إن أقوى دافع يوجه نشاط الإنسان هو الذي
يأتيه من داخله، وإن أشرق الأدلة سطوعًا تلك التي تصاغ من أعماقنا؛ وذلك لأن
الإنسان في تلك الحالة يكون هو المقنع والمقتنع، والسلطة التي تدفعه، أو تدله هي
شعوره الذاتي، ووعيه الداخلي، وبما أن كلًّا منا قد لا ينصاع بسهولة إلى النصائح أو
الزواجر، أو الأدلة الواردة له من خارجه، فإنه بلا شك ينقاد بيسر إلى المرشد
الذاتي عندما يتحرك، ويستجيب لدواعي نفسه، وهواتف ضميره بصورة تفوق كثيرًا تلك
التي تفد عليه من خارجه، ومهما حاول الوعاظ بطرقهم، أو المستدلون بمناهجهم، فإن
نجاحهم في العودة بالعاصي أو الكافر تكون محدودة إذا قيست ببواعثه الخاصة به التي
تجرفه معها، وتقذف به حيث تريد ذاته، إن الأنَا هنا هي المؤثرة على ذاتيتها،
والمرشدة لإنيتها، وبذلك استراحت الأنَا من مقاومة الآخرين تمسكًا بذاتها، إلا أنه
لابد من توفيق الله يزجر داخله.
ولقد أوضح القشيري العلاقة بين
الجهود الإنسانية الكاشفة للذات وبين الإصرار على ترك الماضي وما يحمل من ذنوب أو
تقصير، مبينًا أن أول شيء وهو انتباه القلب من رقدة الغفلة، ورؤية العبد ما هو
عليه من سوء الحالة قد أوصله بالتوفيق إلى زواجر الحق يسمعها في داخله بقلبه،
فيفكر في ذميم ما يصنعه، ويبصر فساد ما هو عليه من قبيح الأفعال، وعندئذ تسنح في
قلبه إرادة التوبة، والإقلاع عن المعاملة السيئة، فيمده الله بتصحيح العزيمة،
والأخذ في جميل الرجعة، والتأهب لأسباب التوبة، فإن كان أمره كذلك تنحل عنده عقدة
الإصرار على ما هو عليه من قبيح الأفعال، ويتوقف عن اجتناب المحظورات، ويكبح لجام
نفسه عن متابعة الشهوات فيترك زلاته، ويعزم على ألا يعود إلى مثلها في المستقل،
ويغمره الندم والتأسف على ما عمل، ويأخذ في التحسر على ما صنع وقدم من القبيح،
عندئذ تتم توبته، ويلزمه أن يحافظ عليها بلا رجوع ولا فتور ولكي يظل ملازمًا لها
عليه أن يجاهد، ويستبدل بمخالطته العزلة، وبصحبته لإخوان السوء الخلوة. [الرسالة].
هذا مع الصدق في السلوك، والقيام
بالطاعات والقربات؛ وإلى هنا يكون القشيري أدق في التعبير عن الحالة النفسية
للتائب بدءًا من انتباهه، ثم يقظته، ثم إرادته، ثم توبته، وإن كان لم يحدثنا عن
أسباب الانتباه، أو مثيراته النفسية اللهم إلا ملمحة الخاطف الدال على أن الانتباه
جاء إلى صاحبه من شعوره الخاص بالتقصير والغفلة، فهو إذا مثير داخلي أثار انتباه
صاحبه إلى وضعه السيئ الذي هو عليه، فاستفاق واستيقظ، فعزم على التخلص من حاله،
والإقدام على حال أحسن وأفضل وأرضى لله سبحانه، إنها أعظم لحظة تلك التي يكتشف
فيها الإنسان ذاته، أو جانبًا من جوانبها ليأخذ بعد ذلك في تصحيح مسارها وتقويمها.
وشارك القشيري في هذا الاتجاه السهروردي البغدادي، الذي يرى أن التوبة
لا بد في ابتدائها من وجود زاجر يكون مفتاحها ومبدأها، والزاجر يثير الانتباه، وإذ
انتبه العبد من رقدة غفلته أدّاه ذلك الانتباه إلى التيقظ، فإذا تيقظ ألزمه تيقظه
الطلب لطريق الرشد فيطلبه، وإذا طلبه عرف أنه على غير سبيل الحق، فيطلب الحق،
ويرجع إلى باب توبته، فالبداية زاجر نفسي يؤدي إلى حال الانتباه، والثاني يؤدي إلى
التيقظ والاعتبار، وبالتيقظ يتبين المريد خط السلوك ويقف على عتبة التوبة وأولها،
ولكن السهروردي يعتبر الزاجر موهبة من الله باعتباره حالًا من الأحوال. [عوارف
المعارف].
وإذا كان القشيري ومن معه
يربطون بين الدوافع النفسية السابقة وبين التوبة التي جاءت نتيجة للكوامن المتحركة
في الداخل؛ فإن الغزالي يجيء ربطه موافقًا لمنهجه في السلوك؛ هذا النهج الذي
يبدأ بالعلم، ثم المقام، ثم الحال، إذْ دائمًا ما يكرر أن أول كل شيء علم، ووسطه
مقام، ونهايته حال.
وتطبيقًا لهذا المنهج على حالتنا
الراهنة، فإن السالك يلزمه معرفة عِظم ضرر الذنوب، وكونها حجابًا بين العبد وبين
كل محبوب، فإذا عرف ذلك معرفة محققة بيقين غالب على قلبه ثار من هذه المعرفة تألم القلب
من فوات المحبوب، فإن القلب مهما شعر بفوات محبوبه تألم وتحسر وندم، وإذا غلب هذا التألم
على القلب واستولى انبعث من هذا الألم في القلب حالة أخرى تُسمى إرادة وقصدًا إلى
فعل له تعلق بالحال وبالماضي والاستقبال، أما تعلقه بالحال: فبالترك للذنب
الذي كان ملابسًا، وأما بالاستقبال: فبالعزم على ترك الذنب المفوت للمحبوب إلى آخر العمر، وأما بالماضي:
فبتلافي ما فات بالخير والقضاء لما تركه من الفرائض وما غفل عنه من النسك. [إحياء علوم الدين]
وبالنظر في الخطتين ندرك أن خطة
القشيري ومن وافقه قامت على الدوافع النفسية والمثيرات الداخلية وحدها، وأنها
تسلسلت من الزاجر الى الانتباه إلى اليقظة إلى الإرادة إلى التوبة، أما الغزالي
فقامت على العلم والمعرفة بخطر الذنوب، وعِظم حجبها وإبعادها عن الله المحبوب، وقد
أدت تلك المعرفة إلى التوبة والإقلاع، ولست أرى إلا أن كلا من الخطتين يُكمل
الآخر، بحيث إذا ضممناهما معًا أدتا إلى المطلوب والمقصود كله، وذلك لأن المثير
للانتباه وما يتبعه عند القشيري هو شيء داخلي نفسي، والأمر قد يكون كذلك
حقيقة، وقد يكون المثير خارجًا كالعلم بواسطة آلاته من الوعظ، أو الإرشاد، أو التعلم
والقراءة إلى آخره، وهو جناح آخر لإثارة الانتباه وضحه كما رأينا الغزالي.
ثم جاء بعد ذلك عماد الدين الحموي،
فجمع بين الخطتين عندما بين أن القومة لله في قوله سبحانه: {قُلۡ
إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ} [سبأ: ٤٦] تكون بسبب وبلا سبب، أما التي بلا سبب
فهي نفحة من نفحات الرحمن وجذبة من جذباته، وقد تقع تلك الحالة جريانًا على اللسان
في لحظة من اللحظات حتى ولو كان صاحبها غافلًا، مثلما وقع لـ (تحفة العابدة) حين
غدت يومًا وهي تضرب بعودها وكانت ما تزال في المعصية غارقة قالت:
خاطبني الحقُّ من جَنابٍ فكان وَعْظي على لساني
أَجَبتُ لما دُعِيتُ طَـْـوعًا مُلَــبِّيًا للــــذي دعــــــــانــي
فتنبهت وتابت من وقتها.
لقد تحولت النفس فجأة تحت تأثير الدافع
الخفي الذي حول صياغة الشعر من تعلق بمحبوب فانٍ إلى المحبوب الأقدس -جل جلاله-، وما
كان في حسبان (تحفة) أن تفعل أو تقول ذلك لكن القذف أُلقى في روعها فنطقت بمراد
المحبوب وهي متلبسة في حال الجفوة والبعد، وذابت إرادة الهوى الشهواني في إرادة
الجذب الرباني، ولم يستطع المقهور مخالفة القاهر فنطقت العابدة بما أراد المعبود.
وقد يكون المثير للانتباه تأملًا باطنيًا
من الشخص ذاته، وهو الذي اتجه إليه القشيري، فليس ثَمَّ دافع أجنبي، على أن
السهروردي اعتبر الزاجر الأول موهبة وتوفيقًا من الله، ونداء داخليًا، وكثيرًا
ما يكون السبب خارجيًا متمثلًا في وعظ، أو سماع آية، أو حديث، أو قولة حكيمة ينتبه
على أثرها المريد، فيتوب كما حدث لشقيق البلخي، والفضيل بين عياض، والشبلي،
ومحمد بن عيسى الوزير، وغيرهم. [حياة القلوب هامش قوت القلوب]
وأيًّا ما كان الانتباه بلا سبب فإن
تحركًا داخليًّا يتم ويقذف بصاحبه إلى مرفأ السلامة في التوبة، ومن هذا الباب يدخل
العبد إلى ساحة الرحمات الربانية، ومنها إلى درجات القرب الإلهي، وإن كنت أقول إن
تلك الدوافع النفسية المشار إليها لا تنتهي عند البدايات؛ بل ينبغي أن تستمر معه في
سائر أحواله؛ لأنها إذا دفعته للخروج من الذنوب فيجب أن تلازمه لتخرجه من
الغافلات؛ ولهذا السبب يرد ذكرها في حال الوسط السلوكي، ولدى أرباب النهايات، وعند
المتحققين.