أولها: ما نص
عليه صاحب (الموافقات) بقوله: "أن يصح على مقتضى الظاهر المقرر في لسان
العرب، ويجري على المقاصد العربية" [الموافقات للشاطبي]، وهذا الضابط المشترط هو مقتضى كون القرآن
عربيًّا كما قال منزله جل وعلا: {إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا
لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} [يوسف:
٢]، فلو ادعى شخص تفسيرًا
أو تأويلًا لا يقتضيه كلام العرب ومخالفًا للقواعد العربية، لم يوصف بكونه عربيًا، ولكان كلامًا ملصقًا بالقرآن، ليس في ألفاظه ولا في معانيه ما يدل عليه، وما كان
كذلك فلا تصح نسبته إليه أصلًا، ويدخل صاحبه تحت إثم من قال في كتاب الله بغير علم.
والشرط الثاني: أن يكون له شاهدٌ شرعيٌ يؤيده من الكتاب أو السنة أو الأصول المعتمدة
ويشهد بصحته، فإنه إن لم يكن له في محل آخر شاهد نصًا أو ظاهرًا يشهد لصحته
كان مجرد دعوى من جملة الدعاوى التي يدعيها أصحاب الاتجاهات الباطلة على القرآن،
ومعلوم أن الدعوى المجردة غير مقبولةٍ باتفاق العلماء.
والشرط الثالث: ألا يكون للتفسير الإشاري معارض شرعي أو عقلي، وذلك كتأويلات
الباطنية التي توصلوا بها إلى نفي الشريعة بالكلية، كتفسيرهم الكعبة بالنبي، والصلوات الخمس بالأصول الأربعة والإمام.
والشرط الرابع: ألا يدعي أن التفسير الإشاري هو وحده المراد دون الظاهر، بل لا بد
من إقرار التفسير العباري الظاهر أولًا، ثم الأخذ بالمعنى الإشاري. [الموافقات للشاطبي]
قال الإمام الغزالي -قدس الله سره: ".... ويعلم أنه لا يجوز
التهاون بحفظ التفسير الظاهر أولًا، ولا مطمع في وصول إلى الباطن قبل إحكام
الظاهر، ومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن يدعي البلوغ
إلى صدر البيت قبل مجاوزة الباب، أو يدعي فهم مقاصد الأتراك من كلامهم وهو لا يفهم
لغة الترك". [إحياء علوم الدين]
وقد أضاف العلامة الزرقاني شرطًا خامسًا: وهو ألا يكون
تأويلًا بعيدًا سخيفًا، كتفسير بعضهم قوله تعالى: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ
ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [العنكبوت: ٦٩] بجعل "لمع" فعلًا ماضيًا و"المحسنين" مفعوله. [مناهل العرفان]
ولقد أذعن علماء أصول فقه الشريعة للتفسير الإشاري المنضبط بضوابطه وأيقنوا
بصحة مصدره، وقرروا أنواعه، وما يصح اعتباره منه وما يتوقف فيه، فيقول الإمام الشاطبي -رضوان الله عليه: "الاعتبارات
القرآنية الواردة على القلوب الظاهرة للبصائر: إذا صحت على كمال شروطها، فهي على
ضربين:
أحدهما: ما يكون
أصل انفجاره من القرآن، ويتبعه سائر الموجودات، فإن الاعتبار الصحيح في الجملة
هو الذي يخرق نور البصيرة فيه حجب الأكوان من غير توقف، فإن توقف فهو غير صحيح أو
غير كامل؛ حسبما بينه أهل التحقيق بالسلوك.
والثاني: ما يكون
أصل انفجاره من الموجودات جزئيها وكليها، ويتبعه الاعتبار في القرآن.
فإن كان الأول: فذلك الاعتبار صحيح، وهو معتبر في فهم باطن القرآن من غير إشكال؛ لأن فهم
القرآن إنما يرد على القلوب على وفق ما نزل له القرآن، وهو الهداية التامة ما يليق
بكل واحد من المكلفين وبحسب التكاليف وأحوالها لا بإطلاق، وإذا كانت كذلك: فالمشي
على طريقها مشي على الصراط المستقيم.
ولأن الاعتبار القرآني قلما يجده إلا من كان من أهله عملًا به على تقليدٍ
أو اجتهادٍ، فلا يخرجون عند الاعتبار فيه عن حدوده، كما لم يخرجوا في العمل به
والتخلق بأخلاقه عن حدوده، بل ينفتح لهم أبواب الفهم فيه على توازي أحكامه، ويلزم
من ذلك أن يكون معتدًا به لجريانه على مجاريه.
والشاهد على ذلك: ما نقل من فهم السلف الصالح فيه: فإنه كله جارٍ على ما تقضي به العربية،
وما تدل عليه الأدلة الشرعية حسبما تبين قبل.
وإن كان الثاني: فالتوقف عن اعتباره في فهم باطن القرآن لازم، وأخذه على إطلاقه فيه
ممتنع؛ لأنه خلاف الأول، فلا يصح إطلاق القول باعتباره في فهم القرآن، فنقول: إن
تلك الأنظار الباطنة في الآيات المذكورة إذا لم يظهر جريانها على مقتضى الشروط
المتقدمة فهي راجعة إلى الاعتبار غير القرآني وهو الوجودي. [قد
مثل شارح الموافقات - الشيخ عبد الله دراز- للاعتبار الخارجي بما روي عن بعضهم
بتأويل الألف شهر المذكورة في سورة (القدر) بمدة الدولة الأموية لأنها مكثت ثلاثًا
وثمانين سنة وأربعة أشهر]، ويصبح تنزيله على معاني القرآن لأنه وجودي أيضًا، فهو مشترك من تلك الجهة
غير خاص، فلا يطالب فيه المعتبر بشاهد موافق إلا ما يطالبه به المربي، وهو أمر خاص
وعلم منفرد بنفسه" [الموافقات]
إن هذا النص الأصولي توثيق لحقيقة التفسير الإشاري وبيان لمصداقيته بضوابطه
العلمية المقررة، وكما أصَّل له حجة الإسلام الغزالي بقوله في الإحياء: "فاعلم أن من زعم أن لا
معنى للقرآن إلا ما ترجم بظهر التفسير فهو مخبر عن حد نفسه، وهو مصيب في الإخبار
عن نفسه، ولكنه مخطئ في الحكم برد الخلق كافة إلى درجته التي هي حده ومحطه، فالأخبار
والآثار تدل على أن في معاني القرآن متسعًا لأرباب الفهم، أي الفهم عن الله تعالى قال
علي: (إلا أن يؤتي الله عبدًا فهمًا في القرآن(، فإن لم يكن سوى الترجمة
المنقولة، فما ذلك الفهم؟ وقال -صلى الله عليه وسلم: «إن للقرآن ظهرًا وبطنًا وحدًا ومُطَّلَعًا»،
ويروي أيضًا عن ابن مسعود موقوفًا عليه وهو من علماء التفسير، فما معنى الظهر
والبطن والحد والمطلع". [إحياء علوم الدين]
ولقد أبدى العلامة -في علم أصول الحديث النبوي- الحافظ ابن الصلاح
أيضًا رأيه في التفسير الصوفي الإشاري، ورد على من حكم بتكفير القائلين
به، حيث قال في فتاواه، وقد سئل عن كلام الصوفية في القرآن: "وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي المفسر
رحمه الله تعالى أنه قال: صنف أبو عبد الرحمن
السُّلَمي حقائق التفسير، فإن كان قد
اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر!!" قال ابن الصلاح: "وأنا أقول: الظن بمن يوثق به
منهم أي الصوفية، أنه إذا قال شيئًا من أمثال ذلك: إنه لم يذكر تفسيرًا، ولا ذهب
به مذهب الشرح للكلمة المذكورة من القرآن العظيم؛ فإنهم لو كانوا كذلك لكانوا قد
سلكوا مسلك الباطنية، وإنما ذكر ذلك منهم لنظير ما ورد به القرآن؛ فإن النظير يُذكر
بالنظير، ومن ذلك: قتال النفس في الآية المذكورة يريد قوله تعالى {قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ} [التوبة: ١٢٣] فكأنه قال:
"أمرنا بقتال النفس ومن يلينا من الكفار، ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا في
مثل ذلك: لما فيه من الإبهام والإلباس". [شرح العقائد النسفية، التفتازاني]
تعليق على تقرير الحافظ ابن الصلاح نقول:
أولًا: أن ابن
الصلاح لم يرتض أن يحكم على تفسير الصوفية مطلقًا بتكفير القائلين به، باعتبار
أنهم لم يذكروه على أنه التفسير المقصود بالأصالة دون غيرة من التفسير العباري
الظاهر، بل هو من قبيل الإشارة إلى النظير الذي يذكر بنظيره.
ثانيًا: أنه حال
بين حكم الواحدي بتكفير الإمام السُّلَمي المعلق على إرادة صاحبه بأنه المقصود وحده من دلالة
النص القرآني، وبين واقع التفسير الإشاري المتخالف لتفسير الباطنية.
ثالثًا: أن
ابن الصلاح قد سجل ابتداءً حسن ظنه بأهل التصوف الموثوق بعلمهم وتحقيقهم
وارتضى نماذج من تفسيرهم، ومع ذلك تمنى أخيرًا عدم التساهل في الأخذ بكل ما يدعى
أنه تفسير صوفي، ويشير بذلك إلى الالتزام بضوابط قبوله. [الإتقان]