والفراسة نوعان: أولهما:
يومض في الفكر بما يشبه الإلهام، وهي فطرية تصقلها التجربة، وهي ما تسمى بالفراسة
الشرعية، وهي نور إيماني ينبسط على القلب حتى يتميز في نظر صاحبه حال المنظور
فيه من غيره ولكل مؤمن منها نصيب، لكن لا يهتدي لحقيقتها إلا من صفا قلبه من
الشواغل والشوائب، ومن هنا قيل عنها: أنها ملكة لا ينبغ
فيها إلا أناس فيهم استعداد خاص لها، ويدل على ذلك أن بعض الناس يمتاز فيها دون
الآخرين، وقد تراها في بعض الناس خلقية بدون علم أو درس، لكن لو تعلموا هذ العلم
لكانوا من النابغين فيه.
والنوع
الثاني من الفراسة: هي صناعة مكتسبة بالخبرة والتدريب، وتقوم على معرفة بواطن
الأشخاص بظواهر الحواس، ومن فروعها فراسة الرأس، وفراسة
الوجه، وفراسة الكف، وفراسة المشي، وفراسة الخط، وفراسة المقابلة، وهي الحكم
على أخلاق الناس بالنظر إلى ما يشابه وجوههم من وجوه الحيوانات كأن يقال إن اتساع
الصدر يشبه صدر الأسد دليل على الشجاعة ويسمى هذا النوع بالفراسة الحكمية.
والفراسة ليست من علم الغيب، فقد أصبح الآن من العلوم الطبيعية التي تدرس
أشكال كأعضاء الإنسان لتستدل منها على أمزجته، فوجد أن كل جنس من أجناس البشرية له
شكل معين من الأعضاء وله مزاج مختلف.
كما أن
الفراسة من المعارف الإيمانية، فهي علم نوراني أودعه الله في قلب عبده المؤمن
القريب إليه، المشغول به، والفراسة غير الظن، لأن الظن يخطئ ويصيب حسب طهارة القلب
وظلمته، وكثيرا ما يخطئ وقليلا ما يصيب، ولهذا أمرنا الله تعالى باجتناب كثير من
الظن، وأخبر أن بعض الظن إثم.
والمفترس إذا جالس أحدا من الناس اطلع على سره،
فهو جاسوس القلب، فالذي ينظر بنور الله ينفذ في الأشياء فيرى ما هو مقدر وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه في قمة الفراسة حيث استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما كانت صاحبة موسى عليه السلام صاحبة فراسة حين قالت لأبيها: {يَٰٓأَبَتِ
ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ} [القصص:
٢٦].
ويرى
أئمة الصوفية أن الفراسة موهبة دائمة في جميع الأوقات يحظى بها الولي، لأنه ينظر
بنور الله، ولأن قلبه قد تطهر من الهوى، فلم يعد ينظر ببصره وإنما ببصيرته.
مراجع الاستزادة:
١- قواعد التصوف أبو العباس أحمد بن أحمد بن محمد زروق تحقيق محمد زهري
النجار، مكتبة لكليات الأزهرية، القاهرة.
٢- الموسوعة العربية
الميسرة، إشراف محمد شفيق غربال، د ار نهضة لبنان
بيروت ١٩٨٠ م/١ ١٤٠ هـ ج٢ مادة (فراسة).
٣-علم الفراسة الحديث، جرجي
زيدان. ضمن الأعمال الكاملة ج١٧. دار الجيل بيروت ١٤٠٢ هـ/١٩٨٢م.