و قد
ذكر العلماء للمحبة مراتب عشراً:
أولها
العلاقة: وسميت بذلك لتعلق القلب بالمحبوب.
الثانية
الإِرادة: وهي ميل القلب إِلى محبوبه وطلبهُ
له.
الثالثة
الصبابة: وهي انصباب القلب إِلى المحبوب
بحيث لا يملكه صاحبه، كانصباب الماءِ في المنحدر.
الرابعة
الغرام: وهو الحب اللازم للقلب لا يفارقه،
بل يلازمه كملازمة الغريم لغريمه.
الخامسة
الوداد: وهو صَفوُ المحبة، وخالصها، ولبها.
السادسة
الشغف: وهو وصول الحب إِلى شغاف القلب.
قال الإِمام الجنيد -رحمه الله تعالى-: الشغف أن لا يرى المحب جفاءً، بل يراه عدلاً
منه ووفاءً.
وتعذيبُكم عذبٌ لدي وجَوْرُكم
علي بما يقضى الهوى لكمُ عدلُ
السابعة العشق: وهو
الحب المفرط الذي يُخاف على صاحبه منه.
الثامنة التتيُّم: وهو
التعبد والتذلل، يقال: تيَّمه الحب أي ذَلَّلَهُ وعبَّده.
التاسعة التعبد: وهو
فوق التتيم، فإِن العبد لم يبق له شيء من نفسه.
العاشرة الخُلَّة: انفرد بها الخليلان إِبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وهي
المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه، حتى لم يبقَ موضع لغير المحبوب ( معجم اصطلاحات الصوفية، لعبد الرزاق القشاني أو الكاشانى، تحقيق: د. عبد العال شاهين، القاهرة: دار المنار، ط ١، ١٤١٣
هـ / ١٩٩٢م ).
و هذا يعنى أن
العشق درجة من درجات المحبة، والأدلة على محبة الله لعبده، ومحبة العبد لربه
كثيرة. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ
دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ
يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} ((المائدة:٥٤). وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا
يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ
وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ
لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ}( (البقرة:١٦٥). وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }(آل
عمران:٣١).
ويحببكم الله: دليل على المحبة وفائدتها وفضلها.
وفى السنة عن أنس
قال: قال رسول الله: «ثلاث مَنْ كنَّ
فيه وجد حلاوة الإِيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إِليه مما سواهما، وأن يحب
المرء لا يحبه إِلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار»( أخرجه البخاري في
صحيحه في كتاب الإيمان ).
وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- :
يقول الله تعالى: «مَنْ عادى لي وليًا فقد آذنته
بالحرب، وما تقرب إِلى عبدى بشيء أحبَّ إِلى من أداء ما افترضته عليه، ولا يزال
عبدى يتقرب إِلى بالنوافل حتى أحبه، فإِذا أحببتُه كنتُ سمعه الذى يسمع به، وبصره
الذى يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشى بها، وإِن سألني لأعطينَّه،
ولئن استعاذني لأعيذهن» ( أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق باب التواضع ).
وعن أبى هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذا أحب الله العبد دعا جبريلَ فقال: إني أحب فلاناً فأحبَّه،
فيحبه جبريل، ثم ينادى في السماء فيقول: إِن الله يحب فلاناً فأحِبُّوه، فيحبه أهل
السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» (
أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق باب ذكر الملائكة ).
وعن أبى الدرداء -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «كان من دعاء داود عليه السلام: اللهم إني أسألك حُبك وحُب من
يُحبك والعمل الذي يبلغني حبك، اللهم اجعل حُبك أَحبّ إِليَّ من نفسى وأهلي ومن الماء
البارد» (
أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات وقال: حسن غريب ).
والقرآن والسنة مملوءان بذكر مَنْ يحبه
الله من عباده، وذكر ما يحبه من أعمالهم وأقوالهم وأخلاقهم كقوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ
مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا
أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ
يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل
عمران:١٤٦].
{لَيۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٞ فِيمَا طَعِمُوٓاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّأَحۡسَنُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [المائدة:٩٣]. {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ}
[البقرة: ٢٢٢].
وقوله في ضد ذلك: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ}(
(البقرة:٢٠٥).{لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا
آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد:٢٣] {وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}( (آل
عمران:٥٧).
وقد جعل رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- حب الله ورسوله من شرائط الإِيمان في أحاديث كثيرة فقال: «لا يُؤمنُ أحدُكم حتى أكُونَ أحَبَّ إِليه من أهْله وماله والنّاس أجمعين» ( أخرجه الترمذي في
كتاب الدعوات وقال: حسن غريب ).
وقد
وجه الرسول الأعظم -صلى الله عليه وسلم- أصحابه للمحبة، لما لها من الأثر العظيم والمقام الرفيع، ولَفَتَ أنظارهم
إِلى نعمه تعالى وبالغ إِفضاله، ثم بيَّن لهم أنَّ حبهم لله يقتضي حبهم لحبيبه
الأعظم عليه الصلاة والسلام، كما أنَّ حبهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوصلهم إِلى حُب الله تعالى. قال -عليه الصلاة والسلام-: «أَحِبُّوا
الله لما يغذوكم من نعمه، وأحبوني بحب الله» ( رواه الترمذي في كتاب المناقب
وقال: حسن غريب و رواه الترمذي في كتاب المناقب وقال: حسن غريب ).
وقد بشر الرسول -صلى الله عليه وسلم- المحبين بالمعية مع محبوبهم، فقد روى أنس -رضي الله عنه- أن رجلاً سأل النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- متى الساعة يا رسول الله ؟ قال: «ما أعددتَ لها؟ قال: ما أعددتُ
لها من كثير صلاة ولا صَوم ولا صَدقة ولكني أُحِب الله ورسوله. قال: أنت مع مَنْ
أحببتَ. قال أنس: فقلنا ونحن كذلك؟ قال: نعم. ففرحنا بها فرحًا شديدًا» [رواه البخاري في صحيحه في كتاب
المناقب، ومسلم في صحيحه في كتاب البر].
والأحاديث في
المحبة كثيرة، وكلها تشير إِلى عظيم فضلها، وبالغ أثرها، وحين تحقق الصحابة الكرام
رضوان الله تعالى عليهم بمحبة الله ورسوله بلغوا أوج الكمال في الإيمان والأخلاق
والتضحية، وأنستهم حلاوة المحبة مرارة الابتلاء وقساوة المحن، وحملهم دافع المحبة
على بذل الروح والمال والوقت، وكلِّ غالٍ ونفيسٍ في سبيل محبوبهم لعلهم يحوزون
رضوانه وحبه. لكن لم يرد لديهم كلمة العشق.
أما تعبير العشق المقارب للحب والمحبة فهو
ينطبق على حبِّ العبد لله عز و جل ويستعمل لبيان اختلاف في الحُب متعلق بالدرجة.
فالعشق والحب من طبيعة واحدة إلا أن العشق يدل على درجة في الحب أقوى عند الغزالي،
وطريقة الغزالي في تعبيره (أعنى استعماله لكلمتى الحب والمحبة في
حديثه عن الحب الصوفي وعدم تمييزه بين الكلمتين ثم التعريف الذي أتي به للعشق في
كتبه) قد تؤكد ما استخلصه ماسينيون من وجود اتجاه سائد في المؤلفات
الصوفية حول الحب والمحبة و الشوق و العشق لفظًا ومعنى وذلك في كتابه: دراسة في
الأصول اللغوية الاصطلاحية للتصوف الإسلامي بدءاً من القرن الثالث الهجري. و
"بولس نويا" في كتابه تفسير القرآن واللغة الصوفية: له بحث
جديد حول المصطلحات الفنية للمتصوفين المسلمين (تناول المستشرقون موضوع المحبة من
أكثر من منظور ،مثل حب الله لنفسه عند الغزالي للمستشرقة الفرنسية: آن ريجور و هو عبارة عن تحليل لبَيان "محبّة
الله عز و جل للعبد ومعناها" من الكتاب السادس والثلاثين من (إحياء علوم
الدّين) هذا بحث كتبته المستشرقة الفرنسية الآنسة آن ريجور معتمدة فيه على ما جاء في كتاب الأحياء من
صفحات قليلة في (محبة الله للعبد) ونقله الأستاذ سليم محمد بركات إلى اللغة العربية ).