Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التفسير الصوفي الإشاري

الكاتب

أ. د. جودة أبو اليزيد المهدي

التفسير الصوفي الإشاري

يعد التفسير الصوفي الإشاري أحد مناهج التفسير القرآني، التي تهدف إلى استكشاف المعاني الخفية في القرآن الكريم، ويعتمد هذا المنهج على فهم أعمق للنص القرآني، ويستند إلى الشروط العلمية والضوابط التي وضعها العلماء لضمان صحة التفسير.

مفهوم التفسير الصوفي الإشاري

يعد التفسير الصوفي الإشاري أحد مناهج التفسير القرآني المندرجة تحت منهج التفسير بالرأي المحمود في مقابل كل من التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي المذموم، وكذلك هو مقابل للتفسير الصوفي النظري المبني على نظرياتٍ عقلية لا تخضع لضوابط التفسير الإشاري الفيضي.

وقد عرف العلماء التفسير الصوفي الفيضي أو الإشاري بأنه: عبارة عن تأويل الآيات القرآنية الكريمة على خلاف ما يظهر منها بمقتضى إشارات خفية تظهر لأرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة. [الإتقان في علوم القرآن، التفسير والمفسرون]

الأساس الشرعي للتفسير الإشاري

هذا وقد قرر علماء التنزيل أن للتفسير الإشاري أصلًا شرعيًا يقوم عليه، وأنه لم يكن ابتداعًا جديدًا في إبراز معاني القرآن الكريم، بل هو أمر معروف منذ نزوله على الرسول -صلى الله عليه وسلم-، أشار إليه القرآن ونبه عليه الرسول -صلوات الله وسلامه عليه-، وكذلك عرفه الصحابة الأطهار -رضوان الله عليهم-، وأظهروا أقباسًا منه للأمة. [الموافقات، والمصدر السابق].

وكذلك تضمنت تفاسير السلف ومن بعدهم من أعلام المفسرين على امتداد العصور نماذج من هذا الاتجاه التفسيري، فمن إشارات القرآن إلى التفسير الإشاري ما فهمه بعض أساطين علم التنزيل من قوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا * وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ} [النساء: ٨٢-٨٣]، ففي هاتين الآيتين الكريمتين إشارة إلى أن ثمة معنى خلاف الظاهر في القرآن يستدعي التدبر وينزاح الاختلاف بحصوله [الموافقات]، كما أنه أثبت لأهل العلم استنباطًا، ومعلوم أنه وراء السماع، فيقتضي ذلك جواز أن يستنبط كل أحد من القرآن بقدر فهمه وما يقيضه الحق تعالى عليه [إحياء علوم الدين].

وكذلك في قوله تعالى: {فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلۡقَوۡمِ لَا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ حَدِيثٗا} [النساء: ٧٨]، حيث يقول الإمام الشاطبي في معناها: "والمعنى، لا يفهمون عن الله مراده من الخطاب، ولم يرد أنهم لا يفهمون نفس الكلام، كيف وهو منزل بلسانهم؟ ولكن لم يحظوا بفهم مراد الله من الكلام، وكان هذا هو معنى ما رُوي عن عليٍّ أنه سئل: هل عندكم كتاب؟ فقال: "لا إلا كتاب الله، أو فهم أُعْطِيَهُ رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة" [الموافقات].

ومن إشارات الحديث النبوي الشريف إلى التفسير الإشاري، ما أخرجه ابن حبان في صحيحه وغيره من حديث الإمام ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ للقُرْآنِ ظَهْرًا وبطنًا وحدًّا ومُطَّلَعًا» [أخرجه العراقي في المغني بحاشية الإحياء ٩٩/١]، فالمراد بالظهر: ما يظهر من معاني التنزيل لأهل العلم بالظاهر، وقيل: هو التفسير، والمراد بالبطن: ما يتضمنه من الأسرار التي أطلع الله تعالى عليها أرباب الحقائق، وقيل: هو التأويل، وقيل: هو روح الألفاظ، أي: الكلام المعتلي عن المدارك الآلية بجواهر الروح القدسية، والمراد من الحد: المنتهي فيما أراده الله تعالى في معنى الحرف من القرآن، وقيل: هو ما تتناهى إليه الفهوم في معنى الكلام العزيز، وقيل: هو ما يرتقي به من البطن إلى المطلع، والمُطَّلَع -بضم الميم وفتح الطاء المشددة- هو ما يتوصل به إلى معرفة الغامض من المعاني والأحكام ويوقف على المراد به، وقيل: المطلع هو مقام الاطلاع من الكلام النفسي إلى الاسم المتكلم المشار إليه بقول الصادق [يقصد الإمام جعفر الصادق]: "لقد تجلى الله تعالى في كتابه لعباده ولكن لا يبصرون". [الألوسي]

وكذلك ذكر العلماء من شواهد تأصيل التفسير الإشاري من السنة النبوية أن النبي لى الله عليه وسلم- دعا لسيدنا عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، فقال: «اللَّهمَّ فقِّهْهُ في الدِّين، وعلِّمْهُ التَّأويلَ». [رواه أحمد]

وقد احتج به الإمام الغزالي للتفسير الإشاري الفيضي قائلًا: "فإن كان التأويل مسموعًا كالتنزيل ومحفوظًا مثله فما معنى تخصيصه بذلك؟" [الإحياء]، أي: أن تخصيص حبر الأمة بتعليم التأويل دليل على خصوصية التأويل المفاض على القلب لخواص الأمة، وذلك في مقابلة التفسير الظاهر المتداول بالسماع لعموم علمائها.

ولقد ورد عن كبار الصحابة -رضوان الله عليهم- ما يدل على أنهم عرفوا التفسير الإشاري وقالوا به، فمن ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك، عن الإمام ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: "إن القرآن ذو شُجون وفنون، وظهور وبطون، لا تنقضي عجائبه ولا تبلغ غايته، فمن أوغل فيه برفق نجا، ومن أفرط فيه بعنف هوى؛ أخبار وأمثال، وحلال وحرام، وناسخ ومنسوخ، ومُحْكَم ومتشابه، وظهر وبطن، فظهره التلاوة، وبطنه التأويل: فجالسوا به العلماء، وجانبوا به السفهاء". [الإتقان، السيوطي]

 كما روي عن الإمام ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: "من أراد علم الأولين والآخرين فليُثَوِّر القرآن". [رواه الطبراني في الكبير]

وكذلك ورد عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- أنه قال: "لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يجعل للقرآن وجوهًا". [الإتقان، السيوطي]

وقد عقب الحافظ السيوطي على هذين الأثرين بتوجيه الاستشهاد بهما لتأصيل التفسير الإشاري بقوله: "وهذا الذي قالاه لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر" [الإتقان، السيوطي]، أي: بل يحصل بالتفسير الإشاري الباطن.

وكذلك استدل حجة الإسلام الإمام الغزالي لهذا التفسير الإشاري بما رواه عن سيدنا علي -كرم الله وجهه- أنه قال: "لو شئت لأوقرت سبعين بعيرًا من تفسير فاتحة الكتاب!" إذ عقب بقوله: "فما معناه وتفسيره في غاية الاختصار"؟؟ [إحياء علوم الدين]، أي: أن تفسير الفاتحة بهذا القدر البالغ يحمل سبعين بعيرًا لا يمكن أن يتحصل عليه من التفسير الظاهر الذي هو نتاج النقل والعقل؛ فلا بد أن يكون تفسيرًا فيضيًا إشاريًا من لدن علام الغيوب، وإذا كان هذا في تفسير الفاتحة وحدها فكيف بتفسير القرآن كله؟ لقد صرح سيدنا عليٌّ بأن مرد ذلك إلى الفهم الباطن حيث يقول: "من فهم القرآن فسر به جمل العلم". [إحياء علوم الدين]

وإذا كان الأمر كذلك، فهل وعى لنا التراث التفسيري حظًا من التفسير الإشاري عند الصحابة ومن بعدهم من المفسرين؟ أجل، فقد سجلت المصادر الوثيقة -ومنها كتاب الموافقات للشاطبي- بعض نماذج التفسير الإشاري المأثور عن الصحابة رضوان الله عليهم، إذ يقول الإمام الشاطبي رحمه الله وهو يقرر ثبوته: "وله أمثلة تبين معناه بإطلاق؛ فعن ابن عباس قال: "كان عمر يدخلني مع أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال له عبد الرحمن بن عوف: أتدخله ولنا بنون مثله؟ فقال له عمر: إنه من حيث تعلم، فسألني عن هذه الآية: {إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ} [النصر: ١] فقلت: إنما هو أَجَلُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعلمه إياه، وقرأ السورة إلى آخرها، فقال عمر: "والله ما أعلم منها إلا ما تعلم"، فظاهر هذه السورة أن الله أمر نبيه أن يسبح بحمد ربه ويستغفره إذ نصره الله وفتح عليه، وباطنها: أن الله نعى إليه نفسه.

ولما نزل قوله تعالى: {ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ} [المائدة: ٣] فرح الصحابة وبكى عمر! وقال: "ما بعد الكمال إلا النقصان، مستشعرًا نعيه -عليه الصلاة والسلام-، فما عاش بعدها إلا أحدًا وثمانين يومًا". [الموافقات، للشاطبي]

ومن هذين المثالين ندرك أن بعض الصحابة في المثال الأول، وهو مروي في صحيح البخاري عن حبر الأمة، لم يدرك من معنى السورة إلا المعنى الظاهر وهو الأمر بالتسبيح بحمده تعالى والاستغفار إذا تم النصر والفتح، أما سيدنا عمر وسيدنا ابن عباس، فقد فهما منها معنى آخر وراء الظاهر، ألا وهو المعنى الباطن الذي تدل عليه السورة بطريق الإشارة، وكذلك في المثال الثاني فرح الصحابة بنزول الآية بفهمهم لظاهره وهو كمال الدين وإتمام النعمة وارتضاء الإسلام دينًا، بينما بكى سيدنا عمر لإدراكه المعنى الإشاري الباطن للآية، وهو نعي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهكذا يتأصل التأويل الإشاري الباطني للقرآن الكريم بثبوته عند كبار الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين، ولكن هل يقبل التفسير الإشاري الباطني على إطلاقه دون شروط أو ضوابط؟ كلا، فقد فنَّن له علماء التنزيل، ووضعوا له شروطًا وضوابط لا يُقبل إلا بتحققها وتوافرها.

شروط قبول التفسير الإشاري وضوابطه

أولها: ما نص عليه صاحب (الموافقات) بقوله: "أن يصح على مقتضى الظاهر المقرر في لسان العرب، ويجري على المقاصد العربية" [الموافقات للشاطبي]، وهذا الضابط المشترط هو مقتضى كون القرآن عربيًّا كما قال منزله جل وعلا: {إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} [يوسف: ٢]، فلو ادعى شخص تفسيرًا أو تأويلًا لا يقتضيه كلام العرب ومخالفًا للقواعد العربية، لم يوصف بكونه عربيًا، ولكان كلامًا ملصقًا بالقرآن، ليس في ألفاظه ولا في معانيه ما يدل عليه، وما كان كذلك فلا تصح نسبته إليه أصلًا، ويدخل صاحبه تحت إثم من قال في كتاب الله بغير علم.

والشرط الثاني: أن يكون له شاهدٌ شرعيٌ يؤيده من الكتاب أو السنة أو الأصول المعتمدة ويشهد بصحته، فإنه إن لم يكن له في محل آخر شاهد نصًا أو ظاهرًا يشهد لصحته كان مجرد دعوى من جملة الدعاوى التي يدعيها أصحاب الاتجاهات الباطلة على القرآن، ومعلوم أن الدعوى المجردة غير مقبولةٍ باتفاق العلماء.

والشرط الثالث: ألا يكون للتفسير الإشاري معارض شرعي أو عقلي، وذلك كتأويلات الباطنية التي توصلوا بها إلى نفي الشريعة بالكلية، كتفسيرهم الكعبة بالنبي، والصلوات الخمس بالأصول الأربعة والإمام.

والشرط الرابع: ألا يدعي أن التفسير الإشاري هو وحده المراد دون الظاهر، بل لا بد من إقرار التفسير العباري الظاهر أولًا، ثم الأخذ بالمعنى الإشاري. [الموافقات للشاطبي]

قال الإمام الغزالي -قدس الله سره: ".... ويعلم أنه لا يجوز التهاون بحفظ التفسير الظاهر أولًا، ولا مطمع في وصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر، ومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن يدعي البلوغ إلى صدر البيت قبل مجاوزة الباب، أو يدعي فهم مقاصد الأتراك من كلامهم وهو لا يفهم لغة الترك". [إحياء علوم الدين]

وقد أضاف العلامة الزرقاني شرطًا خامسًا: وهو ألا يكون تأويلًا بعيدًا سخيفًا، كتفسير بعضهم قوله تعالى: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [العنكبوت: ٦٩] بجعل "لمع" فعلًا ماضيًا و"المحسنين" مفعوله. [مناهل العرفان]

ولقد أذعن علماء أصول فقه الشريعة للتفسير الإشاري المنضبط بضوابطه وأيقنوا بصحة مصدره، وقرروا أنواعه، وما يصح اعتباره منه وما يتوقف فيه، فيقول الإمام الشاطبي -رضوان الله عليه: "الاعتبارات القرآنية الواردة على القلوب الظاهرة للبصائر: إذا صحت على كمال شروطها، فهي على ضربين:

أحدهما: ما يكون أصل انفجاره من القرآن، ويتبعه سائر الموجودات، فإن الاعتبار الصحيح في الجملة هو الذي يخرق نور البصيرة فيه حجب الأكوان من غير توقف، فإن توقف فهو غير صحيح أو غير كامل؛ حسبما بينه أهل التحقيق بالسلوك.

والثاني: ما يكون أصل انفجاره من الموجودات جزئيها وكليها، ويتبعه الاعتبار في القرآن.

فإن كان الأول: فذلك الاعتبار صحيح، وهو معتبر في فهم باطن القرآن من غير إشكال؛ لأن فهم القرآن إنما يرد على القلوب على وفق ما نزل له القرآن، وهو الهداية التامة ما يليق بكل واحد من المكلفين وبحسب التكاليف وأحوالها لا بإطلاق، وإذا كانت كذلك: فالمشي على طريقها مشي على الصراط المستقيم.

ولأن الاعتبار القرآني قلما يجده إلا من كان من أهله عملًا به على تقليدٍ أو اجتهادٍ، فلا يخرجون عند الاعتبار فيه عن حدوده، كما لم يخرجوا في العمل به والتخلق بأخلاقه عن حدوده، بل ينفتح لهم أبواب الفهم فيه على توازي أحكامه، ويلزم من ذلك أن يكون معتدًا به لجريانه على مجاريه.

والشاهد على ذلك: ما نقل من فهم السلف الصالح فيه: فإنه كله جارٍ على ما تقضي به العربية، وما تدل عليه الأدلة الشرعية حسبما تبين قبل.

وإن كان الثاني: فالتوقف عن اعتباره في فهم باطن القرآن لازم، وأخذه على إطلاقه فيه ممتنع؛ لأنه خلاف الأول، فلا يصح إطلاق القول باعتباره في فهم القرآن، فنقول: إن تلك الأنظار الباطنة في الآيات المذكورة إذا لم يظهر جريانها على مقتضى الشروط المتقدمة فهي راجعة إلى الاعتبار غير القرآني وهو الوجودي. [قد مثل شارح الموافقات - الشيخ عبد الله دراز- للاعتبار الخارجي بما روي عن بعضهم بتأويل الألف شهر المذكورة في سورة (القدر) بمدة الدولة الأموية لأنها مكثت ثلاثًا وثمانين سنة وأربعة أشهر]، ويصبح تنزيله على معاني القرآن لأنه وجودي أيضًا، فهو مشترك من تلك الجهة غير خاص، فلا يطالب فيه المعتبر بشاهد موافق إلا ما يطالبه به المربي، وهو أمر خاص وعلم منفرد بنفسه" [الموافقات]

إن هذا النص الأصولي توثيق لحقيقة التفسير الإشاري وبيان لمصداقيته بضوابطه العلمية المقررة، وكما أصَّل له حجة الإسلام الغزالي بقوله في الإحياء: "فاعلم أن من زعم أن لا معنى للقرآن إلا ما ترجم بظهر التفسير فهو مخبر عن حد نفسه، وهو مصيب في الإخبار عن نفسه، ولكنه مخطئ في الحكم برد الخلق كافة إلى درجته التي هي حده ومحطه، فالأخبار والآثار تدل على أن في معاني القرآن متسعًا لأرباب الفهم، أي الفهم عن الله تعالى قال علي: (إلا أن يؤتي الله عبدًا فهمًا في القرآن(، فإن لم يكن سوى الترجمة المنقولة، فما ذلك الفهم؟ وقال -صلى الله عليه وسلم: «إن للقرآن ظهرًا وبطنًا وحدًا ومُطَّلَعًا»، ويروي أيضًا عن ابن مسعود موقوفًا عليه وهو من علماء التفسير، فما معنى الظهر والبطن والحد والمطلع". [إحياء علوم الدين]

ولقد أبدى العلامة -في علم أصول الحديث النبوي- الحافظ ابن الصلاح أيضًا رأيه في التفسير الصوفي الإشاري، ورد على من حكم بتكفير القائلين به، حيث قال في فتاواه، وقد سئل عن كلام الصوفية في القرآن: "وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي المفسر رحمه الله تعالى أنه قال: صنف أبو عبد الرحمن السُّلَمي حقائق التفسير، فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر!!" قال ابن الصلاح: "وأنا أقول: الظن بمن يوثق به منهم أي الصوفية، أنه إذا قال شيئًا من أمثال ذلك: إنه لم يذكر تفسيرًا، ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة المذكورة من القرآن العظيم؛ فإنهم لو كانوا كذلك لكانوا قد سلكوا مسلك الباطنية، وإنما ذكر ذلك منهم لنظير ما ورد به القرآن؛ فإن النظير يُذكر بالنظير، ومن ذلك: قتال النفس في الآية المذكورة يريد قوله تعالى {قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ} [التوبة: ١٢٣] فكأنه قال: "أمرنا بقتال النفس ومن يلينا من الكفار، ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا في مثل ذلك: لما فيه من الإبهام والإلباس". [شرح العقائد النسفية، التفتازاني]

تعليق على تقرير الحافظ ابن الصلاح نقول:

أولًا: أن ابن الصلاح لم يرتض أن يحكم على تفسير الصوفية مطلقًا بتكفير القائلين به، باعتبار أنهم لم يذكروه على أنه التفسير المقصود بالأصالة دون غيرة من التفسير العباري الظاهر، بل هو من قبيل الإشارة إلى النظير الذي يذكر بنظيره.

ثانيًا: أنه حال بين حكم الواحدي بتكفير الإمام السُّلَمي المعلق على إرادة صاحبه بأنه المقصود وحده من دلالة النص القرآني، وبين واقع التفسير الإشاري المتخالف لتفسير الباطنية.

ثالثًا: أن ابن الصلاح قد سجل ابتداءً حسن ظنه بأهل التصوف الموثوق بعلمهم وتحقيقهم وارتضى نماذج من تفسيرهم، ومع ذلك تمنى أخيرًا عدم التساهل في الأخذ بكل ما يدعى أنه تفسير صوفي، ويشير بذلك إلى الالتزام بضوابط قبوله. [الإتقان]

الخلاصة

التفسير الصوفي الإشاري: هو منهج يستكشف المعاني الخفية والباطنية في القرآن الكريم، متجاوزًا الفهم الظاهر، ويُعتبر هذا الأسلوب امتدادًا تاريخيًا يعود إلى زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، حيث استخدم الصحابة هذا النوع من التفسير لفهم النصوص بشكل أعمق، ويُسهم التفسير الإشاري في تعزيز العلاقة الروحية بين العبد وربه، من خلال استنباط أحكام سلوكية وأخلاقية تعكس الفهم العميق للقرآن، ويشترط العلماء شروطًا دقيقة لقبول هذا النوع من التفسير، تتضمن توافقه مع اللغة العربية والشواهد الشرعية؛ وقد اعتنى به جماعة من العلماء في تفاسيرهم، كالقشيري وابن عجيبة، وغيرهما.

موضوعات ذات صلة

التصوف الإسلامي ينقسم إلى قسمين رئيسيين: أحدهما يركز على مادة التصوف ومبادئه، والآخر يختص بالتراجم وسير الصوفية.

من بين التجليات الصوفية: الحضرة والحضور، فنلقي الضوء حول مفهوم الحضرة والحضور.

تُعد قضية الحرية من أبرز المفاهيم التي تناولها التصوف الإسلامي بعمقٍ ميتافيزيقي وروحي.

موضوعات مختارة