الغَيبة في اصطلاح الصوفية: هي غيبة القلب عن علم ما يجرى من أحكام الخلق؛ لشغل الحس بما ورد
عليه من جناب الحق حتى إنه قد يغيب من إحساسه بنفسه، فضلاً عن غيره. والغَيبة كذلك
تشمل غيبة السالك عن رسوم العلم؛ لقوة نور الكشف. وهذا يقتضي الغيبة
عن رسوم العادات، وعن متاع الدنيا ولذتها وزخارفها، وعن الخَلْق وأفعالهم والنظر
إلى أمورهم وأقوالهم، وعن النفس وأهوائها وصفاتها ودواعيها وآرائها
وظلماتها. (الكاشانى:
(عبد الرزاق) المتوفى عام (ت ٧٣٠ هـ): اصطلاحات الصوفية ص ٣٤١ ـ ٣٤٢ تحقيق د.
عبد العال شاهين . ط ١٤١٣ هـ / ١٩٩٢ م دار المنار بالقاهرة.).
وبناء على مفهوم الغَيْبة لدى
الصوفية وهي غيبة القلب، فإن الصوفيَّ قد يغيب عن إحساسه بنفسه فضلاً عن
غيره؛ لأن الغَيبة بإزاء الحضور، والغيب بإزاء الشهادة. فالغيب عن عالَم الشهادة
حضور في عالَم الغيب، والحضور في عالَم القدس غيبة عن عالَم الحس، والحضور مع
الحّس غَيْبة عن القدس. فإذا أطِلقت الغيبة فإنما يعني بها في الأكثر غيبة
النفس عن هذا العلم وحضورها هناك، ويلاحظ أيضا أن الغيبة عندهم قد تكون لوارد
أوجبه تذكّر ثواب أو تذكر عقاب، وربما كانت تلك الغَيْبة عن الإحساس؛ لأجل معنى من
المعاني التي كاشف الحق بها عبده، وربما أريدت الغيبة للأمرين معًا، ومن أمثلة ما سبق:
الأول: كان الربيع بن خيثم يختلف إلى عبد الله بن مسعود، -رضي الله عنه- فمّر بحانوت حداد فرأى الحديدة المحماة في الكير؛ فغشي عليه فلم
يفق إلى الغد؛ فلما أفاق سئل عن ذلك فقال: "تذكّرتُ أهل النار فى
النار". والحاصل أن هذه غيبة حدثت
عن خشية أوجبت غشية.
الثاني: فكما
جرى لأبي يزيد البسطامي، حين بعث إليه "ذي النُون" رجلاً من
أصحابه؛ لينقل إليه صفة أبي يزيد، فلما
دخل عليه قال له أبو يزيد: ما تريد؟ فقال: أريد أبا يزيد. فقال أبو يزيد: وأين أبو
يزيد؟ أنا أريد أبا يزيد, فخرج للرجل فقال: هذا مجنون. ورجع إلى ذي النون فأخبره
بما شهد, فبكى ذو النون وقال: أخي أبو يزيد ذهب في الذاهبين إلى الله الكريم.
الثالث: كان عليّ بن الحسن زين العابدين -رضي الله عنه-؛ -حيث كان-في سجوده، فوقع في داره حريق، فلم ينصرف من صلاته، فسئل
عن حاله فقال: " ألهتني النار الكبرى عن هذه النار". فهذه أحوال
الغائبين عن الخلق؛ لأجل حضورهم مع الحق، وتحققهم به. ولما وقعت سارية جامع الكوفة، حتى
انهّد لها جوانب السوق،وأقبل الناس
يهرعون إلى الجامع، وكان أبو حنيفة
(ت١٥٠هـ) قائمًا يصلى إلى جانبها ولم يشعر بذلك. (الكاشانى: لطائف
الإعلام فى إشارات أهل الإلهام ٢/١٨١ ــ ١٨٥ تحقيق: سعيد عبد الفتاح .ط ٢٠٠٥
الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة.)
والحضور: مصطلح يرد أيضًا مع الغيبة ويعنون به: مقام حضور القلب مع الحق في
الاستفاضة من أسمائه تعالى، وقد يُعْنَى بها
:الرؤية قبل رفع الحجاب، والمحاضرة تأتي ابتداءً، وتليها المكاشفة، ثم
المشاهدة. (الزوبي (ممدوح): معجم الصوفية. ص ٣٦٨. ط١، ٢٠٠٤ م /١٤٢٥ هـ. دار الجيل
للنشر.).