وقد يشتد في النفس فتذوب الحشاشة، ويتصدع القلب وتشتعل في الكبد نيران التألم والتحسر، فيقولون: (التوبة ذوبان الحشا لما سبق من الخطأ)، أو هي: (نار في الكبد تلتهب، وصدع في القلب لا ينشعب)، ولكن العبد قد يرتقي في معاملته الباطنية، فينتقل من النفعية المتحسرة على فوت، أو الطامعة في آت إلى حسن الصلة بالله، ونشدان الشعور الباطني مع الحق جل جلاله حياء، أو رغبة فيه، أو رهبة منه، أو فرارًا من الجفوة معه، وإقبالًا على الوفاء له، أو مستعظمًا جراءته بالمعصية تحت سمع الله وبصره وإحاطة علمه، من هنا تعرف حالته في توبته بأنها: (الحياء العاصم والبكاء الدائم)، أو أن التوبة (قود النفس إلى الطاعة بخطام الرغبة، وردها عن المعصية بزمام الرهبة) وهي كذلك: (خلع لباس الجفاء ونشر بساط الوفاء) [طهارة القلوب]، وما يزال هذا الشعور يضغط على باطن الإنسان حتى تضيق عليه نفسه، وتضيق عليه البسيطة بما رحبت كحال كعب بن مالك، ومُرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، حينما تخلفوا فينزل فيهم قول الله تبارك: {وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ} [التوبة: ١١٨]، وعن تأثير هذه الحالة عرّف ذو النون المصري التوبة قائلًا: (حقيقة التوبة أن تضيق عليك الأرض بما رحبت حتى لا يكون لك قرار، وتضيق عليك نفسك...)، [الرسالة] ثم ساق الحادثة والآية.

واجبات التوبة

ويبقى من مسلك الصوفية العلمي في بيان حد التوبة أن نسوق طرفًا من التعريفات التي أشارت إلى ما يجب على التائب عمله في الظاهر من فعل الطاعات وغيرها، وإليها أشار الدريني في تعريفه بأنها (المبادرة إلى الخيرات، وقضاء الواجبات، ورد الظلمات، والعزم على إصلاح ما هو آت) [طهارة القلوب]، والتعريف من الشمول بحيث لا يحتاج إلى تفصيل، ومما يدخل في باب العلم ظاهرًا ما جاء على لسان الغزالي في منهاج العابدين أنها: "ترك اختيار ذنب سبق مثله عنه منزلة لا صورة تعظيمًا لله تعالى وحذرًا من سخطه" [المنهاج، نشر المحاسن الغالية].

ووجه تعلق هذا التعريف بظاهر الإنسان لا بباطنه أنه متصل بالترك والاجتناب وهما ظاهريان، كما أنه يرتبط بقدرة الإنسان قوة وضعفًا، فصاحب القوة والنشاط بترك الذنب صورة لقدرته على فعله، والشيخ الهرم نظرًا لضعفه قد لا يقدر على فعل كان يفعله كالزنى والسرقة، فيترك مثله منزلة لا صورة عند ضعفه، والمثلية في المنزلة تعني المساواة في الإثم وإن تفاوت بحسب الذنب، فالذنوب كله معاصٍ وآثام، وإن اختلفت في درجة الإثمية.

التوبة عند الإمام الغزالي

والغزالي يربط الحالة الباطنية بالفعل الظاهر في هذا المسلك رباطًا دقيقًا، فيرى أن التوبة تنتظم من ثلاثة أمور مترتبة: علم، حال، وفعل، والأول موجب للثاني، والثاني موجب للثالث.

والعلم هو الأول، وهو مطلع هذه الخيرات، وهو شامل للإيمان بالله واطلاعه ومراقبته للعبد، واليقين المؤكد لذلك، كما أنه يعم معرفة ضرر الذنوب وعظيم ذلك، وكونها حجابًا بين العبد وربه، فإذا عرف العبد هذا وتيقنه تألم من تلك المعرفة قلبه على ما فات فعلًا أو تركًا، ويسمى التألم على ترك الطاعات، أو فعل المعاصي ندم، فإذا غلب الندم على القلب انبعثت منه حالة أخرى تسمى إرادة وقصدًا، فيتجه بإرادته وقصده إلى فعل له تعلق بالماضي لتلافي ما فات من خير، أو قضائه، وبالحال تركًا من الذنب الذي كان ملابسًا، وبالاستقبال عزمًا على كثرة الطاعات ورد المظالم واجتناب السيئات، فالعلم، والندم، والقصد ثلاثة أمور مرتبة في الحصول يطلق اسم التوبة على مجموعها، وإذا أطلقت التوبة على الندم وحُدد كما جاء في الحديث: «النَّدَمُ تَوبَةٌ»؛ فلأنه أهم الثلاثة، أو لأن العلم مقدمته، والإرادة بالفعل ثمرته، فكان الندم وسطًا لعلم سابق وثمرة تابعة [الإحياء].

ويترقى العلم من ضرر الذنوب، واليقين باطلاع الله، ثم يترقى الندم على فعل الذنوب، وترك الطاعات ليصل بذلك العبد إلى الحياء من الله، والرغبة في دوام وصله، والتحقق بحبه؛ فيسمو بتوبته من الذنوب إلى ما فوقها، وعندئذ يصير للتوبة حد يختلف عما سبق، وحقيقة فوق ما ذكر؛ لكن يلزم للعبد قبل أن ينتقل إلى تلك الحالة أن ينزه القلب عن الذنب [التعرف لمذهب أهل التصوف، منهاج العابدين]، وهذه القفزة الروحية تسلمنا إلى مسلك آخر من تعريفات الصوفية للتوبة، وإلى مشرب أرقى لهم فيها.

التوبة والذوق الصوفي

(ب) وهذا المسلك هو الثاني والخاص بأذواقهم المتعلقة بحقيقتها تعريفًا لا من جهة العلم، ولكن من حيث المشرب، والخاطر، والذوق، والوارد، وإذا تعددت أقوالهم في التوبة وهم يحكمون العلم فلا عجب أن تتعدد التعريفات لديهم ولكل مشربه ووارده ولحظه، وبما أنه قد بان لنا أن التعريفات المتعلقة بالعلم قد انتهت تساميًا إلى تنزيه القلب عن الذنب، وإلى أن العبد قد أقبل على الله إقبالًا كليًا، فإن مرحلة التعريفات النابعة من رشح الذوق تبدأ من حيث انتهى المسلك الأول، ويأتي ذلك ممثلًا في قول الجُنيد: (إن التوبة أن تنسى ذنبك)، يقول هذا أمام أستاذه السَّرِيِّ السَّقَطي مع أن الأستاذ قال: (التوبة ألا تنسى ذنبك)، وعلل المغايرة بأن العبد قبل التوبة كان في حال الجفاء فنقل بعدها إلى حال الوفاء، وما دام الأمر كذلك، فذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء [الرسالة، واللمع].

وحاول الهجويري مساندة الجنيد في تعليله فقال: (إن ذكر الوحشة في محل القرب يكون وحشة، ويلزم للتائب ألا يذكر نفسه، فكيف يذكر ذنبه) واعتبر ذكر الذنب ذنب، [كشف المحجوب] مخالفًا بذلك السري في قوله السابق، ثم إنه في نسيان الذنب تحقق بتوبة أهل الخصوص والمتحققين (الذين تابوا عن كل شيء سوى الله) كما قال أبو الحسين النوري وأيضًا فإنهم لما غلب على قلوبهم من عظمة الله وشهود جلاله، أو جماله نسوا في جنبه كل شيء سبق أو صاحب. [اللمع]

فأنت ترى أن لسان أهل المعرفة والواجدين وخصوص الخصوص قد ارتقى في فهم التوبة عما جاء على لسانهم في المسلك الأول، وإنما كان كذلك؛ لأن أقوالهم في مسلك العلم كان (لبيان توبة المريدين والمتعرضين والطالبين والقاصدين وهم الذين تارة لهم وتارة عليهم) [اللمع، والرسالة]، وأما نسيان الذنب والتوبة عن كل غير وسوى مع الشهود، فحال الخواص والعارفين والتعريفات في المسلك الأول للبادئين، وفي الثاني لأرباب النهايات والأول لأرباب التقلب، والثاني لأهل التمكين.

وأخيرًا فأقوال المشايخ المتعلقة بحقيقة التوبة علمًا، أو ذوقًا، كثيرة تتنوع بحسب علو حالهم، وتعدد مشاربهم وأذواقهم، والعبرة في النهاية تمكن في طلب الحقيقة سلوكًا أو مشربًا ولا عبرة بسوق الألفاظ المجردة التي تصور التعريفات بالحد

دوافع التوبة وهل هي هبة أم كسب؟

 

الأسباب والدواعي:

العبد سائر في غيه، متلذذ بالمعصية مُصر عليها مستبعد للعقاب زمنًا، غير وَجِلٍ منه لكونه غيبًا، والشهوات مسيطرة وآخذة بمخنق الإنسان، وطول الأمل في التوبة يبعده عن الإنجاز لها، كما أن سعة الرحمة الإلهية تجعله يسوف الرجوع إليه سبحانه، فما الأسباب التي غيرت من طباعه وأُلْفَتِه وتلذذه وحفزته على التوبة حفزًا؟ للإجابة على هذا السؤال وقف رجال الطريق منه موقفين

١- موقف يجعل السبب الدافع على التوبة ربانيًّا، فالله هو الذي أيقظ قلب العبد بزاجر من عنده فلما أصغى القلب إليه سمعًا أو تجليًا، انتبه فأخذ في طريق التوبة، وإلى هذا أشار أبو حفص الحداد عندما سئل عن التوبة فقال: "ليس للعبد في التوبة شيء؛ لأن التوبة إليه لا منه" [الرسالة] واستدل بقوله سبحانه: {ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ} [التوبة: ١١٨].

وقال رجل لرابعة العدوية: إنه قد أكثر من الذنوب فهل لو تاب، تاب الله عليه، فقالت: (لا؛ بل لو تاب الله عليك لتبت) [الرسالة]، وأيد الهجويري هذا الاتجاه مبينًا أن أصل التوبة كونها من زواجر الحق، ومرة أخرى يقول: إنها تأييد رباني. [كشف المحجوب]

فالبداية عند هؤلاء وغيرهم بتوفيق وإيقاظ من الله لقلب العاصي، انتبه على أثره فندم، ثم أخذ سبيله راجعًا إلى ربه، وحتى لو كانت هناك حادثة وقعت، أو واعظ وعظ، أو نعمة أسبغت فاستفاق على أثرها العاصي، فإن الأثر الذي ألقته على القلب إنما في نظرهم لكون الحق تجلى على القلب ساعته، أو نظر إلى العبد في توه فانزجر متأثرًا بالحادثة، أو الموعظة، أو النعمة، وقد كان قبل تدارك الله له بالرحمة والنظرة لا يعبأ بمثل تلك الوقائع، ولا يصغى قلبه لها، فالسبب المؤثر هو منَّة الله على العبد، وليس بغريب بعد ذلك أن يصرح أنصار هذا الاتجاه إلى أن التوبة هبة لا كسب، وبنوا ذلك طبقًا لأصول طريقهم على أن زاجر الحق الذي أحدث الإفاقة حال (والحال موهبة من الله على ما تقرر من أن الأحوال مواهب) [عوارف المعارف].

حسبما ذكر السهروردي في عوارفه وعلق الهجويري على قول أبي حفص الحداد السابق قائلًا: (وبهذا... يجب ألا تكون التوبة من كسب العبد؛ لأنها موهبة من مواهب الحق سبحانه، وهذا القول يتعلق بمذهب الجنيد). [كشف المحجوب]

وشارك الدريني في هذا الموقف بقوله: (التوبة يقظة من الله تقع في القلب فيتذكر العبد تفريطه) [طهارة القلوب] وصاغ الحكيم الترمذي بداية هذا الاتجاه وتسلسله فقال: "إن لله عبادًا نظر إليهم بالرحمة، فمنّ عليهم بالتوبة، وفتح أبصار قلوبهم، فتمثل قبح المعاصي في صدورهم، حتى نظروا إلى سوء ما عاملوا الله به، وانكشف لهم العاقبة عن مسكن العاصين، فبادروا بالنزوع عنها، فقوّى الله عزمهم وأيدهم بتوفيقه". [منازل العباد من العبادة]، والنص ملئ بالألفاظ المسنودة إلى منح الله وعطاياه، ففيه النظر بالرحمة وفتح الأبصار والتقوية للعزم، والتأييد بالتوفيق، وتعني أن مواهب الله تتوالى على العبد في كل خطوة بداية ووسطًا ونهاية، حتى يتحقق في مقام التوبة، فيصفو القلب من نكت الذنوب السوداء، ويتخلص من سابق عهده بالترك ورد المظالم، ويكثر الطاعات، ويقضي الفوائت، فينتقل بعد ذلك إلى منح ومواهب أخرى تتوارد على قلبه من ربه بعد صقل قلبه.

وعلق ابن عطية على قوله تعالى: {إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} [البقرة: ٣٧] قائلًا: "وفائدته: أن التوبة على العبد إنما هي نعمة من الله لا من العبد وحده" [المحرر الوجيز].

٢- أما الموقف الثاني فيغلب عليه الطابع الكسبي، وأن أسباب التوبة ترجع إلى جُهد الإنسان وفهمه وتدبره في أمر نفسه وحاله ومصيره، وما سوف يجد، وفي تأمل صلته بالله، وقلة حياته، وجراءته مع ربه، ويعتمد هذا الاتجاه على العلم والفهم.

وبعض أنصار هذا الفريق يقصرون العلم على فهم الإنسان العاصي لحاله، وما يسيء إليه من سلوك في آجله وعاجله، وبعضهم كالغزالي يتوسع في العلم فيجعله شاملًا للإيمان بالله ورسوله وبما نزل عليه من وحي، وبما أُثر عنه -صلى الله عليه وسلم- من قول أو فعل أو تقرير مبينين أن هذا الإيمان يدعو صاحبه إلى أن للسعادة سببًا هو الطاعة، وللشقاوة سببًا هي المعصية، وقد فصلت الآيات والأحاديث ذلك أدق تفصيل، كما اشتملت على الترغيب في الطاعات، والتحذير من المعاصي والذنوب، واتباع الهوى، وعلى بيان خطر المخالفات على النفس والمصير علةً وخذلانًا وداءً وعقابًا ويَحدوه العلم والفهم كذلك إلى الشعور، واليقين بقرب الأجل وإن طال، وبمجيء الموت بغتة، والخوف من فوات المأمول من الله عز وجل، أو التعرض لسخطه وعقابه جل جنابه، وربما دفعه العلم إلى الحياء من الله لا الخوف، فيترك الذنب استحياء لا رهبة، والعلم أو الفهم الباعث على ما ذكر قد يتأتى للعبد بنفسه قراءة واطلاعًا، وقد يتسنى له سماعًا من واعظ نابهٍ يَحكم زمام وعظه، ويرشد الطالبين بحسن قوله، ودقيق توجيهه، وتلك مهمة العلماء والوعاظ في كل إقليم، أو بلدة، أو محلة، أو مسجد، فهؤلاء العلماء يُذَكِّرون الناس بما في القرآن والأحاديث والأخبار من تخويف للمذنبين والعاصين ويسوقون رقاق القصص عن الأنبياء والأولياء كي ترق القلوب، وتصفوا الأفئدة، وتلين النفوس، وبالعلم قراءة أو سماعًا يرد الزاجر، ويحدث الندم، فتشحذ الإرادة، وتقوى العزيمة، فيستغفر العبد، ويتقرب إلى ربه، وتستمر عزيمته باستمرار توبته، فَيرد المَظالم، ويَزداد في الطاعات والقربات، ويحتاج العبد في كل ذلك ومعه إلى الصبر على الطاعات، وعلى اجتناب ما ألفت الطباع من المعاصي، فدوام الطاعة والبعد عن اللذائذ المستعارة للمعصية يَحتاج إلى صبر وتحمل ومثابرة [إحياء علوم الدين، قواعد التصوف، القصد والرجوع إلى الله، نشر المحاسن الغالية، كشف المحجوب].

وأنصار هذا المذهب لم يُصرحوا جراءة بالكسب الخالص -وإن بدا من أقوالهم ذلك-؛ لأنه لا يُمكن لأحد من عموم المؤمنين فضلًا عن خاصتهم من رجال الطريق أن يجردوا التائب من فضل الله ومنته عليه في توبته؛ لكنهم فقط يحملونه مسؤولية التأمل والتفكر في حاله ومصيره حتى لا يَتكل على زاجر الحق، ويَزعم أنه لم يأت بعد، ولو أتى لتخلى وترك ورجع إن عليه أن يحكم عقله، ويسترشد بفكره بعد أصول دينه كي يثوب إلى رشده، وحتى مجرد التأمل والفهم هو من فعل الله وإبداعه، وهذا ما أكده الغزالي ووضحه في صدد حديثه عن التوبة، وما يشم معه إطلاق الكسب لقد بين أن الكل من خلق الله حتى الاختيار ذاته؛ بل لقد صرح بأن (العبد مضطر في الاختيار الذي له)، وكل مرحلة من مراحل الفعل داخلة في نطاق القدرة والخلق الإلهي، فالعلم بالشيء فعله وانجزام الإرادة خلقه، وكذا الحركة بعدهما من أفعاله، فلا حركة لليد بدون حياة، ولا حياة بدون إرادة، ولا إرادة بدون ميل، ولا ميل بدون علم وكلها مترتبة ترتب سنة من سنن الله، وخلق من خلقه، وكذا يقال في التوبة بأنها لا تقع إلا بعزيمة، ولا عزيمة بدون إرادة، ولا إرادة بدون علم يتبعه ميل، والكل فعل الله وخلقه [إحياء علوم الدين].

والقرطبي يقول في تفسير قوله تعالى: {إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} [البقرة: ٣٧] "ليس لأحد قدرة على خلق التوبة؛ لأن الله هو المتفرد بخلق الأعمال خلافًا للمعتزلة" [الجامع لأحكام القرآن].

حجية الدليل وفرضية الحكم

جاء في رياض الصالحين للإمام النووي، ما يلي: (قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب)، ووجوبها (مجمع عليه لا فرق بين الصغائر والكبائر الظاهرة والباطنة كالحقد والحسد) [دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين]، وشدد الصوفية على ذلك بوجه خاص؛ لأنهم لا ينتظرون من سلوكهم ومن حياتهم نجاة في الآخرة فحسب؛ بل يتطلعون إلى صلات ربانية، وإلى علاقة الأُنس بالله، تتوالى عليهم فيها الواردات، وتهطل عليهم المنن واللطائف، وتتنزل على قلوبهم الفيوضات، إنهم يعمدون إلى التصفية والتجلية رجاء في كشف الحجب وتطلعًا إلى المعارف والمشاهدات، ونظرًا لأن الذنوب مهما صغرت حتى النظرة تحجب العبد عن ربه، وتحول بينه وبين حلاوة الطاعة، ولذة العبادة، فلا غرو وحالهم هذا أن يجمعوا على أن التوبة فرض عين مدللين على ذلك من الكتاب والسنة والإجماع [رسالة المسترشد، قواعد التصوف، الإحياء، آداب المريدين، نشر المحاسن الغالية، وغيرهم].

الخلاصة

التوبة هي: عملية روحية ونفسية عميقة تتجاوز مجرد الرجوع عن الذنوب، فتبدأ التوبة بانتباه الإنسان لحالته الأخلاقية ووعيه الداخلي بضرورة التحوُّل نحو الأفضل، ويرى السادة الصوفية أن التوبة تنقسم بين توبة العوام من الذنوب الظاهرة وتوبة الخواص من الغفلة والرياء، وتختلف أسس وشروط التوبة بين مختلف المدارس الفكرية، لكنها جميعًا تتفق على أهمية الانقطاع عن الذنوب، والندم على ما مضى، والعزم على رد الحقوق لأصحابها، وتتحدث النصوص الشرعية عن ضرورة التوبة في حياة المسلم، حيث تعتبر التوبة بداية الطريق نحو استقرار القلب واستقامة السلوك في طاعة الله.

موضوعات ذات صلة

يُعد مقام الرجاء من المقامات الروحية الأساسية في التصوف الإسلامي.

التصوف ينظر إلى الشكر باعتباره حالة وجودية تتجلى في القلب واللسان والجوارح.

النور ليس مجرد ضياءٍ يُبدد الظلام، بل هو سرٌّ إلهي يتخلل الوجود، ويمد الأرواح بالحياة.

موضوعات مختارة